مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

صابر الجنزورى* عندما انفصلت عربات القطار، كنت فى تلك اللحظة داخل القاطرة مع السا …

آخر سلالة الفايق

منذ 4 سنوات

468

0

صابر الجنزورى*

عندما انفصلت عربات القطار، كنت فى تلك اللحظة داخل القاطرة مع السائق الذي يحاول أن يتفادى القطار القادم فى وجهه، لكنه يخرج عن القضبان قبل أن يصل إليه ويصطدم به!

فى تلك اللحظة تجردت من رداء الواقع المؤلم، كنت تسمع موسيقى قصة حب، تجد نفسك تقبلها قبلة حالمة رقيقة، تحركك الغريزة والشهوة، تمتد يدك إلى صدرها وتشهق هي وتهرب منك قبل أن تصل يدك إلى نهرها ليجف نهرك، ويفيض نهرها!

تفتح عينيك، ترى سعيدا وهو يدخن السيجار في هدوء، تحاول أن تتبين ملامحه، تسمعه يقول:

إن لك عباءة وحقيبة سوداء بداخلها أموالا كثيرة عند أصحاب القرية التى خرجت القاطرة عن القضبان في حقول قمحها فمات السائق..

وها أنت حيا ترزق!

عندما تحسسوا نبضك ودبت فيك الروح

اخذوك إلى المستوصف واستدعوني

عندما قرأوا هويتك!

تعرف عليك سعيد وأعادك إلى بيت عائلتك التى كانت بقرية قريبة من القرية التي كنت فيها مقبلا على الموت .. لكنك كنت ترى مروة.. ولا ترى سواها حتى وأنت تموت ؟

اهتزت الأرض هزة خفيفة وكان ذلك فى صلاة الجمعة قبل ركوب القطار.. ثم رجت رجا، وحدث الزلزال بعد أن غادرت المدينة!

كنت ذاهبا إلى عزبة الفايق لتبحث عنها حيث

جاءك الهاتف يبشرك أنها هناك في انتظارك

فصدقت الرؤيا؟

تذكرتمروة بنت الفرنسية التي أحبها عمك،

كان وجهها بدرا مشوبا بحمرة وردية،

تذكرت عينيها الزرقاوين التي ورثتها عن أمها الفرنسية فتخيلتها تفرح عندما تراك قادما عليها فترتمى في حضنك باكية لأنها لم تكن لك؟

عندما التقيت بها عند عمتكزهرةللمرة الأولى

كان جدكما محمود يضاحكها حتى أتيت وقال وهو يشير إليك: هذا واحد من عائلة الفايقين التعساء؟

التقت عيناها بعينيك، لمست كفها الصغير، فكانت البداية التى أسكرتك وأسكرتها ..

مات عمك، أخذتهاكاترينإلى فرنسا، انقطعت أخبارهما بينما بقى الوصل بين روحيكما حيث كنت تراها فى حلمك فتراك فى حلمها، تشكو لك تعاستها فتشكو إليها تعاستك، تبثها حبك، تصارحك بعشقها.

ظل العشق في الرؤيا يقف عند حد القبل!

نسيت العباءة السوداء واصحاب القرية التي كنت فيها، تطوف بخيالك أشباح سعيد ومحمود وشفاه مروة القرمزية وبرنيطتها الفرنسية وشعرها الأشقر الذى يغازل جبهتها البيضاء، وعمتك التي أخبرتك مروة أنها ماتت!

بدأت تفيق على سماع صوتها وسعيد الفايق جالسا أمام فراش جدك محمود الذى كنت تنام فيه:

أنت محمد أحمد الفايق وأنا مروة حسين الفايق.. تتداعى المشاهد المشوشة في جمجمتك المكسورة التي انطمست بها كل الأحداث ونزفت في حقول القمح ..

في يوم جمعة بعد أن بدأت التعافي،

يرتدى سعيد عباءته ماركة

الإمبريال الإنجليزية السوداء

ويعطيك عباءة أبيك وكان

جدك محمود قد اشتراهما في الحج ..

تعجب عمك سعيد من إصرارك على أخذ الحقيبة معك إلى المسجد فلم تخبره أن مروة طلبت منك ذلك في الرؤيا الأخيرة!

تذهبان إلى المسجد، تجد الدراويش قد تحلقوا حول شيخهم، بدأوا حلقة الذكر على صوت المنشد الذي يضرب بمسبحته على عصاة معدنية محدثا إيقاعا يطرب له المجاذيب، تخترق الحلقة، يأتي الشيخ  يقبل يديك ويعطيك الخرقة..

تخلع عباءة محمد الفايقأبيك

وترتدي الخرقة المهترئة؟

تفتح الحقيبة وتنثر كل أموالك

في الهواء ليلتقطها الدراويش؟

أدهشك أن الشيخ يشبه أبيك الذي رأيت وجهه في الرؤيا وكان يرتدي نفس الخرقة التى أعطاها لك الشيخ  ويأمرك بالتوجه إلى المقام؟

تذكرت وجه مروة ضاحكا مثلما رأيته، تخيلت شفتيها وتحسست  شفتيك التي لم تصل إلى النهر الذى بصدرها؟

تهلل وجهك وأنت ترى النور قادما عليك من وجهها وهي في بردة خضراء وطرحة خضراء وليست البرنيطة الفرنسية تهتف: يا الله، لقد تحققت الرؤيا، لقد كانت تدلني عليها؟

تقبل عليها بعد انتهاءها من الصلاة.

تجلس القرفصاء في حضرتها، تحاول تقبيل كفيها لكنك لا تستطيع ليس لأنها سحبت كفيها قبل أن تصل إليها يدك ورأسك التى انحنت في اتجاهها ولكن لأنك رأيت حاجزا وهميا وسورا عاليا وقف بينكما!

تناديها: مروة؟ أنا من الفايقين يامروة؟

لكنها تصدمك قائلة:

أنا لست مروة؟

لم تصدقها، ارتفع صوتك غاضبا:

أنت مروة، لمَ تكذبين علي؟

أنت من الفايقين مثلي يا مروة؟

ترفع كفيها إلى السماء وتتمتم بكلمات لم تسمعها، وتنهض فى طريقها للخروج..

تكاد الحيرة تقتلك وتسأل نفسك:

إذا كانت هذه ليست مروة فمن تكون؟

تجيبه في هدوء العارفين:

أناروضةعمتك في الطريق

يا بن الفايق، أ تذكر الشيخة روضة التي أعطتك العهد وباركتك عندما كنت فى حضرة مولانا

الفايقجدك محمود

وقلت له أنك سوف تكون

آخر سلالة الفايق!

ها قد قصصت عليك ما تحب أن تعرف منذ أن رأيت مروة فى حضرة سيدنا وحتى جئت الأن لحضرتنا؟

ها قد التحمت أجزاء جمجمتك التي لحمها جدك وأسيادنا وأجروا لك العملية بعد أن نقلوك لفراش جدك وأعدوا جمجمتك لسيرتها الأولى؟

لم تعد فى حاجة إلي ولا تسأل كيف حدث ذلك وجدي قد مات منذ زمان بعد أن مات أبي؟

لا أستطيع أن أقص عليك أكثر من ذلك!

تعود الذاكرة إلى محمد الفايق ويطوف بخياله وجه روضة بهيئتها الملائكية عندما كان في نفس المقام يبكي وعندما قال لها في حضرة جده أن مروة تشبهك رغم أنك أكبر عمرا ولا يظهر ذلك عليك!

خنقه البكاء وسأل: لماذا حدث لي ذلك؟

قالت: أنت لم تقابل غير قدرك والمكتوب لنا هو ما يحدث دون زيادة ولا نقصان.

سأل: هل كنت أستطيع تغيير المكتوب؟

ضحكت قائلة: لا أنت ولا جدك الفايق

وأردفت في أسى: لا أحد يستطيع تغيير قدره.

سألها في استسلام: ومروة؟

صمتت، ذرفت دمعة، ترجاها..

قالت في أسى:

ماتت مروة في الزلزال؟

*قاص من جمهورية مصر

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود