الأكثر مشاهدة

شموع الحميد منذ أن وطئت أقدام الإنسان الأرض، كانت الطبيعة جزءاً لا يتجزأ من الإن …

استكشاف فنّي

منذ 11 ساعة

9

0

شموع الحميد

منذ أن وطئت أقدام الإنسان الأرض، كانت الطبيعة جزءاً لا يتجزأ من الإنسان إذ كانت مصدره الأول والأهم في تلبية احتياجاته وصناعة ما يعينه على الحياة والاستقرار. ومع مرور الزمن، لم تعد الطبيعة مجرد مورد للحياة، بل أصبحت مصدراً للإلهام وعنصراً أساسياً في حياة كل فنان لتشكيل الرؤية الجمالية والفنية. ومن أبرز هذه المواد كان الخشب الذي وظفه الإنسان في هذا السياق، فتم تحويله على أيدي الحرفيين إلى مادة تحمل قيمًا فنية وتشكل منها العديد من الأدوات والمقتنيات والعناصر المعمارية التي رافقت الإنسان عبر مراحل مختلفة من التاريخ. 

فبداية الأمر، كان الاستخدام منفعياً بحتاً؛ إذ ارتبط الخشب بتلبية الاحتياجات اليومية وصناعة ما يخدم الإنسان في حياته، إلا أن هذا الاستخدام لم يلبث أن تطور مع تطور الفكر الفني والجمالي، فأصبح الفنان يتعامل مع الخشب ليس بوصفه مادة تحتاج إلى ما يكملها، وإنما كعنصر متكامل يمتلك من الخصائص الجمالية والتعبيرية ما يجعله قادرًا على تشكيل العمل الفني بذاته. ومن هنا تجاوز الخشب وظيفته كخامة تُستخدم لصناعة الأشياء، ليصبح وسيلة فنية قائمة بذاتها، تستمد قيمتها من طبيعة الخشب وتكوينه وملمسه وعروقه، دون الحاجة إلى إضافة عناصر أخرى كالمعادن وغيرها لإتمام العمل، فأصبح الخشب بحد ذاته قادرًا على منح العمل اكتماله وقيمته الجمالية والتعبيرية، ومع اتساع حضور الخشب في المجال الفني، فبدأ الاهتمام بإمكاناته التشكيلية وما يتحيه من تنوع فتم إيجاد أساليب فنية لتوظيف هذه الخصائص وإبرازها فنيا.

ومن أبرز هذه الفنون فن الماركتري والباركتري الذي امتازا بالبساطة والدقة معا، حيث أصبح الخشب هنا لا يمثل مجرد سطح، بل جزء أساسي في تكوينه الجمالي من خلال تنوع الوانه وتجاور القطع وتداخلها لتكوين أشكال وزخارف تحمل رسالة وفكرة فنيه في منتهى الجمال والدقة العالية.

الماركتري هو أسلوب فني تقني يقوم على تكوين زخارف وصور واشكال فنية من خلال قص وتركيب قطع رقيقة من الخشب الطبيعي المتنوع كما تستخدم أحيانا مواد أخرى وتثبيتها على سطح أساسي لتكوين تصميم فني متكامل ،حيث يعتمد على تناسق ألوان وخطوط عروق الخشب الطبيعية دون اللجوء لصبغات صناعية او ريشة رسم لتكوين صور او زخارف او كتابات و تكوينات فنية محددة لذلك تكون القطع الخشبية في الغالب غير متطابقة وكل قطعه تؤدي غرض معين في التصميم.

فتنفيذ فن الماركتري لا يتطلب عدد كبير من الأدوات، اذ تعتمد العملية بشكل أساسي على أدوات القطع والتثبيت فأبرز هذه الأدوات المنشار اليدوي ومنشار التفريغ الكهربائي لقص القشرة الخشبية بدقة وملزمة التثبيت إلى جانب أدوات نقل التصميم كقلم الرصاص وورق الجرافيت، والملاقط الدقيقة لترتيب القطع. كما تُستخدم مواد وأدوات مساعدة في عملية التثبيت والتشطيب، مثل شريط التثبيت والغراء، والمكشطة أو ورق الصنفرة لتسوية السطح وإنهاء العمل.

الباركتري هو أسلوب فني يعتمد على تجميع وتركيب قطع خشبية صغير متماثلة أو منتظمة الشكل وترتيبها وفق أنماط هندسية متكررة لتكوين سطح زخرفي متكامل لذلك هو فن يعتمد اعتماد كلي على تنظيم القطع وتكرارها وتجاورها بدقة بالإضافة لاختلاف ألوان الاخشاب واتجاهات عروقها؛ لإظهار شكل هندسي واحداث تنوع بصري في السطح.

تتطلب ممارسة فن الباركترى مجموعة أساسية من الخامات والأدوات التي تخدم كل منها غرضاً دقيقاً؛ حيث يُستخدم مثلث أرسطو لرسم الزوايا والخطوط المتوازية بدقة هندسية، وتُستعمل المسطرة المعدنية للقياس والقطع الآمن والمستقيم بمحاذاة الكتر (شفرة قطع) وهو الأداة الحادة المسؤولة عن قطع شرائح الخشب بدقة متناهية. ويُستعان بـ قلم جاف للتخطيط، وبادة التقطيع كلوح حماية يحفظ الطاولة ويحافظ على حدة الكتر أثناء القطع. أما قشرة الخشب (سواء كانت طبيعية أو صناعية) فهي المادة الأساسية الرقيقة المستخدمة في العمل والتي تتميز بتعرجاتها الجذابة، ولأنها قد تتعرض للكسر، يتم استخدام اللصق الشفاف لتثبيتها وتجميع أجزائها المنكسرة وتغطية مسطحها بالكامل مع تفريغ الهواء والضغط عليها من وجه واحد فقط لتثبيتها مؤقتًا دون إتلافها. وأخيراً، يتم تجهيز مربع الأبلكاش أو MDF ليكون القاعدة الصلبة التي يُلصق عليها العمل النهائي باستخدام الغراء السريع كوسيلة ربط قوية، بمساعدة أداة فرد اللصق التي تضمن توزيع المواد اللاصقة وإخراج الهواء الزائد لضمان جودة ومتانة العمل الفني.

ففن الباركتري وفن الماركتري كلاهما يعتبران من فنون تشكيل الأخشاب تتشاركان في ذات التطبيقات العملية والأسطح المستخدمة، ومن أبرز استخداماتها:

الأثاث الخشبي كالطاولات والخزائن والصناديق، الأبواب والألواح الخشبية، اللوحات الفنية، صناعة التحف والمقتنيات الخشبية، تصميم الارضيات، استخدامات في بعض الأعمال الديكورية.

ولكن تختلف في الطابع الفني إذ يعبر الماركتري عن رؤية فنية حرة لتجسيد الصور والمناظر بينما يرتكز الباركتري على الدقة الهندسية والوحدات المتكررة ليتكامل الاثنان في إبراز الخشب وإخراجه بأبهى صورة.

جميع الأعمال الفنية المستخدمة في المقال تعود ملكيتها الفنية للفنان بول شورش 

All artworks used in this article are the artistic property of the artist Paul Schürch.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود