11
0
18
0
23
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13594
0
13439
0
12272
0
12169
0
9618
0

غادة ناجي طنطاوي*
أتى الشتاء.. كانت تراه جليدًا زجاجيًا على نافذة حجرتها. كومةٌ من الثلج المتراكم فوق سطح البيت، أشجارٌ عارية في الحديقة وطيرٌ صغير يأتي ليقتات على فتات خبزٍ ناشف تتركه كل ليلة، عَلَّهْ يُشبِع جوعه في هذا البرد القارص.
تستيقظ كل صباحٍ وبجانبها بقايا رماد سجائر أمسٍ، تركها التعب بقايا كاتبةٌ مرهقة.. فقدت إحساسها بالوقت في زحمة أوراقها المتراكمة.
تحضر قهوتها وتجلس أمام النافذة تتأمل جمال الشتاء، مساحاتٌ شاسعة بيضاء، قطرات ندى متجمدة على سور الحديقة، وفي مدفأتها بقايا حطبٌ ذاب حتى يمنحها دفئًا لِتُكمِل قصةً لا تعرف كيف بدأت ولم تخط نهايتها بعد.
جلست وحيدة على كرسيٍ خشبي تشاهد ارتطام الأمواج بالصخور.. حتى ظهر لها طيفه.. تلفه غيمةٌ من ضباب دخان سيجارة.. كأنه مسافرٌ أتاها عبر الزمن ليحادثها..
رجلٌ في مقتبل العمر.. ذو ملامحٍ هادئة.. عيناه تحكي لها عن قصص ألف ليلةٍ وليلة.. هو فيها شهريار وهي المتسيدة على عرش قلبه.. دفئ سلامه يخبرها عن هارون الرشيد، الذي لم يرى من النساء حوله سواها.. له صوتٌ كالخمر العتيق، يذهب عقلها ويجعل جسدها أثيري في حالة إسقاطٍ نجمي، تفوح منه رائحة عطرٍ تحيطها بهالةٍ من الثمالة.
كانت الأمور على مايرام.. لكن شيء ما كان مختلف..!!
كان كل شيء على مايرام.. حتى تيقنت بأنه يعزف سمفونية عشق لن يسمعها سوى قلبها.. وأن لديه معجم كلمات لم تعرفه حضارات العشق القديمة.. حَدَّثها كثيرًا عن قلبه وعن مجدافه المكسور.. وعن وحدته العائمة في مرفأ الصبر.. حتى سلمت بأن حبه قدر في لوحها المحفوظ.. لن يرده سوى الدعاء.. تَوَسَّمت فيه يوسف الحسن وعَشِقَته بقلب يعقوب.. وعرفت بأن وجوده دعوةً تحققت في ليلة قدر، وأنه ملاكٌ أتاها من جنةٍ فيها الملائكة باسمة.. نسجت من خيالها حقيقةً عاشت بها في واقعه.. فهو أجمل عطايا الجليل الجسام بعد أن ألحدت مشاعرها وأهدرت الوحدة قلبها.. أحبته جدًا وما كان لها في الحب إختيار، بعد أن سَلَّ حسامه وأسر جيشها الأبي، بعشق عنترة وجميل وقيس، لعبلة وبثينة وبنت العامري. فلا الحب بعده حب.. ولا العشق معنى الهيام، ولولاه في عمرها ما كان الغرام حي. بنى لها في صدره مملكة عشقٍ وغرام.. عاصمتها شوقه وساحلها هيام.. أصبحت فيها الملكة، وقلبه الشعب وحياته المملكة.. تغفو ليلًا حالمةً معه، وفي قلبها بقايا أمنياتٍ موؤدة لأحلامٍ لم تولد على صدره.. ومع شمس كل صباح تحادثه، بحجة أن قهوتها مرة وحديثه سكر.. لا عرافةٌ في بلاط العزيز تنثر بخورها، ولا مرثية ابن الريب ولا شعر ابن الملوح بكافٍ لوصف من اِسْتَحَلَّ قلبها، وعاشت معه عقد من الزمان، في أبيات قصيدة غرام نظمها.. وُلِدَت معه حين أحَبَّها وحتمًا ستموت لو نسيها.
لكن للسعادة في عمرها عمر قصير.. ودومًا تأتي الرياح بما لا تشتهيه سفن قلبها..!! وحدث أمرٌ مختلف.
تلبدت السماء.. اختبأ القمر خلف الضباب.. تحول إحساسها بالأمان مع غزارة تساقط المطر إلى الخوف من علو الأمواج التي غدت سياطًا تجلد الصخور.. وشدة سرعة ريحٍ عاتية، لم تعد مرحبة بوجودها على الشاطئ..!! تعثرت الرؤيا حتى فقدت القدرة على استيعاب ملامح ذاك الغريب الجالس بجوارها.. ولم تعد قادرة على سماع صوته.. عَلَت صافرة الفنار، معلنةً مارثون أفكارٍ بداخل عقلها..!! فقدت قدرتها على التركيز ولم تعد لديها طاقة لتحتمل صقيع برد شكوكها والظنون.. بحثت عنه كثيرًا ولم تجده بجانبها.. ذاب حضوره كما ذابت عذوبة كلماته في فنجان قهوتها المر، وبدأ عقلها جلسة محاكمةٍ قاسية بين قلبها وخيالها الجامح، ولم يجرؤ أحدهم على تقديم حججٍ مقنعة.
فذاك الغريب، لم يره أحد سوى أمنياتٌ تعلقت بحبال أملٍ زائف، لم يشعر بوجوده سوى قلبها العليل ولم يسمع صوته سوى خاطرٌ ألحد بوجود الحب لفترةٍ طويلة.. وحسن ظنها بشخصٍ أتاها عاشقًا عبر الزمن، ليشيع ماتبقى حيًا من مشاعرها إلى القبر، ويضع عليه شاهد، كُتِب عليه (الحالمة أنا). وقفت أمام ضريحها طويلًا ترثي نفسها.. انتظرته عقودًا بأملٍ كسيح.. برهةٌ من الزمن تمنت فيها رائحة قميص يوسف حتى توقف حنينها، صبر أيوبٍ حتى تصبر على فراقه.. ملك سليمان لتفقه لغة طيورٍ تحوم حوله.. ومعجزة لعيسى حتى يعيد نبض حبها المكلوم. مرت ثوانٌ قاسية قبل أن تستوعب أن الضباب ماهو إلا دخانٌ تصاعد من فنجان قهوتها وهي جالسة أمام النافذة تفكر في خاتمةٍ تليق بقصتها.. قررت أن تختمها برسالةٍ تشكر فيها الهاتف الغريب الذي مر بخاطرها، لأنه قضى على آخر ماتبقى من إحساسٍ لديها، فلا عزاء لموت المشاعر، وقد أصبحت محصنة ضد عقود قادمة من الخيبات..!! ولكن عندما هَمَّت بالنهوض، انتبهت للطير الذي كان يلفظ أنفاسه الأخيرة خلف النافذة.. والواقع أنه كان يلفظ آخر أملًا لها بأن ما رأته أبدًا لم يكن حلمًا..!!
*كاتبة من السعودية
Ghadah.tantawi@gmail.com
تويتر Ghada_tantawi@
فيسبوك ghada tantawi