مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

أ. علي الماجد* صوت الإيطارت يصرخ على الطريق، والهاتف المعلق بجانب فتحة التكييف ي …

ظلام

منذ 3 سنوات

282

0

أ. علي الماجد*

صوت الإيطارت يصرخ على الطريق، والهاتف المعلق بجانب فتحة التكييف يلوح بالمكالمة العاشرة لنفس الرقم، بالكاد استطعت التملص من اجتماع هام؛ لأن عقلي مشغول به وبه وحده. نفس الموضوع الذي ظل يتكرر طوال الأشهر الماضية، اتصالات زوجة أخي تشتكي من تصرفاته الغريبة التي لم تتوقف منذ أن استقال من وظيفته وتفرغ لمشروعه الخاص، الذي انهار تمامًا بعد أشهر لم تتجاوز فترة حمل خديج، عبودية القرن العشرين، هكذا كان أخي يسمي الوظيفة. الساعة الثامنة مساءً، أوقفت سيارتي وأخذت الجوال

“أنا عائدة لبيت أهلي في سيارة أخي الصغير وابني معي، دبروا حلاًّ لأخيكم فالحياة معه لم تعد تطاق”

هذه كانت رسالتها الأخيرة، كنت أقرؤها بينما أنا آخذ رتوة تلو الأخرى متجهًا لبيته المظلم على غير العادة. طرقت الباب ثم صحت به: فواز، افتح الباب أنا أخوك سعد.

لا لن أفتح لو فعلت فلن يأتوا!

من هم يا فواز؟ هيا، أريد أن أتحدث معك قليلاً.

بدون إنذار فُتح الباب على مصراعيه ويده الضخمة سحبتني للداخل، ثم أصبحت فجأة معه في جوف بيته في الظلام المخيف، لم أتمكن حتى رؤية وجهه، أخي كان ضخم الجسد سموه أهل الحارة “بالسطحة” كانت له هواية رفع أي شخص بالحارة والسير به وكان الجميع يراهن على فشله ولكنه ينجح كل مرة.   

فواز أين أنت! لا استطيع رؤيتك!

أنا هنا.

علا صوته من جوف الظلام، لاحظت قبل دخولي أن ملصقات داكنة على كل نوافذ البيت، النوافذ الضخمة التي قاتلت زوجته لأجلها قائلة أريد أن تدخل الإضاءة لداخل البيت، ونسيت أن دخول الإضاءة لداخل العقل أهم بمراحل

سيأتون قالوا إنهم يحتاجون الظلام ليأتوا.

من هم؟

لا داعي أن تعرفهم، ولا داعي أن أعرفهم إذا جاؤا سنعرف كلنا.

فواز أنت تخيفني هيا لآخذك خارج البيت؟ لما لا نتناول الطعام خارجًا؟ أنت تحب الأكلات البحرية تعال معي أعرف مطعماً رائعاً.

لن أخرج أخشى إن خرجت و جاؤا ولم يجدوني فلن يعودوا مرة أخرى هم قالوا هي مرة واحدة سنأتي لك، واحدة فقط، هي زيارة يتيمة إن لم نرك كفء لنا فلن نأخذك.

فواز لا يوجد أحد هنا، إنها الأوهام فقط، كنت أخطو بصعوبة في جوف هذا الظلام الدامس أريد الوصول إلى مفتاح الإضاءة لكي أعيد فواز إلى صوابه، اعتادت عيناي على الظلام وهنا بصيص من النور في أسفل النافذة بسبب قصر الملصقات، مرت سيارة بالشارع ونالنا شيء من نور مصابيحها الأمامية  واصلت الحديث

اسمعني يا فواز إن الحياة جميلة، جميلة جداً، لا زالت لديك زوجة صالحة تحبك وابنك الصغير الذي يتوق لحضنك و يحتاجك سند له حين يكبر

ابني! لا بد أن أحميه بكل قوتي من شرور هذا العالم. إنه عالم قاس مليء باللصوص والمحتالين الذين يرتدون أغلى وأطهر الملابس ويتحدثون كالعلماء

وصلت يدي إلى الجدار و أخذت أناملي تتحسس الجدار لكي أصل إلى المفتاح بقي القليل فقط، أخشى أن يثور إن عرف خطتي. هنا لن ينقذني رابط الأخوة. قررت المماطلة: فواز هيا تعال معي إلى ابنك إنه مشتاق إليك، هيا إلى النور واترك الظلام لأهله فانت بشر والبشر يحبون النور. ألا ترى كيف تغزلوا بالقمر، ألا ترى كيف حاولوا إضاءة العالم بالشمع ثم بالمصباح الكهربائي، هيا يا فواز تعال معي.

لا صوت ولا حركة. هنا تسارع نبض قلبي وشعرت بالقلق، اتخذت قرارًا حاسماً و حركت المفتاح وقد أغلقت عيني  درء لوجع العين على أثرالنور المفاجئ

حين فتحت عيني لم أرَ فواز ولم يره أحد بعد ذلك اليوم.

*كاتب من السعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود