الأكثر مشاهدة

عبدالعظيم محمد الضامن منذ فجر الحضارات، شكّلت الأسطورة الوعاء الأول الذي احتضن م …

الأسطورة في الفن التشكيلي

منذ ساعة واحدة

3

0

عبدالعظيم محمد الضامن

منذ فجر الحضارات، شكّلت الأسطورة الوعاء الأول الذي احتضن مخيلة الإنسان، فصاغ من خلالها رؤيته للكون والحياة والموت، وجعل منها لغةً رمزيةً عبّر بها عن هواجسه وأسئلته الكبرى. وفي حضارة وادي الرافدين، احتلت أسطورة الإلهة عشتار مكانةً محورية، لما تحمله من دلالات تتجاوز حدود السرد إلى فضاءات الفكر والفن والرمز.
ولعل الفنان المسلم استلهم الكثير من الحكايات ورواها بفن المنمنمات واهمها فن الواسطي الذي رسم لنا حكايات مقامات الحريري بجمالها، حيث اختزل تلك تلك المقامات في صفحات تروي لنا البعد الأدبي والقيمة الفنية رفيعة المستوى.
يذكر الدكتور فاضل عبد الواحد في كتابه عشتار ومأساة تموز، في الفصل الخامس، قصة نزول الإلهة السومرية أنانا، التي عُرفت لاحقًا باسم عشتار، إلى العالم السفلي، بعد أن أصبحت زوجةً للإله دموزي (تموز). فقد عزمت على القيام برحلة إلى مملكة الموت، الخاضعة لسلطة أختها الكبرى إيرشكيجال، في واحدة من أكثر الأساطير العراقية القديمة عمقًا وتأثيرًا.
وتكتسب هذه الرحلة أهمية استثنائية، ليس فقط لما تكشفه من طبيعة المعتقدات المرتبطة بعشتار وتموز، بل لأنها تفتح نافذة واسعة لفهم تصور الإنسان الرافديني للحياة الأخرى. وقد وصلت إلينا هذه الأسطورة عبر نسختين مسماريتين؛ الأولى سومرية والثانية آشورية، ويعود تدوينهما إلى النصف الأول من الألف الثاني قبل الميلاد، في العصرين البابلي القديم وعصر لارسا، وهي بذلك تعكس مرحلة تاريخية شهدت تحولات سياسية وثقافية عميقة، تمثلت في صعود الأموريين وتراجع السومريين بوصفهم قوة سياسية، إلى جانب انتقال اللغة البابلية لتصبح لغة الحياة اليومية، بينما اقتصرت اللغة السومرية على الطقوس والشعائر الدينية.
ورغم هذا التحول التاريخي، بقيت الأسطورة تعبيرًا عن وحدة الحضارة العراقية القديمة، إذ لم تكن الأساطير ملكًا لشعب بعينه، بل كانت ميراثًا حضاريًا مشتركًا بين شعوب وادي الرافدين. فإذا كانت عشتار تُعرف في الموروث البابلي بأنها إلهة الحب والحرب والخصب، فإنها في جوهرها الامتداد التاريخي لأنانا، سيدة السماء ورمز القوة والطموح والتجدد.
أما العالم السفلي الذي هبطت إليه، فلم يكن مجرد فضاء يقع تحت الأرض، بل عالمًا رمزيًا تتوارى فيه الأرواح بعد الموت. وتصفه النصوص المسمارية بأنه الفضاء الفاصل بين سطح الأرض والبحر الأول، حيث تمضي إليه أرواح الموتى جميعًا، ولا يُبلغ إلا بعد عبور نهر يقوده ملاح مكلّف بهذه المهمة. وهو تصور يقترب مما وصفه الباحث صموئيل نوح كريمر بعالم الجحيم، حيث ينتهي مصير دموزي بعد اقترانه بعشتار، في دلالة تعكس رؤية العراقيين القدماء لما بعد الحياة؛ رؤية يغيب عنها مفهوم الفردوس والصعود، لتحضر فيها فكرة الهبوط والمواجهة والفناء.
اللون الأخضر في الأسطورة
يحمل اللون الأخضر في الأسطورة الرافدينية دلالات تتجاوز حضوره البصري، فهو رمز للحماية والخصوبة واستمرار الحياة. ويبدو أنه من أكثر الألوان قداسةً في الفكر الأسطوري، إذ ارتبط منذ بدايات الاقتصاد الزراعي في العصر الحجري بمعاني النمو والتجدد والعطاء، واستمرت رمزيته حاضرةً في الوجدان العراقي حتى العصور الإسلامية.
ومن خلال قراءة ثقافية وتأويل معاصر، يمكن إدراك أن هذا اللون لم يكن مجرد عنصر جمالي، بل كان تجسيدًا لعلاقة الإنسان بالأرض ودورة الحياة. كما أن التراث الديني والأسطوري يزخر بشواهد تؤكد هذه الرمزية، حيث أسهم الفنانون عبر العصور في إعادة تقديم تلك الروايات برؤى بصرية مبتكرة، تجاوزت حدود السرد المسموع لتمنحها حياة جديدة عبر الصورة واللون والرمز.
الأسطورة واللوحة التشكيلية
إن العلاقة بين الحركة والسكون تمثل أحد الأسس الجوهرية في البناء الأسطوري؛ فكل حركة تؤول إلى سكون، وكل سكون يحمل في داخله بداية حركة جديدة. وقد ربط عالم الأنثروبولوجيا كلود ليفي شتراوس هذا البناء باللغة الموسيقية، حيث تتشكل المعاني من الإيقاع والتكرار والتحول.
وفي الفن التشكيلي، تتحول الأسطورة إلى لغة بصرية، فيغدو الإيقاع حركةً داخل التكوين، وتصبح الأشكال والألوان مفردات تحمل الفكر والمضمون. فاللوحة ليست مجرد تصوير لحدث أسطوري، بل إعادة صياغة له بلغة الجمال، حيث تنتقل الفكرة من النص إلى الصورة، ومن الرمز إلى التجربة البصرية التي تستثير التأمل وتمنح المتلقي فرصة لاكتشاف المعنى الكامن خلف المشهد.
وقد استلهم الفنانون التشكيليون عبر العصور الأساطير القديمة، فجعلوا منها منبعًا للإبداع والتعبير الفني. ومن بين هذه الأعمال تبرز لوحة جلجامش وعشتار للفنان التشكيلي عبد العظيم الضامن، التي تستحضر واحدة من أهم أساطير وادي الرافدين، وتعيد قراءتها بلغة تشكيلية معاصرة.
تتوسط اللوحة قلعة تاروت، محاطةً بالأشجار، بينما يحتل جلجامش وزهرة الخلود مركز التكوين، في بناء بصري تتداخل فيه العناصر الواقعية مع الرموز الأسطورية. ومن خلال هذا التكوين، ينجح الفنان في استحضار الذاكرة الحضارية، رابطًا بين المكان والأسطورة، وبين التاريخ والخيال، لتتحول اللوحة إلى نص بصري يروي حكاية الإنسان في بحثه الأزلي عن الخلود، وعن المعنى الكامن وراء رحلة الحياة والموت.

المراجع: كتاب البحث في جوهرة التفاني
شاكر حسن آل سعيد
جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود