مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

د. هاني الغيتاوي * “أمرٌمرعب أن يفقد المرء قُدرته على التعاطي مع الأحداث، …

الكلمة التي هزمته

منذ ساعتين

5

0

د. هاني الغيتاوي *

“أمرٌمرعب أن يفقد المرء قُدرته على التعاطي مع الأحداث، ومع الأشياء، والأشخاص؛ أن تتساوى الوجوه في عينيه، فلا يعود يُميّز بين قريبٍ وبعيد، ولا بين من جاءه بالأمان ومن جاء بالخذلان. أن ينظر للجميع بعينٍ واحدة، فيراهم متشابهين، يحملون الصفات ذاتها والسمات ذاتها، ويقفون جميعًا في المنتصف المميت؛ في المنطقة الرمادية التي لا مكان فيها للثقة الكاملة ولا للأمان المطلق”.

كان ينتظر الرد منها على محاولات العودة إليها، جاءه الرد بهذه الكلمات القاسية التي لم تكن مجرد كلمات قيلت في لحظة غضب، ثم تمضي، كانت جُرحًا غائرًا في روحه وندبة في قلبه، وقعت على نفسه أمضى من ضربة سيفٍ، هزّت أعماقه وزلزلت كيانه.

لم يكن يتصور يومًا أن يُنعت بما نُعت به، وأن يوضع في صفٍ واحدٍ مع أولئك الذين سلبوا منها الأمان، وسرقوا منها الطمأنينة، وتركوا في روحها خوفًا لا يزول.

كانت بالأمس تراه مصدرًا للأمان، وأنه أعاد إليها الثقة والطمأنينة المسلوبة، لهذا تحديدًا كانت كلماتها موجعة.

لم يكن يؤلمه أنها غاضبة، ولا أنّها صدّت عنه، ولا حتى أنها أغلقت أبوابها في وجه محاولاته المُتكررة؛ كان يؤلمه أنها صنّفته، وضعت اسمه في خانة لم يظن يومًا أنه يمكن أن يكون فيها.

نعم، أخطأ، غاب دون عذرٍ مبرر، وترك في غيابه مساحةً واسعة للتأويل، وربما كان عليه أن يعود قبل أن يتراكم الصمت، وأن يشرح قبل أن تتولى الظنون تفسير غيابه، لكنه لم يكن يعلم أن غيابه سيُقرأ على أنه تجاهل، وأن الشهور التي قتلها بالصمت ستُفهم على أنها طعنٌ في الأمان الذي الذي استولى عليها معه.

جاء ليُصلح ما أفسده، تواصل معها، طرق بابها، ثم تتابعت طرقاته، لكنها لم تجبه، بنت أسوارًا عالية حول قلبها؛ أسوارًا لم يستطع تسلقها، ولا يعرف لأي باب فيها يمكن أن يصل.

أحكمت إغلاقها، كأنها قررت ألاّ تمنحه فرصة أخرى للدخول، مهما حاول د، ومهما حمل إليها من أعذار.

مع ذلك لم تنهش روحه آفة اليأس، ظل يتشبث بخيطٍ واهن من الأمل، مؤمنًا بأن الأيام قد تمنحه فرصة يُعيدُ بها ما بعثرته أيام الغياب، ويًرمم ما تصدّع في قلبها، ويستعيد شيئًا من الطمأنينة التي أضاعتها المسافات.

حين عجز عن اقتحام الأسوار، بحث عن طريقة أخرى للوصول، حاول أن ينقش على جدرانها ما عجز عن قوله بالكلمات؛ رسم الورود، وألقى على جدرانها ألوانًا كثيرة، علّ لونًا منها يستوقف قلبها، أو يذكرها بما كان بينهما قبل أن يعلو الرماد.

لكنه اكتشف أن الألوان، مهما كانت زاهية في يده، كانت باهتةً في عينيها.

لم تعد ترى لونًا للورد.. لم تعد ترى في الأشياء إلاّ لون الرّماد الذي خلّفه وراءه حين رحل.

مع ذلك ظلّ يحمل الأمل، ويتعلق بكلمة قد تفتح نافذةً أوصدت، أو نظرة قد تُبدّد شيئًا من عتمة الغياب، أو قلبٍ قد يحنّ يومًا فيلين بعد قسوة، ويغفر ما خلّفته الأيام من وجعٍ ويمنح الحبّ فرصة أخرى للحياة.

لم يبدد أمله طول الانتظار، ولم تهزمه عواصف البعد، ولا قسوة الصد، ولا طول الصمت؛ فالصمت مهما كان موجعًا يترك له مساحة صغيرة للتأويل، كل هذا لم يهزمه، هزمته كلمة.

كلمة قالتها كانت أقسى من كل الأبواب المغلقة، وأشدّ وقعًا من كل الأسوار التي بنتها.. فهي لم تقل له ابتعد، بل قالت له في معناها الأعمق: أنت مثلهم، وهنا انكسر، لأنها وضعته في الصف ذاته مع الذين آذوها وجرحوا قلبها.

كلمتها لم تجرح قلبه فحسب، بل جعلته يعيد تعريف نفسه، أهو حقًا من أولئك الذين تركوا في روحها ندوبًا لا تُرى، وزرعوا في قلوبها الخوف، حتى باتت تغلق أبوابها في وجه كلّ من يقترب، خشية أن يكون نسخة أخرى ممن مضوا؟

لقد طعنت روحه بالكلمة التي قالتها، هنا أدرك أن للكلمات سلطة تفوق أحيانًا سلطة الأفعال؛ فهي قادرة على أن تهزّ أعماق الروح، وتزلزل كيان إنسان، وتزرع في قلب آمنٍ خوفًا لا يعرفه، وتهدم في لحظة أملًا ظل يتشبث به صاحبه طويلًا د، وتطفئ في النفس شيئًا كان يمنحها القدرة على مواصلة الطريق د.

لقد كانت كلماتها عليه قاسية، فقد احتمل غيابها وصدها، وقاوم الصمت، ولم يفتأ يعيد المحاولة بعد كلّ باب يغلق في وجهه؛ لكنه حين سمع كلماتها التي تهدم صورته في قلبها، دب اليأس في روحه، وتصدّع فؤاده، ولم يعد في داخله من القوة ليحاول مرة أخرى.

إن الأمل لا يحتاج دائمًا إلى أبوابٍ مفتوحة كي يعيش؛ أحيانًا يكفيه أن يُصدّق صاحبه أن الباب وإن أغلق، لم يغلق إلى الأبد، أما حين تأتي كلمة تقول له إنك لست مختلفًا، وإنك مثل الذين آذوني، ومكانك في الصف ذاته مع سارقي الأمان والطمأنينة، فإنها لا تُغلق الباب فقط؛ بل تهدم الطريق المؤدي إليه د.

من هنا فهمت أن الكلمة ليست صوتًا يخرج من الفم وينتهي، بل قد تكون يدًا تمتد لتربّت على كتفٍ أنهكه الطريق، وقد تكون سكينًا لا تُرى.

قد تكون نافذة يدخل منها النور، وقد تكون حجرًا يسد آخر منفذ للأمل.

لذلك، حين يكون أمامنا قلبٌ ما زال يحاول، وما زال يطرق، وما زال يبحث بين الرماد عن لون وردة، علينا أن ننتبه إلى ما نقول.. فربما لم يكن ينتظر سوى كلمة تبقي له خيطًا واحدًا من الأمل.

* كاتب مصري

 

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود