الأكثر مشاهدة

محمد عبدالشافي القوصي*  تمتّعت “جميلة العلايلي” بجرأة أدبية في التعب …

جميلة العلايلي (الشاعرة الثائرة)

منذ 4 أسابيع

28

0

محمد عبدالشافي القوصي*

 تمتّعت “جميلة العلايلي” بجرأة أدبية في التعبير عن مكنونات المرأة في أشعارها الوجدانية، فتقول: “إنّني تأثرتُ بجبران، وقاعدتي هي الميل إلى الحرية مع إيمان بالخُلُق والمُثُل”. كما تأثّرت “جميلة” في حياتها الأدبية بأعلام مبدعين، مثل: مي زيادة، والزيّات، وأبو شادي –مؤسس جماعة “أبوللو الأدبية” بالذات؛ والذي عهد إليها بالإشراف على تحرير مجلة الأمام 1938م.

    وعن بداية علاقتها بـجماعة “أبوللو”، يقول “وديع فلسطين”: “إنها أرسلت قصيدة بعنوان “الساحر” إلى الدكتور أبو شادي، فنشرها في عدد المجلة الصادر في إبريل من العام 1933م. ويضيف “فلسطين” قائلاً: جميلة كانت أكثر أعضاء أبوللو انتظامًا في نشر شِعرها ونَثرها، حتى كان لها الحق أن تقول عن نفسها: إنها الشاعرة الوحيدة في الجماعة”[1].

   وتبدو “جميلة” من خلال شِعرها ومفهومها للشّعر على مثال المدرسة المهجرية الرومانسية المُجنّحة الحالمة، وقد تطوّر هذا اللون معها مع الزمن والثقافة والتجربة إلى لونٍ فيه صوفية عميقة. ورغم أنها كانت أول شاعرة تنضم إلى جماعة أبوللو وأحد ركائزها، ومِن ثمَّ عضو بارز في مجلتها الشعرية، إلاَّ أنها لم تنل حقّها في التأريخ والتوثيق مثل زملائها الذكور في الجماعة أو غيرهم من أبناء ذلك الجيل من الشعراء، وهو حال أغلب الشاعرات اللاتي تجاهلتهنَّ الأبحاث والدراسات النقدية، لدرجة أنَّ الدكتور شوقي ضيف -الرئيس الأسبق لمجمع اللغة العربية- راح يذكر ويُعدّد شعراء مدرسة أبوللو في كتابه “الأدب العربي المعاصر في مصر”، ورغم سرده لأسماء الرواد والناشئة في الجماعة لم يُشِر إلى جميلة العلايلي من قريبٍ أوْ بعيد!

  – بين الحب والشكوى –

    يُعدّ شِعر “العلايلي” مرحلةً جديدة في تطور الشّعر النّسوي، بعد وردة اليازجي وعائشة التيمورية، فقد كان الشّعر النسوي قبلها يمثّل الانطواء، ولا يُصوّر أعماق مشاعر المرأة. أمَّا “جميلة” فقد انتقلت إلى الأمام مرحلةً، فنظمت في الشكوى والأنين والأمل والنَّسيب والوصف، وصوّرت مكان المرأة القلِق في محيط الرجل في خلال الثلاثينيات من القرن الماضي. وقد برز من خلال شِعرها خصائص المرأة وأنوثتها، واتّسم نَظْمها بالصدق والشخصية والتسامي في التعبير والشعور. كما تميّز مشوار “جميلة العلايلي” الفنّي بأنه متنوّع بموضوعاته: بين الحب والطبيعة، والشكوى، والتأمل، إضافةً إلى تناولها الموضوعات الصوفية والإيمانية العقدية والوطنية والاجتماعية، وانسجمت موضوعاتها بذلك ومدرسة أبوللو وروّادها عامةً. وقد رأى بعض النقاد أن لكتابة جميلة العلايلي الأدبيّة، طابعًا وجدانيًا بارزًا يمتاز بالحيرة والإحساس بالأسر، ثمَّ الرغبة بالحرية وكسر القيود، إلّا أنّ الصياغة الأدبيّة وأسلوبها يمتازان بأنهما أقرب للكلاسيكية الجديدة مع الميل إلى موضوعات الرومانسية، وعلى الصعيد نفسه، لم يشكل ميل العلايلي إلى التحرر من القيود إلى التخلي عن الطرح المجتمعي للمرأة، فكان أسلوبها ينقل وجدانيات المرأة من غير مساس بعفتها التي تتحلّى تفاخر بها.

