رسالة

ميرفت البربري*

لحظاتٍ كانت مرعبة،  بلا لجامٍ يكبح رعونتها، كنت أقف أشاهد دون تدخل، لست أدري من أين جئتُ بكل هذا الثبات وكيف لم ترتعب جذوري فتترك عناق الأرض؟ جاءني طفل يحمل بين كفيه أحد عشر ربيعا، جلس جواري، يستظل بوارف عطائي،  ويعانق فيض حناني،  لم يك يعرف أن خلف هذا الهدوء،  يختبئ وحش آدمي، أشهر سيفا مصقولا بالموت،  لم يأبه أيقتلع به روح طفل برئ أو شيخا عاجزا، أو امرأة ترضع صغيرها، اشتعلت نار الحرب وأضرمت الأرض، هدمت أسوار الحب، واجثت قلاعه راكعة للدمار..

رغم أني شديدة النسيان،  من كثرة من عانقوا جذعي الهرِم من أحباب تفيؤوا ظلي، وتركوا عليه أثرا من لقاء، أو لصوص كان لهم مخبأ تواروا خلفه عن أعين المطاردين، أو عابري سبيل كثرٌ منحتهم ظلا وثمرا استعانوا به على وعثاء الطريق، إلا أنني لم أنسَ ذلك الطفل الذي أودع أمانته عندي..

جلس بجواري وأمالَ دراجته على جسدي، ثم أخرج قلمه الحبر من جيب سترته، فتوهج حبره الأسود مع بياضِ الورق في دفتره، وكتب رسالة.

ملت قليلا لأقرأ ما كتب،  كانت رسالته لأمه المريضة، التي كان في طريقه لإحضار الدواء الذي ندُر وجوده بسبب الحرب،  فقطع طريقه الطويل بدراجته بحثا عنه، كان من مقاطعة بعيدة عن موطني،  ولكنه فتى جسور لم يهب الطريق أو رصاصات الحرب وقذائفها المتناثرة في سماء البلاد، كأن تلك الصباحات في سماء بلادي خطاءة الإشراق، خداعة الآمال، كنت أسمع القذائف وارتعب عليه،  ولكنه ظل يكتب رسالته، كان كل همه أن يصل الدواء إلى أمه المريضة،  قال في رسالته: يأيها الكبار،  يا من تسمون رجال الدولة،  يا من تلهثون خلف السيادة والامتلاك، اعلموا أن البلاد التي تحكمونها، مترعة بالأمل، في قلوب صغارها الذين تقتلونهم،  والفقراء الذين تدهسون أجسادهم لتصعدوا إلى مراكزكم المزعومة ..  اعلموا أننا الفقراء لم نطالبكم إلا بشبر من أمان نحيا فيه،  لا تهمنا ممالككم وسِعتها، ولا كنوز، الأرض التي تحاربون لأجلها، كم كنت أتمنى أن تنفقوا الأموال لزراعة حقل نريق فيه عرق الجبين، أو بناء مدرسة يتخرج منها طبيب يعالج أمي المريضة..

أن تنفقوا أموال الحروب للحياة لا للموت، وأنا متأكد من أنكم كنتم ستملكون الجِنان تحت أرجلكم،  وكان الذهب سيتفجر منها أنهارا،  إن لم أصل لأمي بالدواء، وقطع الكوت طريقي إليها، أرجو من يجد جثماني والرسالة،  فليمنح كل منهما سبيله، يواري سوأة جثتي، ويمنح الرسالة والدواء لأمي بهذا العنوان..

كتب العنوان ولم يمنحه القتلة فرصة طيها، فبقيت مفتوحة تطالعها السماء، فوق جسده الضعيف المسجى بجواري،  عندما مروا بعدها لتنظيف الساحة من الجثث،  لم يلتفتوا للرسالة فخصفت عليها أوراقي كي لا يعرفوا عنوان أمه، لتحيا على أمل عودته،  وعانقت دراجته حتى كبرت في العمر، وأصبحت جزءا من جسدي العتيق، وحكايته محفورة على جذع ذاكرتي، لأحكي لكل من مر بجواري،  وأرثي  كل يوم قبل أن أستحيل رماداً ذات يوم، فتى تمنى للعالم الحياة ولكنه لم يمنحه إلا الموت بحروب عالمية.

*كاتبة من مصر

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: