مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

أحمد فلمبان  إن الفن الحقيقي هو الذي ينبع من حياة الناس ومقاساة الشعوب، يتأثر به …

الفن الحقيقي

منذ 11 ساعة

8

0

أحمد فلمبان 

إن الفن الحقيقي هو الذي ينبع من حياة الناس ومقاساة الشعوب، يتأثر بهم الفنان ويتفاعل مع هذه المجتمعات ويكون صدى لهذه الظروف، ويقاسم أحاسيسهم ومشاعرهم، ويشارك افراحهم ويشاطر اتراحهم، ويتألم لمعاناتهم وهموهم، ويعبر عن حاضرهم ومستقبلهم، مستلهما صوراً ونماذج من واقع حياته وما يحيط هذا الواقع من مظاهر الكون وظواهر الطبيعة، يجسد الصورة الحية النابضة عن هذا الواقع، وتنظيمها بتراكيب مجنحة بالخيال، وتقديمها بأسلوب مميز، وخاصة أن الفنان بصفته كائنا اجتماعيا، عليه استخدام كافة ملكاته العقلية والعاطفية والحسية، عند صياغته لهذه المواضيع بطريقة مبتكرة، حيث لا تتم ذلك بانعزال عن المجتمع، بل يرتبط به ويعكس واقع تلك الفئة الاجتماعية، ففي الوقت الذي يصوغ فيه الفنان (شكلا) معينا، فأنه يصور مضمونا معينا، أي أن هناك ارتباط بين الشكل والمضمون، يشتق منهما كيانه من الآخر، بشكل لا يمكن الفصل بينهما، ومن المهم ألا نفصل -الموضوع والمضمون-؛ لأن لكل صورة يعتبر (موضوعا) إلا أنها في الوقت نفسه تحوي -شكلا ومضمونا- مشتقين من ذات الموضوع، ويتضح ذلك عند قيام عدد من الفنانين برسم موضوع واحد، فينتجون مضامين مختلفة، بل متضادة أحيانا، إذًا؛ لأن كل منهم مفاهيمه وفلسفته وموقفه ووجهة نظره الخاصة، بالإضافة إلى إمكانياته، الفنية والثقافية والتقنية، يعكس الأفكار المختلفة والمنطلقات المُتَفَاوِتة، والمحاولة لتكوين تقاليد فنية ذاتية، برؤية مبتكرة مُنْفَرِدة مُتَمَيِّزة.

وهذه المراحل لا تأتي مصادفة أو بالشغف والتعلم من (مدربين طارئين) بل بالعلم والدراسة المتخصصة -ليست تربية فنية-؛ لأن في مجال الفن، يحتاج سنوات طويلة من الدراسة المتخصصة، وتجارب معمقة لتنضج وتطور وتكتمل، وزمنا طويلا من الممارسة المستمرة، عبر الاحتكاك مع الخبرات المختلفة، ولكن الفنانين عندنا، والشغوفين بالذات، الاستعجال للولوج إلى الفن، كي يصبحوا فنانين مشهورين في خمسة أيام، بالاتجاه الى (التدريب الطارئ) من مدربين اميين في الفن، الذي اصبح مجالا للعاطلين، من (المعلمين المتقاعدين، ومصممي الدعاية والإعلان، ومندوبي المبيعات، والنجارين، وعاملات التطريز والخياطة) المنتشرين (في كافتيريات المراكز والصالات الفنية) في ظل الفوضى العارمة، وغياب المعايير لتدريب الفنون الجميلة، وهذه الحالة بدأت تنمو (لأسباب كثيرة) وأصبحت واقع بالقوة، فمعظم الإنتاج من هؤلاء -المستعجلون- متشابهة ومُتماثلة ومُتَطَابِقة، بما فيها الاستلهامات والصيغ والتقنية أيضا متقاربة، مندفعين نحو الصيغ التزيينية والديكوراتية والمناسبة مع المجالس والصالونات، ورسم البورتريهات، وتنفيذ طلبات المناسبات والاحتفالات والمجاملات، والمشاركة في المسابقات ولمن يبيع اكثر، وكلها مقلدة ومنسوخة من الصور واللوحات في الجوال، مع بعض التنميقات والتغيرات للخروج من ضائقة اللطش، بإرشادات وتوجيهات (المدربون الطارؤن) وهذه الحالة السلبية، تكريس لتوجهات تسهم في تحييد تجارب متميزة، والجرأة الفنية نحو ما هو مختلف ومعبر عن حالة فنية أصيلة، والوهم بأنهم أصبحوا فنانين، ويقيمون فورا معرضا شخصيا، لكومة من الأعمال بشتى أنواع الأساليب والتقنيات بما فيها أدوات المطبخ وفساتين باربي واللوحات التزينية والديكورية الصينية من سوق العنقري، للحاق بركب الفن، متسلحين بالشغف العميق، ومتأهبين لعمل أي شيء، دون أي مضمون او موضوع، أو أسلوب، أو قضية يبحث فيها، ولا يتصل بشيء من بيئته ومجتمعه، أو من الشعور الشخصي، ومنها توالدت الأوهام وتناثرت كالطحالب، ويمارسوا حالة من الاجتراء على الفن معتبرين أنفسهم فنانين وفنانات، (لم يخلق مثلهم في البلاد) وأنه لا يوجد أحد في العالم يرسم غيرهم، ابتليت بهم الساحة التشكيلية، في ظل الفوضى العارمة، وسكوت المثقفون وأدعياء النقد، وتشجيع كتابات هواة رص الكلمات، من معلمي الرسم والأحياء، وعمال الصبة والتلييس والنجارين، ويسهمون بكتابات -في اعتقادهم- أنها تتمتع بصفة النقد؛ لأنها قائمة على معرفتهم ببعض المعلومات الفنية وعن الفنانين من الشلة، وهذا لا يثبت لهم التخصص في النقد الفني، وإنما يثبت لهم حسن الكتابة، والحرفنة في التلميع والتطبيل بلطشها من مقالات الآخرين في النت، بالإضافة إلى اسهامات القنوات الخاصة، واليوتيوب وانستغرام والتويتر والسنابات، وهذا الوضع السلبي، يسيء للتشكيل السعودي النقي، ويحبط الفنان الجاد، ولا يرتقي أبداً إلى مستوى التطلعات والطموحات، وتجسيد المشهد المعرفي والفني للآخرين، ولا يرتقي ابدا الى الأصالة والإبداع، لأن العمل الإبداعي، مفهومه معقد، فهو جملة من القدرات الذاتية، والتمكن من الأدوات المتاحة، لتقديم تكوينات وأفكار مبتكرة، ودمج بين المهارة التقنية على الصعيد البصري والفكري، لأعمال غير مألوفة وغير تقليدية، إذ يتجاوز مجرد المهارة التقنية، ليصل إلى القدرة على نقل الرؤية الخاصة للفنان، والتحكم في أدوات عمله، سواء كانت رقمية أو نحتية أو رسما، وإعادة صياغته بأسلوب يحمل دلالات فلسفية وجمالية، ويستلهم من تراث بيئته، ويعبر عن حاضرها ومستقبلها، ويجسد الصورة الحية النابضة عن هذه البيئة؛ لأن كل لوحة أصيلة، هي منبهٌ يهذب فينا قيمة  الحضارة المتحركة في عيوننا، يشع منها نوع جديد من الرؤية، فهي تتطلع إلى الجمال والكمال، إمّا حاوية أو خاوية؛ لأنها تُرينا شيئا نُبصرها بالعين مع شيء نُدركه بالبصيرة، فهي تجمع بين البصر والبصيرة، وهذا هو الفن الحقيقي.

World-class artworks protected by intellectual and literary property rights.

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود