18
0
63
0
63
0
61
0
98
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13009
0
12702
1
12102
0
11805
5
9333
0
زكريا العبّاد*
“نزلتُ البلد”، هكذا نعبّر في بلدتنا عن الأوبة إلى مسقط الرأس بعد فترة من الزمن انقضت في مدينة أخرى اضطررنا للعمل فيها.
أنا ذاهب الآن للاطمئنان على أبي الطاعن في الكِبَر، مضت ثلاثة أسابيع منذ تُوفيت أمّي، أظنّه يستوحش الوحدةَ بعد رحيل رفيقة عمر طويل.
أشعر وأنا أقود سيارتي بين الدمام والأحساء أنّ الأمر يشبه الهُبوط فعلا، كأني أهبط عبر منحدر جبل نحو واحة منبسطةٍ هادئةِ التضاريس. يتجمّع أفراد العائلة من مدن عملهم المختلفة، نهطِلُ مثل قطرات مطر ينضمّ بعضها إلى الآخر، نتجمع بفعل الجاذبية، ولا يهدأ دُوَارُ المنحدرِ حتى نصل إلى الأرض الأمّ، نعود كتلة بشريةً واحدةً حيثُ نرفع جثة أحدنا على الأكتاف، تصدحُ هتافات التوحيد والتهليل، أو نرفعُ آخرَ بالأهازيج عريسا، نرقص ونغني حوله، أغانٍ تشعّ برائحة الغرائز!
كلما اقتربتْ من البلد تحضر صورة أمي في أشهرها الأخيرة، حيثُ أَهبَطها المرضُ من جبل شموخها، نُحيط بها ملتمسين بقايا البَرَكة أسفل قدميها، إلى أن سُجّيتْ جثةً هامدة على نعش طُرِح على التراب، تُشرف عليها عيونٌ دامعةٌ لرجالٍ ونساء أرادوا التزود منها للمرة الأخيرة، قبل أن تزداد هبوطاً إلى حفرة أسفل الأرض! تتنحى النساء جانبا، يمتلك الرجال -وحدهم- أجساداً قادرة على الدّفن، وقلوباً أيضاً.
– ها قد وصلتُ، أنا بجانب البيت يا أبي..
– انتظرني دقائق وسأفتح لك الباب.
إنه البيت الذي شهد أفراحنا وأحزاننا منذ أن كنتُ طفلا، هنا كانت أمي تعتني بأمّها بعد أن أقعدتها الجلطة في سنواتها الأخيرة. لقد هرم البيت يا أبي! تحمّلتْ حجارتُه من الحزن والفقد ما يكفي لإحناء ظهره، ولم تعد أمّي هنا لتعتني به وتُدَلله!
بضع خطوات في بهو المنزل كشفت لي عن جثث ملقاة على الأرض! قِطَعٌ من جِذْعَيْ نخلتين عارضتْ أمّي قطعهما خلال سنواتها الأخيرة، وها قد أجهز أبي عليهما بعد أن دُفِنتْ أمّي! قبل عام تمكّن أبي من مخاتلتها وقطع أختهما الثالثة حين كانت أمي منشغلة بالعناية بأخيها الذي مرض فجأةً وتوفي في مدة قصيرة!
رحلتْ أختي الكبرى دون أن تعي أن أمي سبقتها لتستقبلها في العالم الآخر، بعد وفاة أمّي بعشرة أيام فقط اختطفت جائحة كورونا أختي أيضا! أتذكر زيارتي الأخيرة لها في الغرفة المعزولة، وقفتُ أنظر إليها عبر الزجاج العازل على بعد أمتار من سريرها، تحاولُ بجهد بالغٍ رفعَ رأسها المثقل بأنبوبة التنفس الاصطناعي المغروسة عبر فمها لتوصل الأكسجين إلى رئتين عاجزتين عن أداء وظيفتهما، تنظر باتجاهي بعين نصفِ مطفأة، أشعر أن محاولتها النهوض بجسدها المكبل برباط يثبته بالسرير والنظرَ باتجاهي كانا تحيةً أو تعبيراً عن فرحها بزيارتي، لوّحتُ لها بيدي، إلا أن الممرضة أخبرتني أنها مجرد حركات غير إرادية لا أكثر، فهي تحت التخدير، ترقد بسلام في عالم الأحلام!
أذهلني منظر قِطَعِ الجذعين راقدةً على الأرض! لقد كانت النخلتان أكثر ارتفاعا من منزلنا! كيف أصبحتا مهانتين في مجزرة كهذه؟! بصوت مرتجفٍ وحزين صرت أسائلُه:
– قطعت النخلتين بعد أن ماتت أمي يا أبي؟!
– لا فائدة منهما ولا تَمْرَ يا ولدي! نسقيهما من أجل ما يتساقط من أوساخهما؟! ردّ بصوت امتزج بنبرة اعتذار.
– لو انتظرت بعضَ الشهور على الأقل!
– دع عنك هذا، لا يعيدُ الكلامُ ما مضى، و تعالَ لأعطيك نصيبك من الجَذُّوبة! *.
أعطاني نصيبي وعُدتُ به إلى الدمام، وضعته في الثلاجة، وفي اليوم التالي جزّأته إلى قطع صغيرة، أكلت منه، ووزعت الباقي بين زوجتي وأولادي وبناتي!.
——
*هي قلب النخلة الأبيض، لا يُستخرج إلا حين قطعها فقط، وهو آخر ما تمنحه النخلةُ للإنسان ليأكلَه!
*كاتب من السعودية
التعليقات