مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

أحمد فلمبان إذا فسرنا الفن من الناحية الشعرية شبهناه (مثلاً) بزهرة اللوتس، و إذا …

النزاهة في الفن

منذ 26 دقيقة

3

0

أحمد فلمبان

إذا فسرنا الفن من الناحية الشعرية شبهناه (مثلاً) بزهرة اللوتس، و إذا واجهناه من الناحية الميتافيزقية، فقلنا إنه (الوحدة القائمة من الإلهام والتعبير بين الوحي والخيال) وإذا قارناه بهاتين الزاويتين، نكون قد جردناه عن أي أساس نظري من مضمونه التاريخي؛ لأن المؤرخين يفضلون موازنته بالوقائع من حيث نشأته وتطوره في المكان والزمان، أي من -حيث مضمونه التاريخي-؛ لهذا فان هناك بوناً شاسعاً بين الوحي والتصميم الذي ينطلق منه الفنان لوضع أثره الفني، وبين تحقيق هذا الأثر في مرحلته الأخيرة؛ لأن التقنية بأي أسلوب والخامات وطريقة معالجتها، هي -جملة من الأسباب التي يصنع الفرق بين التصميم وتنفيذه- أما الأسباب الأخرى من المثاليات التي يؤمن به الفنان، من واقع عصره والقيم الحضارية التي تتجلى في بيئته، قد تؤثر في عمله الفني بشكل دقيق (مثلاً) الرسام الذي يرسم الأشجار الملآى بالأوراق الخضراء والزهور المتفتحة، ينتمي إلى بيئة تختلف عن الرسام الذي يرسم الأشجار التي ثورتها الزوبعة وأوراقها صفراء!! وفي لوحات النصف الأول من القرن العشرين، نلاحظ أن الأشجار تبدو فخورة زاهية كالناس من الوجهاء، الذين يتباهون بمكانتهم الاجتماعية -في تلك الفترة- بينما نلاحظ في لوحات النصف الثاني من القرن نفسه، أن الأشجار تبدو حزينة متكسرة يابسة دون أوراق؛ لأن القضايا الاجتماعية، والأزمات والمعاناة والمقاساة، قد بدأت في ذلك الحين وتأثر بها الفنانون أيضاً، إذاً، فكل أثر فني مرتبط بزمن العصر الذي يظهر فيه، صحيح أن الآثار الخارقة في جمالها تتعدى الزمان وتصبح خالدة، ولكن هذا لا يعني أبدا أنها تختلف عن بيئتها، في سبيل تقديم أثر للأجيال المقبلة له القيمة الفريدة، التي تتضمنها كل بيئة من البيئات.

