510
0
10
0
13
0
73
0
111
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13508
0
13354
0
12189
0
12130
0
9553
0

يفرح المؤمنون في مشارق الأرض ومغاربها لقدوم شهر رمضان المبارك. كيف لا وهو شهر الرحمة والمغفرة والعتق من النار، شهر العبادة التي وُكل أمر ثوابها إلى الخالق جل وعلا: “إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به”.
لكن ما استرعى انتباهي وأنا أبحث في هذا الموضوع أن تعبير الشعراء المسلمين عن بهجتهم بالشهر الكريم وحض بعضهم بعضا على صيامه وقيامه لم يظهر إلا متأخرا، فنكاد لا نجد في عصري الراشدين والأمويين شيئا من ذلك. أما في العصر العباسي فأكثر ما نجدأبيات الشعراء المجان والخلعاء وهم يعبرون عن تخوفهم لقرب الشهر الكريم، وما سيفرضه عليهم من حرمانهم المتع التي غرقوا فيها، وسأُعرض عنها صفحا، كما نجد بعض أبيات في تهنئة الخليفة بالشهر الكريم مثل أبيات الشاعر أبي بكر الصنوبري (ت 334 هـ) مهنئا بقدوم شهر رمضان:
نلت في ذا الصيام ما ترتجيه
ووقاك الإله ما تتقيه
أنتَ في الناس مثل ذا الشهر
في الأشهر أو مثل ليلة الـقدر فيه
ومثلها أبيات الأمير تميم بن المعز لدين الله (ت 374هـ) مهنئا شقيقه الخليفة العزيز بالله أحد الخلفاء الفاطميين بمصر:
ليهنك أن الصوم فرض مؤكد
من الله مفروض على كل مسلم
وأنك مفروض المحبة مثله
علينا بحق – قلتُ – لا بالتوهـــم
أما في العصور المتأخرة وإلى يومنا هذا فقد تبارى الشعراء مرحبين بالشهر الكريم وبهلاله وبلياليه وأيامه، ومعددين فضائله ومزاياه، وموضحين حكمة فرضه وضرورة العمل على تحقيق هذه الحكم.
كما نلحظ أن كثيرا من الأبيات والقصائد الرمضانية مجهول قائلوها، وكأن الناس حفظوها للاستشهاد بها في مناسبتها كل عام ولم يُعنوا بمن نظمها. وغير قليل منها ضعيف فنيا، فهي لا تعدو أن تكون حكما وتوجيهات نظمت في قوالب شعرية..
يعلن المؤيد لدين الله هبة الله الشيرازي (ت 470هـ) عن فرحته بقدوم شهر رجب لأنه سيتلوه شعبان ثم رمضان، فيقول:
ورحمة ربنا فينا تجلت
وذاك الفضل من رب رحيم
وليس سواه يسأل عن نعيم
إذا وقع السؤال عن النعيم
أتى رجب يؤمم منك شمس
السعادة بدرها بدر العلوم
ويأتي بعده شعبان شهر
النبي الطاهر الطهر الكريم
وشهر الله يتلوه وكل
يدل على أخي شرف جسيم
وقد أبدع الشاعر ابن حمديس الصقلي (ت 527 هـ) في وصف هلال رمضان إذ شبهه بالصب الناحل الجسم بقوله:
قلت والناس يرقبون هلالا
يشبه الصب من نحافة جسمه
من يكن صائما فذا رمضان
خط بالنور للورى أول اسمه
وهاهو الشاعر الأندلسي ابن الصباغ الجذامي (ت 650هـ) يرحب بمقدم هلال رمضان، ويحضنا على تعظيمه وإكرامه بتلاوة القرآن الكريم، فيقول:
هذا هلال الصوم من رمضان
بالأفق بان فلا تكن بالواني
وافاك ضيفا فالتزم تعظيمه
واجعل قِراهُ قراءةَ القرآن
صُــمْهُ وصُنهُ واغتنم أيامه
واجبر ذما الضعفاء بالإحسان
ومن الشعراء المعاصرين الذي عبروا عن فرحتهم بمقدم الشهر الكريم الشاعر السوري خير الدين وانلي الذي حث المسلمين على استقباله بالعمل تحسبا للثواب، فقال:
رمضان أقبلَ يا أولي الألباب
فاستقبلوه بعد طول غياب
عام مضى من عمرنا في غفلةٍ
فتنبهوا فالعمــرُ ظـلُّ سحاب
وتهيّؤوا لتصبّرٍ ومشقةٍ
فأجور من صبروا بغير حسابِ
الله يجزي الصائمين لأنّهم
من أجله سـخروا بكلّ صعاب
أما الأديب مصطفى صادق الرافعي –رحمه الله– فيعبر عن إحساسه بحلول الشهر الكريم بقوله:
فديتك زائراً في كل عام
تُحَيّا بالسلامة والسلام
وتُقْبِلُ كالغنام يفيض حينا
ويبقى بعده أثرُ الغمام
وكم في الناس من كلفٍ مشوقٍ
إليك وكم شجي مستهام
ويشبه الشاعر الدكتور عبد الله بن سليّم الرشيد شهر الصيام بالنهر الجاري الذي جاء ليغسل الأردان التي تراكمت من الشهور السابقة له، ويحث الشُّعث الغُبر بسبب الذنوب على أن يغتسلوا منه:
مرَّ شعبان فلم تحفل به روحُه الملقاةُ بين الهمَّلِ
عجباً من أغبر ذي شعثٍ مرّ بالنهر فلم يغتسلِ
وللشاعر المصري محمود حسن إسماعيل قصيدة جميلة يرحب فيها بمقدم شهر الصيام، ويشبهه بالضيف الذي لا يكلف مضيفيه شيئا، يقول فيها:
أَضَيْفٌ أنت حل على الأنام وأقسـم أن يحيا بالصيام
قطعت الدهر جوابا وفيـّا يعـود مزاره فـي كل عـام
تُخيِّم لا يحدُّ حماك ركن فكل الأرض مهد للخيـام
نسخت شعائر الضيفان لمـا قنعت من الضيافة بالمقام
ورحت تسن للأجواد شرعـا من الإحسان علوي النظام
بأن الجود حرمان وزهـد أعـزُّ من الشراب أو الطعام
ويرحب الشاعر الجزائري المعاصر محمد الأخضر بحلول شهر الخير والرحمة فيقول:
املأ الدنيا شعاعا أيها النور الحبيب
اسكب الأنوار فيها من بعيد وقريب
ذكر الناس عهودا هي من خير العهود
يوم كان الصوم معنى للتسامي والصعود
ينشــر الرحمة في الأر ض على هذا الوجود
ولكاتب هذا المقال قصيدة بعنوان (رمضان) يقول فيها:
رمضان هَلَّ فمرحبا بهلالِـه
شهر الهُدى والبِرِّ والغفرانِ
شهر تنزل فيه محكم آيه
تَهدي الأنام لمنهج الدّيّان
فيه الجنان تفتحت أبوابها
وتسد فيه منافذ النيران
فاغنم من الشهر الكريم نهارَهُ
بالصومِ والصلوات والقرآن
والليلَ فاسهره خاشعا متهجِّدا
متعوِّذا من سيرة الشيطان
واشكرْ إلهكَ إذ أراكَ طريقَهُ
وهداك للإسلام والإيمان
وفي النونية المنسوبة للقحطاني الأندلسي المتوفى في الربع الأخير من القرن الرابع الهجري موعظة بليغة؛ يحثنا فيها الشاعر على الاجتهاد في رمضان صياما وقياما حتى لا يدركنا الموت خاليي الوفاض:
أدِم الصيام مع القيام تعبّدا
فكلاهما عملان مقبولانِ
قم في الدجى واتلُ الكتاب ولا تنمْ
إلا كنومة حائر ولهان
فلربما تأتي المنية بغتة
فتساق من فُرش إلى أكفان
يا حبذا عينان في غسق الدجى
من خشية الرحمن باكيتان
أما الصاحب بن عباد (ت 385هـ) فينعي على من لا يعرف من الصيام إلا أنه حرمان فيقول:
قد تعدَّوا على الصيام وقالوا
حُرِم العبد فيه حسن العوائد
كذبوا، في الصيام للمرء مهما
كان مستيقظا أتم الفوائد
موقف بالنهار غير مريب
واجتماع بالليل عند المساجد
وفي شهر الصيام تصوم الجوارح كلها عن معصية الله تعالى، فتصوم العين بِغضّها عما حرم الله النظر إليه، ويصوم اللسان عن الكذب والغيبة والنميمة، وتصوم الأذن عن الإصغاء إلى ما نهى الله عنه، وهذا أبو اسحق الصابي (ت 384هـ) يعيب على من يصوم عن الطعام فقط، وهو يقترف الذنوب والآثام، فيقول:
يا ذا الذي صام عن الطعام
ليتك قد صمت عــن الظلم
هل ينفع الصوم امرءا طالما
احشاؤه ملأى من الإثم
وللشاعر السوري حميد الأحمد أبيات في المعنى ذاته، إذ يقول:
تصوم عن الطعام وليس يكفي
فما التقوى بتركك للطعام
وأطلقت الجوارح منك حتى
لتفسد كلَّ صومك بالكلام
وتمضغ في لحوم الناس جهرا
فما تجنيه من هذا الصيام؟!
وفي السياق نفسه يقول أبو بكر عطية الأندلسي (ت 541):
إذا لم يكن في السمع مني تصاون
وفي مقلتي غضٌّ وفي مقولي صَمْتُ
فحظي إذن من صومي الجوع والظما
وإن قلت: إني صمت يوما فما صُمْتُ
يتبع
*كاتب من السعودية