  يقول النقّاد: جميلة العلايلي لها عالَم شِعري متلاطم ببحور عديدة، تجمع بين شِعر الحب والطبيعة والشكوى والتأمل والشّعر الصوفي الإيماني والوطني والاجتماعي، علي غرار ما تميز به شعراء جماعة “أبولو” من أمثال: ناجي وصالح جودت ورامي وغيرهم. ويظل طابع التأمل في الكون وأسراره طابعاً عاماً يكسو شِعرها بغلالة من الحيرة والشجن والإحساس العميق بالأسْر، والرغبة في الانطلاق وتحطيم القيود، كما تظل الصياغة القريبة من لغة الكلاسيكية الجديدة في كثير من قصائدها، لتصبح جامعة ومازجة بين فضاءيْن شعرييْن: كلاسيكي ورومانسي … يتجلّى هذا في قصيدة “مناجاة”:

     يا قلب رتّل أغاني الحب في مرح … فالروح تهفو لخل قد يواسيها

     راحت تنقب خلف الغيب باحثة … إني لأطلقها والله يحميها

   صحبت فيها المنى عليّ بغايتها … ألقى الكمال فأرضيه وأرضيها

     أمَّا ديوانها الثاني “صدى إيماني” الذي أعدّته للنشر، لم يرَ النور إلاَّ بعد أربعين عاماً من الأول، وأصدرته عام 1976م، وجمعت فيه شِعرها الصوفي والإيماني، وفي حين كان مقرراً لديوانها الثالث “نبضات شاعرة” الصدور عام 1951، إلاَّ أن همومها الشخصية وحزنها على فراق والدتها وزوجها أجّلا صدوره حتى عام 1981م. فقد فرضت على نفسها حالة من العزلة؛ حزناً على فراق أمها، وظلت تنظُم أشعارًا تتغزل فيها وتكشف عاطفتها القوية تجاهها وتعلقها العميق بها، ويتجلى ذلك في رثائها لها، إذْ تقول:

أين الجمال؟ جمال أحلامي تواري من زمن

منذ اختفت أمي الحبيبة بات لحني كالشجن

إني جعلت لها المني ترنيمة من كل فن!

    وقد كتب مقدمة هذا الديوان “أحمد زكي أبو شادي”، وقال عنه: “إنه ثروة جديدة تُضاف إلى الشّعر العربي الحديث، قوامها المثالية الروحية العزيزة التي تجلّت، وما تزال تتجلى في آثار أخرى لجميلة العلايلي”.

      تقول صديقتها الأديبة “وداد سكاكيني”[2]: فتحت “جميلة العلايلي” لِبَنات جنسها فتحاً جديداً بجرأتها الأدبية في نشر شِعرها الذي يشفّ عن شعور عميق وخيال وسيع”. وقالت: “إنَّ الشعر الغزلي أولى للمرأة أن تقوله، وخير من أن يقوله الرجل؛ لأنَّ شعور المرأة أصفى من شعور الرجل وأبهى، وأصدق الشّعر ما استمدَّ من العاطفة التي يفيض معينها من قلب المرأة في اختلاف ألوانها، وإنَّ المرأة لوْ أُطلِقَ لها الحرية في التعبير عن إحساسها والتعبير عن الجهر بعاطفتها، لجارت الرجل في أشعاره، وربما فاقته في آثاره”. وقالت: إن شِعر جميلة جيد تتمثل فيه أناقة التجدد، وتتمثل فيه نزوعها إلى المُثُل العليا، وطموحها لمباراة الرجل في شعر الوجدان الذي يجيده هو، تُخفيه المرأة لضعفها وحيائها”. وقالت: “إنَّ جميلة تنظر إلى الحياة نظرةً باسمة، وأنها تُكثر من شكوى الألم، وإخفاق الأمل، وقلق العاطفة، وإنَّ شعرها يتسم بطابع الصدق ويكشف عن نفسها في جرأةٍ وشجاعة”.

   وقد كان الدكتور “أحمد زكي أبو شادي” مِن أشد المنافحين عن موهبة “العلايلي” والداعمين لها، إذْ رأى منتَجها الشّعري بمثابة نقطة تحوّل في مسيرة الشّعر النسائي، وقد عبّر عن ذلك في مقدمته لديوانها الأول الصادر بعنوان “صدى أحلامي” عام 1936، فقال: “لكيْ نُقدّر جميلة العلايلي التقدير الذي تستحقه مواهبها لا يجوز أن نغفل مقارنة أدبها بأدب الجيل السابق، لقد كانت شاعرات ذلك الجيل حريصات على وأد عواطفهن، فكان مُحرّمًا عليهنَّ شِعر الوجدان الفطري، وكانت العاطفة عندهنَّ محصورة في الرثاء وتحية الأهل وتوديعهم، ولكننا في هذا الشّعر الجديد نلمح ثورة جديدة على تلك التقاليد البالية، فنجد صاحبته كاشفة في اطمئنان وفي دقّة وشجاعة عن دخيلة نفسها في صدى أحلامها المنغومة”.

      وقال: إن أبرز معالم شِعرها: الافتتان بالمحال والولوع بالتسامي البعيد، والشغف بالمثاليات الخيالية، متجاذبة بين دوافع الغريزة وسماوية الفنون التي تجيد فيها الرسم والموسيقى والشّعر. وإنَّ شِعر الألم عندها في أقوى صورة، وإنها بعيدة عن المحاكاة في الأسلوب وفي المعاني، فنفسها ينبوع ذاخر بالشاعرية، والملحوظ أنَّ لها أكثر من أسلوب، وهذا أمر طبيعي يتبع حالتها النفسية. فلها الجَزِل المتين من شِعرها الصارخ بالشكوى والألم والهاتف بالأوصاف الطبيعية التي تجيدها، ولها شِعرها المتين العذب في موقف العتاب العاطفي، ولها الرقيق السهل في الغنائيات، ولها السلِس الكلامي في الشّعر القصصي”. فاستمع إليها حين يجتاحها الأنين والحيرة:

  رحماكِ نفسي أجيبي ليوم تآلـي … قد ضقت ذرعا بأعبائي وأثقالي

 قد ضقت ذرعا بما ألقاه فانطفأت … مشكاة خير هدت روحي لأفعالي

 فمن أكون؟ وماشأني؟ ما أملي … ولم قدمت لهذا العالم البــالي؟

 ولم خلقت لهذا الكون وا أسفــي؟ … ولم ولدت؟ لماذا جاء بي آلــي

 لكن ثنى الدهر من سهمي، وحاربـني … فما أبالي وحسب القلب آمالـي!

     ثمَّ تهتف بأعلى صوتها، قائلة:

    أنا الأبيّة لا أبغي مهادنة … إنَّ الصراحة أقوالي وأفعالي

    القول أجمله ما كان أصدقـه … وما أردتُ به تبديل أعمـالي!

– شاعرة الوجدان النسائي-

     تقول جميلة العلايلي: “مَثلي الأعلى منذ وعيتُ في الأدب: أديبة الشرق النابغة مي زيادة. مَثلي الأعلى في كفاحي الاجتماعي والوطني زعيمة النهضة النسائية هدى هانم شعراوي. مَثلي الأعلى في الشعر مؤسس جماعة أبولو الدكتور أحمد زكي أبو شادي. ورغم تأثّري بهؤلاء فقد كان لي أسلوبي الخاص في كل كفاح قمتُ به بإلهام من الله”.