وعلى الرغم من السلبيات التي سادت هذا الزمن، يمكننا القول أن البيئة التي نشأت وتكونت الأعمال خلال الحقب الماضية، هي أيضاً لها قيمة مهمة، ولكن بشكل مختلف، وإذا أردنا اكتشاف المعطيات النظرية للفن في بيئات أوروبا، علينا أن نرجع أولا، إلى مثالية القرن التاسع التي تقول (إن الفن هو التعبير عن مثل عليا) لأنه في ذلك الوقت، وخاصة في إيطاليا، لا يعرفون التقليد والنسخ من اعمال الغير؛ لأنه يعتبر تزييف وتعدي على الحقوق الفكرية والأدبية، ويشتغلون لذاتهم الفنية، لوجود مجالات التعلم الفني، من المدارس الابتدائية والمعاهد والأكاديميات، وورش ومحترفات الفنانين؛ لأنهم يعلمون جيداً، أن أية خطوة في الفن يقدمون عليها، يجب الحصول على شهادة أو معهد أو محترف فني، ولكن في ساحتنا التشكيلية، لغياب التعليم المتخصص في الفنون، وأمد الدراسة في كليات التربية الفنية، وفي النهاية، لا تحقق طموحاتهم للولوج السريع إلى الفن، فاستغلوا هذه الثغرة، بعض المتقاعدين أو من المتاكسلين والمتسكعين اللي مالو شغلة، للعمل كمدربين، بالتعاون مع الجاليريات الخاصة، والطامة الكبرى، أن البعض منهم يجهلون معرفة ميدان الفنون المحلية، وليسوا مطلعينً ومتواصلين مع المنجزات الفنية المعاصرة محلياً وعالمياً، والخلط في المفاهيم،(مثلا) يعتقدون أن التأثيرية والانطباعية أسلوبين مختلفين، ويعلمون المتدربين بهذه المعلومة -لكن ليس كذلك- فهما أسلوب واحد هو (الانطباعية) والاسم مأخوذ من عنوانه (انطباع) وسميت بهذا الاسم؛ لأنها تنقل انطباع الفنان عن المنظر المشاهد، بعيداً عن الدقّة والتفاصيل، ومن خصائصها، تسجيل الانطباعات المرئية المتغيرة، والخروج في الهواء الطلق والإسراع في تنفيذ العمل الفني قبل تغّير موضع الشمس في السماء وتبدّل الظل والنور، ونقلها عن الطبيعة والواقع أو الحدث من الطبيعة مباشرة وكما تراه العين المجردة بعيداً عن التخيّل والتزويق، والفنان يخرج من منزله للرسم المباشر قبل تغّير موضع الشمس في السماء وتبدّل الظل والنور، ولكن المدرب، يشرحها نظريا في ورشته، والتعريف بها بالصور في الجوال، وكذلك (الأسلوب التجريدي) في اعتقادهم انه مساحات لونية وبعثرة مفردات، ولكن فلسفته الصحيحة (تجريد كل ما هو محيط عن واقعه وإعادة صياغته برؤية فنية جديدة تتجلى حس الفنان باللون والحركة والخيال، ويسمى أحيانًا (بفن اللاهدف) وتمرده على التقاليد الفنية التقليدية، ويعدُّ نوعًا من الإيضاح الراقي، ولكن المدرب، يشرحه نظريا، ووسيلة الإيضاح من الصور في الجوال، وفي رسم الآثار التاريخية والمعالم السياحية، (نرى العجب في التدريب) يدربونهم على التقليد والنسخ من الصور في الجوال، ولكن الصحيح يتم بالرسم المباشر في المواقع ذاته والرسم (لايف) ليعرف المتدرب الشكل الحقيقي للأثار، والتفاصيل والأبعاد والمقاسات والألوان، واذا تعذر التواجد في الموقع، يمكن الاستعاضة بعرض فيديو عن الأثار، وهو بمثابة مشاهدة على الطبيعة؛ لأن المتدرب يختار الزاوية التي تعجبه ويرتاح إليها ويراها لايف، وفي رسم البورتريهات، يدربونهم على النسخ من الصور؛ لأن الصحيح، يكون بالرسم المباشر للشخص المراد تصويره، ومن هذه السلبية في التدريب، يستمر أجيال من الفنانين بثقافة التقليد والنسخ من مصادر جاهزة، ولا يألون جهدا في البحث والتجريب، وتنوع التجارب، وفتح السبل إلى ما هو أكثر اختلافا، وكأنهم يشجعون على التشابه في التجارب، وبالتالي يسهمون في تحييد التغيير أو الجرأة الفنية نحو ما هو مختلف ومعبرا عن حالة فنية أصيلة، ومنحها المنظومة المتكاملة، تثري مجالات الفنون البصرية، لرسم ملامح مستقبل التشكيل السعودي، والخروج من التقليد والنسخ، إلى الخصوصية الفنية الأصيلة، وإثبات الذات، والارتقاء إلى