5
0
10
0
8
0
9
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13543
0
13387
0
12223
0
12142
0
9579
0

عادل النعمي*
مبعثر جدًا …
أتوقف وأصلح هندامي، لا شيء على ما يرام في زحمة هذه الحياة.
يأتيني اتصال فيلغي موعدي فجأة!
لم يدر في خلدي يومًا أني أحيا نصف حياة، أكل نصف الرغيف، أنام نصف الليل، حتى أصدقائي هم أنصاف أصدقاء، لا ألتقيهم إلا للتسلية أو العمل.
أجلس على طرف نافورة قد جف ماؤها وأفكر ثم أغيب في أحلام اليقظة، تتعاظم أحلامي فأهز رأسي وأنا أقول (علي أن لا أندم على شيء، أتخذ القرارات، ثم أتعايش مع العواقب).
يلفت انتباهي، تصرف بائع الجرائد المسن، وهو يجلس على كرسيه العتيق، ويشعل السيجارة ويضعها على المنفضة ويقربها بجانبه وهو يحتسي القهوة، دون أن يرفعها إلى فمه، ويبدأ في التأمل حتى يقاطعه سكونه، طلب بائع، أو سؤال من تائه.
كصحفي يدفعني الفضول، فضول له سنوات من الخبرة، فهذا التصرف خلفه قصة عظيمة، غربية، عميقة لا أعلم.
اقترب منه وأقول:
ـ قد فاتني يا عم أخبار الصباح.
يتجاهلني للحظات ـ ربما لأن لا أحد يأخذ الأخبار بالمجان ـ يناولني جريدة دون أن يحدثني فأنقده مالٍ وأجلس جواره.
أعود وأسأله:
ـ كم سنة وأنت تعمل في هذا المجال؟
ـ لا أعلم، يقولها بجفاء.
أحاول أن ألطف الأجواء، فينظر إلى الجهة المقابلة وهو عابس الوجه قليلاً، وهو يجلس جلسة عدائية: تخبرني أن أرحل! ولكن مهنتي جعلتني أغير مفاهيم الكرامة لدي، فلا يهمني تصرفه، فأنا لا أفهم إلا بالشتم، أو الطرد الصريح.
أهز رأسي متعجبًا من قوله، وأريد أن أحدثه فيبادرني:
ـ لا تجعلني ألتقط السيجارة!
أصمت فيلتقط سيجارته ويجر نفسًا بشغف ـ وكأنه سجين عتيد للتو يذوق طعم الحرية ـ ينفث سيجارته ببطء مشبع باللذة، ويلتفت بجسده نصف التفاته، ويقول وهو ينظر إلي بطرف عينه:
ـ أنا أبيع الأكاذيب.
أهز رأسي في عدم مبالات، وكأني لا أفهمه، فيعود ويلتقط نفسًا عميقًا من سيجارته بلذة أعظم من الأولى وهو يمسك بها برقة ثم يستأنف:
هو اليوم زعيم وغدًا خائن وآخر كانوا يبحثون عنه بالرصاص، واليوم يزورون قبره بالورود، عالم مجهول، عالم مجنون، عالم لا تتحدث فيه إلا الأشباح بالوهم.
لي أعوام لم أقابل رجل صادق مع نفسه يمتلك الجرأة ودقة العبارة، ربما هذا اللقاء الصحفي العابر، سيكون مميزًا بشكل ملحوظ، أحاول أن أرتجل فأنظر إلى أحد الصحف وأطلب منه تعليقه عن خبر قرأته له فيجب باقتضاب قائلاً:
ـ لا يهم.
أتمالك نفسي من فضاضة هذا العجوز وألصق علي وجهي ابتسامة صفراء وأقول بشفقة لأطيل الحوار:
ـ أقرأ لي خبر لفت انتباهك هذا الصباح.
ـ أعذرني أنا لا أقرأ ولا أكتب، أعرف أشكال الأحرف فقط.
أنظر إلى المتاجر حوله، فأجده قد استقل عنهم فمتجره أشبه بكوخ في شكله واستقلاله تحت شجرة يتيمه في شارع مزدحم بالسياح أكثر من السكان!
هو يعيش في غربة، يحاول أن يهرب من واقع بأن أنعزل عن الناس، واختار هذا المكان بالتحديد لكي يعيش في واقع بديل.
يضع السيجارة على المنفضة ويقول:
ـ أنت ترى الأخبار من عيون الصحف، وأنا أراها من أحاسيس الناس وواقعهم، ولذلك لا يهمني ما يقال!
اهز رأسي موافقا على كلامه وأنا أردد داخل نفسي (لا شيء حقيقي إلا الآن، لا… بلا شيء حقيقي الا بعد مائة سنة).
أسأله: وهذا السيجارة؟
ـ لدي سرطان التهم جزء من رئتي، وانتظر أن يفرغ مني.
أشكره على وقته، وأتناول بقايا سيجارته التي على المنفضة، وأمضي.
*كاتب من السعودية