  وفي مقدمة ديوانها (صدى أحلامي) الصادر عام 1931م –تُصوّر لنا مفهوم الشّعر لديها- فتقول: “شِعري هو مناغاة روحي عندما ترفرف بجناحيها الوضّاءيْن في العوالم اللامحدودة، لتمنحني أسرار الخلود فأحسُّ بقلبٍ أكبر من قلب الوجود، لوْ تجسّم الوجود وصار قلباً … شِعري هو دمي، أنزفه من قلبي لأمنحه العالَم كلما احتاج العالَمُ لحرارة الحياة، وهو ينزف في شبه قطرات تبدو على الورق كلاماً، وفي كل كلمةٍ أكثر من معنى، ولكلّ معنى حكاية صيغت من كل خلاصة معادن أفكاري فتفيض على الكون رحمةً وسلاما، وعندما ينصهر القلب تتساقط الدماء تفيض حرارة نفسي، تحكي أحلامي حكايتها فتتجاوب معها الحياة. وأحلامي هي أنفاسي، وأنفاسي مزيج من نورٍ ونار، نار تصهر قلبي فتتمخّض شتى الانفعالات الحسّاسة، فتفيض على روحي معرفةً وإرادة”.

   من هنا، وصفها الناقد محمد مندور، في كتابه “الشّعر المصري بعد شوقي”[3]: بأنها “شاعرة الوجدان النسائي”، بينما قارن الشاعر أحمد زكي أبو شادي، بينها وبين الشاعرتيْن: الفلسطينية فدوى طوقان، والعراقية نازك الملائكة، في درجة التحرر من التقاليد في أشعارهن.

    أمَّا الأديب محمود البدوي فكتب معلّقاً على هذا الديوان، قائلا: “ديوان صغير الحجم أنيق الشكل جيد الشعر عذبه، فيه روح الفنانة الملهمة والشاعرة المطبوعة على قول الشعر دون تكلف ولا صنعة ولا محاكاة، ولا يعيبه كثرة ما فيه من نواح وشكوى وأنين، فهذا كله لا بأس به إذا جاء من المرأة، ومن فتاة كجميلة العلايلي، فنانة بطبعها تعشق الحرية وتتعلق بالمُثُل العليا، وتحس بثقل البيئة الخانقة التي تكتم أنفاسها وتهيض جناحيها وتبدّد أحلامها الذهبية وتذيب في صدرها أمانيها العذاب، وفي الديوان قِطع شِعرية جزلة تُحسد عليها، وقصيدة تديرها الشاعرة دوران القصة القصيرة، وهذا توجيه منها حسن ومقبول يحبّب الشّعر إلى نفوس القرّاء الذين انصرفوا عنه مع الأسف إلى القصة”.

       مَن هي جميلة العلايلـي؟

      إنها إحدى نوابغ دلتا مصر، وُلِدت في 20 مارس 1907م، وأحبّت كتابة الشّعر منذ طفولتها، لكن لم تنشر في البداية قصائدها باسمها الحقيقي لترفع عن عائلتها الشعور بالحرج. وبرغم ذلك حصلت على شهرة في بلدتها “المنصورة”، إذْ كونت جماعة أدبية أسمتها “عائلة الثقافة”. ثمَّ أنشأت “صالون أدبي” ببلدتها، وأخذت تزور القاهرة بين الحين والحين لتحضر الندوات الثقافية، وترتاد صالون مي زيادة، وصالون هدى شعراوي، والأوبرا الملكية.

    وقد أثنى على شِعرها الدكتور إبراهيم ناجي، وعلي الجندي، وزكي مبارك، ومحمد مندور، وصالح جودت، وغيرهم من النقاد، كما اقتربت من كبار الشعراء كأحمد رامي، وعلى محمود طه، ومحمد الهمشري، وأحمد محرم، ومختار الوكيل‏،‏ فشجّعها ذلك على الانتقال من المنصورة إلى القاهرة للإقامة الدائمة فيها، بعد أن كانت زياراتها خاطفة ومحدودة وتقتصر على دار الأوبرا الملكية، وبمجرد إقامتها في القاهرة، أنشأت صالونها في منزلها بشارع حسين علام في حي شبرا، وكانت تعقد جلساته يوم الأحد، وقد جمع كبار الأدباء والكتاب، وذلك بمساعدة زوجها الصحفي “سيد ندا”. وكما يقول الصحفي حافظ محمود: “جميلة العلايلي فتحت الباب أمام أعضاء صالونها الأدبي لاتجاه جديد، أطلِق على شعرائه “شعراء ما بعد أبوللو”. ثمَّ أصدرت مجلة “الأهداف” الشهرية عام 1949م، ونشرت بها مقالاتها وأعمالها الأدبية والشعرية، وظلت تنشر بها ما يحث على القيم والمثل ويناقش قضايا الأخلاق والآداب ويهدف إلى الإصلاح، وظلَّ حتى عام 1975م. كما نشرت جميلة العلايلي قصائدها في مجلات “الرسالة” و”الثقافة” و”الأديب” اللبنانية. ولم تلبث طويلاً حتى أصدرت ديوانها الأول (صدى أحلامي)، ومن أشهَر قصائده “حب المحال”، إذْ تقول:

 سلني مليك عواطفي المحبوبـا .. سَلْني عن الحُبِّ المُذِيب قُلوبا

 حُب المحال أصابَ مَعْقِل مهجتي .. فعرَفتُ فيه الصَفْو والتَّعْذيبا

 يا حسرةً تُفني منــاهِلَ رغبــتي .. يا نزعةً تُحيي الفؤادَ طَرُوبا

 إنِّـي أراه مـع الظلام كأنــَّه .. طيفٌ يلوح مع الحياةِ غريبــا

ويطوف بي شجْوُ الحنيـنِ كأنَّــني .. أفنَيْتُ عُمرَ المُغرمين نحيبـا

لو أنَّ أحزاني تُطيع مدامعــي .. لرأيتَ دَمْعي في القريضِ صَبيبا

 لو أنَّ بحر الحبِّ يأخذ مسرفاً .. ماءَ المَدَامعِ ما شكوْتُ سُكُوبـا

 لو أنَّ ذاتكَ ما أرُوم وأبتَغِـي .. مِن كُلِّ قلبٍ ما رجَوْتُ حَبيبــا

 لكنَّني أهوى الفُنون لأنَّهــا .. تحيا بمِشْكاةِ الخُلُودِ لَهِيبَـا

 وأظلُّ أُفْتَن بالمُحَال لأنَّه .. رُوحُ الكمالِ فهل عَشِقْتُ عَجِيبَا

     هكذا تبدو صورة “جميلة العلايلي” ذات المواهب المتعددة، فهي شاعرة وروائية وصحفية وناقدة، وقد والت النظْم والكتابة أكثر من ثلاثين عاماً، وقد دفعها إيمانها بالمثاليات إلى الازورار عن المجتمع زمناً طويلاً، وكان لها صالون يؤمّه لفيف من المثقفين، ووجهاء المجتمع، مثل: لطفي السيد، والشيخ مصطفي عبد الرازق، ومحمد الأسمر، وأنور الجندي، وغيرهم.

   وفي مقالته بعنوان “جميلة العلايلي‏: “‏شاعرة الوجدان النسائي” قال عنها “فاروق شوشة”[4]: أتيح لي التعرف على الشاعرة -صوتيًا- في ختام حياتها‏ خلال الثمانينات‏، عندما كانت تُسمّعني -تليفونيًا- بعض مقطوعاتها الأخيرة أوْ وهيَ تعلّق على ما استمعتْ إليه في برنامج لغتنا الجميلة‏. ‏كما تلقيتُ عدداً من رسائلها التي ضمت بعض شعرها وطرفاً من ذكرياتها مع الشعراء والأدباء في حقب الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات‏.‏ ومعظم شِعرها نشر في مجلات الرسالة والأديب اللبنانية والثقافة ..‏. ‏حتى غدت صوتاً من الأصوات الشّعرية المؤثرة في الحركة الأدبية، بلْ صارت إحدى رائدات النهضة الحديثة في الأدب، كما أنها أول شاعرة مصرية تصدر ديواناً شِعرياً عام ١٩٣٦م.