مستوى الحراك، وتتكامل في ضوئها الجهود بين المؤسسات التثقيفية فيه وتنبثق منها الخطط والأهداف الواضحة والاستراتيجيات والمخرجات المدروسة، للوصول به إلى المستوى الذي يميزه عن باقي الفنون العربية والعالمية، وترسيخ مكانتها كمنارة ملهمة للمعرفة والتعليم والثقافة والفن؛ ولذلك على الجهات المشرفة للتشكيل، وضع المعايير للاشتغال بمهمة (المدرب في الفنون، وليس التدريب في السباحة) التي أصبحت ظاهرة (أنا الأكاديمي وخريج فنون جميلة من روما، لا يمكنني إعطاء درسا في الرسم) واعتقد في التعليم العام يحتاج ليكون معلما (شهادة إعداد تربوي وطرق التدريس، بالإضافة الى الشهادة التخصصية في المواد) (مثلاً) معلم الأحياء لا يمكنه تدريس مادة اللغة العربية والدين، ومعلم الاجتماعيات لا يمكنه تدريس الفيزياء او الرياضيات، ولكن في الفن، معلمي الصبة والتلييس، ومصممي الإعلانات والنجارين، يدربون الفن!! وللأسف هذه الحالة ينعكس سلباً على التشكيل السعودي، ويبقى في (مكانه سر) لأن نوعية الإنتاج ومدى الأصالة، هي الواجهة الحقيقية لأية حركة تشكيلية، التي تثير العلاقة الطبيعية بين الفنان والجمهور، فيؤثر أحدهما على الآخر، ليأخذ طابعه التأثيري وجانبه الحضوري، شكلاً متميزاً ونزيهاً؛ لأن الفن التشكيلي متداخلا وله طرق عديدة للرؤية والتعبير للوصول إلى نتائج مختلفة ورؤى متباينة، ويسعى إلى حقيقة موضوعية وحسابات اقتصادية ومعايير جبرية، كما يفعل العلم، ليحاول الوصول طرق تطبيقية وعملية لتحسين الإنتاج، لأن “الفن” موقفاً حضارياً من الإنسان وهو فكر وموقف لأي إنسان وللإنسان، وهو ردة الفعل الذهنية، وردة الفعل العاطفية وطرح الردات والانفعالات والتحليق في آفاق الفن المثير، وينأى عن التقليد والنسخ والخلط في المفاهيم، لأن العمل الإبداعي، القدرة على الابتكار، وتقديم تكوينات شخصية مختلفة وبصمة عاطفية وأفكار جديدة وتجارب أكثر تميزا، بدمج بين المهارة البصرية والخيال الإنساني لخلق أعمال ملموسة، بطرق غير مألوفة وغير تقليدية، والحرفنة في صياغة الأشكال والألوان والأسلوب، والتحكم في أدوات العمل سواء كانت تقليدية أو رقمية، بلغة بصرية، تحمل دلالات فلسفية وجمالية، ويتجاوز مجرد المهارة التقنية، يمثل شخصيته وأفكاره وثقافته؛ لأن الفن نتاج إنساني ينبع من الوجدان، وهو جزء هام في حياته، يساهم في ترجمة المشاعر الإنسانية، ومعالجة قضاياها بأسلوب شامل وبناء، ويعبر عن حياة الأمم والشعوب، ويتلمس أحاسيسهم ومشاعرهم ويعيش معاناتهم ومشاكلهم، فيتناولها بالتعبير والمعالجة، بل ينقل إليهم شيئاً عن العالم أو عن الإنسان أو عن الفنان نفسه، في عفوية وسلاسة بشحنة وجدانية ملهمة؛ لأنه جزء من المجتمع يأخذ منه الانفعال وتألق البصائر وثورة العواطف، ويمزجها كل ذلك برؤيته الذاتية وقدرته الخاصة على الإبداع، ولا يمكن أن يخلو فن له قيمته من هذه الطاقة الخلاقة، فهي محصلة للظروف الاجتماعية الذي ينتمي اليها الفنان، فهو صدى أمالهم وآلامهم ومعاناتهم، ويذكرهم دائما بالحياة الإنسانية والأمل، ويخاطبهم ويضرب على أحاسيسهم ومشاعرهم، ليكون صدىً لمشاكلهم وانصهاره معهم، وهو القاسم المشترك الأعظم، يهب لمساته الواعية وأثره في النفس الإنسانية، ويستوحي الكثير من تراثهم وتقاليدهم وعاداتهم، ويعبر عن حاضرهم وواقعهم، ودورهم المؤثر في مستقبلهم وتطوره، ومِرآة تعكس حضارة وتاريخ امتهم، وليس أبلغ من هذه المقولة (إذا أردت أن تعرف أمة فإن عليك أن تطالع آثارها ومتاحفها وفنونها التشكيلية على وجه الخصوص)

World-class artworks protected by intellectual, literary, and technical rights, as well as style and every minute detail.

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود