3
0
10
0
24
0
10
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13545
0
13389
0
12225
0
12142
0
9580
0

دائماً ما نقرأ في كتب الأدبي العربي: قال أعرابي وأحياناً أخرى قالت أعرابية ..
وعادةً ما يكون هذا القول حكمةً أو موعظةً من خلال قصة قصيرة أو بيت شعري أو خاطرة أو عبارة سجعية.
وقد يتبادر إلى الذهن التساؤل عن مدى مصداقية هذه الأقوال من عدمها وهل تصح نسبة هذه الأقوال لمن نسبت لهم أم أنها منتحلة، لتؤدي رسالةً معينةً في وقتٍ معين ، ولتوظيفها لقضية ما، أم أن الأمر يخضع للنسبية في الإسناد والرواية من مصادرها المتعددة.
من الأمثلة يقول الموروث الأدبي العربي:
قالت أعرابية لأبيها بعد أن عرض عليها الزواج إذا كان ولا بد من الزواج فإني أريد بعلاً:
يمنع ظني ويشبع بطني ويرفع غبني
وعندما حضر الزوج لخطبتها وسمع شرطها قال لها وأنا أريدك منك:
ستر الجسد وجبر الولد وكسر النكد.
انتهى مشهد الحوار بتوافق الطرفين، ولو ألقينا الضوء على هذه القصة القصيرة أو المقولة المأثورة وجدناها وكأنها صنعة من حكيم صاغ حكمته وركب المعنى وأتقن القول ونسبه لغيره دون ذكر اسمه، وقد أدار حكمة المرأة وشرطها من وجهة نظره هو ليتناغم مع شرط الزوج وحكمته المفترضة.
ولننظر في قصةٍ أخرى لأعرابي تخاصم مع زوجته قبيل صلاة الفجر فقال لها: اذهبي فأنت طالق.
فقالت: قبحك الله كم أنت منافق
ثم خرج إلى الصلاة، فإذا الإمام يفتتح بقراءة : (الأعراب أشدّ كفراً ونفاقاً)
فصاح الأعرابي ولم يعلم أنها آية في القرآن الكريم :
وما دخلك أنت بيننا يا ثقيل؟!
أشهدكم أنني قد راجعت زوجتي نكاية بإمامكم! وترك الصلاة وخرج.
وهنا يغلب الظن أن الهدف من هذه القصة أو الرواية العجيبة هو من باب الطرفة فقط ومن تأليف الرواة.
وصرخت أعرابية ذات يوم: فقال لها أبوها: مالك؟ قالت: لسعتني عقرب، قال: أين؟ قالت: حيث لا يضع الراقي أنفه، هنا نرى تفاهة الرواية وعدم إمكانية حدوثها بين أعرابية حرة وأبيها.
ولنواصل بعض النماذج التي لا يجهلها عشاق هذا اللون من الموروث.
قيل: أوقد أعرابيّ ناراً يتّقي بها برد الصحراء في الليالي القارسة ولما جلس يتدفّأ ردّد في ثقة : اللهم لا تحرمني إياها في الدنيا ولا في الآخرة ..
وهنا نتبين طرافة القصة وأنها وضعت للتندر والضحك برغم من إمكانية حدوثها، وليس كل ما نسب للاسم الوهمي الأعرابي تم تأليفه أو أنه غير صحيح، لكن السؤال لماذا تتكرر هذه الطرائف بنفس الطريقة دون ذكر المكان والاسم وكيف يذكر في رواية ويغغل في رواية أخرى كما ورد الاسم هنا:
قال أبو المجسر الأعرابيّ: كانت لي بنت تجلس معي على المائدة فلا تقع عينها على لقمة نفيسة إلا خصّتني بها، فكبرت وزوجتها، وصرت أجلس إلى المائدة مع ابن لي، فوالله لن تسبق عيني إلى لقمة طيبة إلا سبقت يده إليها.
ووضوح الاسم وسياق الحديث يدل على صحة الرواية.
ومن الطرائف ما ورد عن الأصمعي وما أكثر ما ورد عنه أنه قال:
مررت بأعرابي يصلي بالناس فصليت معه، فقرأ والشمس وضحاها والقمر إذا تلاها كلمة بلغت منتهاها لن يدخل النار ولن يراها رجل نهى النفس عن هواها ،
فقلت له: ليس هذا من كتاب الله
قال: فعلمني .. فعلمته الفاتحة والإخلاص
ثم مررت بعد أيام، فإذا هو يقرأ الفاتحة وحدها ..
فقلت له: ما للسورة الأخرى؟
قال: وهبتها لابن عم لي، والكريم لا يرجع في هبته.
وهنا تتضح فطنة الأعرابي المفترضة ومحاولة تأليف آيات يكمل بها السورة الكريمة بعيداً عن سذاجة وتفاهة الكلمات.
أليس الأولى هو حفظ الآيات الكريمة كما هي بدلاً من تحريفها إذا كان بهذا الاجتهاد، تساؤل مهم!
ولو ذهبنا لأهداف الرواة السياسية فنستطيع أن نتبين ذلك من خلال هذه الرواية:
لقي الحجاج أعرابيًا، فقال له: كيف الحجَّاج؟
قال: ظالمٌ غاشم. قال: فهلاَّ شكوتموه إلى عبدالملك.
قال: هو أظلم وأغشم. فأحاط به العسكر، قال: أركبوا البدوي. فلما ركب سأل عنه، فقيل له: هذا الحجَّاج. فركض خلفه وقال: يا حجَّاج. قال: ما لك؟ قال: السرُّ الذي بيني وبينك لا يطَّلع عليه أحد. فضحك منه وأطلقه.
وهنا نجحت الرواية في وصف شخصية الحجاج وسلوكه الظالم بين عامة الناس هو وخليفته عبدالملك بن مروان ومدى تضجر الناس من سياسة الحجاج بشكل روائي طريف ومن خلال قصة تنسب لأحد الأعراب الذي التقى به في مكان ما، وأين هذا المكان، هل هو خارج الكوفة أم في أطرافها أم في أكراف عاصمة الخلافة دمشق أم أين بالتحديد، لم يذكر شيئا عن هذا اللقاء المفاجئ سوى أن الحجاج كان مع عسكره، والخلاصة أن الراوي أرسل رسالته الضمنية مع ملاحظة أن الحجاج قال: فهلا شكوتموه إلى عبدالملك وهنا يستحيل أن يجرد الحجاج خليفة المؤمنين من لقبه أمام العامة وأمام عسكره.
مئات القصص والروايات المنتشرة في كتب الأدب كلها تروى عن أشخاص وهميين تحت غطاء قال أعرابي وأعرابية، قالوا وفعلوا وتحدثوا وكتبوا وارتحلوا ونزلوا وربما يكون كل ذلك من تحرير الرواة ومن نسج خيالهم لأغراض قد تكون دينية وقد تكون سياسية أو إجتماعية، تترجم إلى قصص تلبي رغبات قائليها ومستمعيها
مع ملاحظة أننا لا نجزم بأنها كلها منتحلة أو موضوعة، لكن تظل محاولة التقييم حاضرة والمخرج من هذه الإشكالية هو مدى استيعاب القارئ وإدراكه لما بين السطور وفهم ما تود أن تقوله الأعرابية أو الأعرابي.
*كاتب من السعودية
تويتر: @abalwled