    – الشاعرة الجميلة المتمردة –

     “جميلة” من أبرز الشاعرات اللواتي شكّلنَ تجديدًا إبداعيًا على صعيد الكتابة الشعريّة عامة، وإضافةً لدورها الثقافي الإبداعي الثري؛ اشتُهِرت بتمردها على القيود المفروضة على الشعراء، وتمردت حتى على الشكل التقليدي الشعر، فكتبت الشّعر المنثور. كما كتبت الشّعر الغنائي الذي يُصوّر جمال الطبيعة، ومفاتن الكون، ويدعو إلى حرية البشر، وكسر القيود، بل اعتبرت أنَّ الطبيعة من حولنا هي نموذج فلسفي للوجود والحياة والموت.

     نعم، لقد كان لِشعر الطبيعة مكان واضح في شِعرها، فقد كلفت بها، وأحبّتها وناجتها، وعقدت معها روابط روحية، فهي مشرقة النفس إذا أشرقت الطبيعة وبدا ضياءها الباهر في الحقول والورود وعلى ضفاف النهر الخالد، وهي منقبضة حيناً إذا عبست الطبيعة أوْ جاءت العواصف.وهي مفتونة بالمُحال، كلِفة بالمثاليات والروحانيات، تحسّ في شِعرها الأول: القلق والصراع بين العاطفة والعقل، ثمَّ يتحول هذا الاتجاه حثيثاً إلى شيء من الطمأنينة الروحية، والاتجاه إلى الله، والكلَف بمعاني الإنسانية العليا، والنظر إلى الحياة نظرة الشيء الزائل الذاهب، مع التطلّع إلى القيَم والمُثل العليا. تقول: إنها بدأت تكتب الشّعر الصوفي عام 1940م، وإنَّ لها شِعر قصصي وشِعر فلسفي كثير.

    الخلاصـــة: أنَّ السيدة «جميلة» كتبت في معظم الأغراض الشعرية، ولغتها تجمع بين معجم أشعار الرومانسيين، بانتخاب الكثير من الألفاظ الإيحائية والعصرية، ولم يخلُ معجمها الشعري في الوقت ذاته من الألفاظ الكلاسيكية التراثية. كما نجحتْ في تشكيل كثير من الصور الفنيّة الناجحة في أشعارها مستخدمة وسائل: التشبيه والاستعارة، تراسل الحواس.

وإلى جانب أعمالها الشعرية، صدرت أول مجموعة لها من المقالات باسم “النسمات”، وأصدرت أول قصة بعنوان “الروح الحائرة” 1932م. ثمَّ صدر لها (تمثيلية) بعنوان: “المرأة الرحيمة”. ثمَّ صدر لها عدد من الروايات، مزجت فيها بين الأسلوبيْن السردي القصصي والشّعري، وعدة روايات أخرى، منها: “الطائر الحائر”، “الأميرة”، “الراعية”، “الناسك”، “أماني”، “جاسوسة صهيون”، “مِن أجل الله”، “هندية”، “الراهبة”، “إحسان”، “أنا وولدي”.“تآلف الأرواح”، وفي هذه الرواية يتجسّد المنحى الرومانسي في الكتابة السردية٬ تأثرت فيه الكاتبة بمدرسة «أبولو» المغرِقة في العاطفية والرومانسية، وينتمي شكل هذه الرواية إلي نمط الرواية التراسلية أو رواية الرسائل وهو نمط عماد النص فيه رسائل تخيلية، سواء بصفة كلية أوْ جزئية، تضطلع بوظيفة السرد. وللشاعرة مخطوطات لم تُنشر مثل: “همسات عابدة”، “آخِر المطاف”.

  خلاصة الخلاصـة: أنَّ السيدة «جميلة» -يرحمها الله- بهذا الجهد الدؤوب ، وهذا الإنتاج الثري؛ ألهمت أجيالاً من المبدعين النابغين، وفتحت طريق الوعي والحرية والمثابرة أمام المرأة العربية!.

* ناقد من مصر.


[1] وديع فلسطين، “وديع فلسطين يتحدث عن أعلام عصره،

[2] وداد سكاكيني، نقاط على الحروف، دار المعرفة، 1960م.

[3] محمد مندور، في كتابه “الشّعر المصري بعد شوقي، نهضة مصر، القاهرة.

[4] فاروق شوشة، جميلة العلايلي‏: “‏شاعرة الوجدان النسائي”، جريدة الأهرام، 13 أبريل 2008م.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود