986
0
607
0
741
2
645
0
1088
1
24
0
19
0
28
0
11
0
8
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13333
0
13134
1
12119
0
12052
5
9466
0

رفعت السنوسي*
لم تكن قرية “كفر الباشا” التابعة لأرياف القليوبية مسقط رأسي ولا مقر إقامتي ولا من القرى التابعة لمركز عملي بالشؤون القانونية في التعليم، لكن مع ذلك كنت أميل دائمًا إلى قضاء أوقات كثيرة بها على فترات منتظمة؛ لأنها مسقط رأس أمي ومكان دفنها، وقد عثرت خلال دراستي في السنة الأخيرة للحقوق على طالبين بالسنة الأولى بكلية الحقوق، هما يوسف محمد ويعمل الآن محاميًا حرًّا، وإسماعيل عبد المجيد ويعمل الآن بالنيابة ووالده مستشار سابق بوزارة العدل، وكان بعد إحالته إلى المعاش نائبًا بالبرلمان لفترة، وسميت قريتهم على اسم جده عبد المجيد باشا، وكنت أقضي أوقاتًا طويلة مع هذين الصديقين، ولم تكن الرغبة في الذهاب إلى “كفر الباشا” هي رؤية إسماعيل ويوسف في بداية معرفتي بهما، لكن كان حبي لأمي وزياراتي المتكررة لقبرها هو ما يجمعني بهما حتى توطدت أواصر الصداقة بيننا، وكان حديثنا يعيد إلى صدرنا شيئًا من الهدوء ويصلنا بذكريات الدراسة في الجامعة.
وفي عصر يوم من أيام الربيع كنت جالسًا معهما في غرفة بفيلا عبد المجيد باشا والد إسماعيل المطلة من جهة الغرب على القبور، ومن جهة الشمال والشرق على حقول القرية، ومن الجنوب على بيوت القرية، فجأة سمعنا من بعيد صوتًا يحمله نسيم العصاري يشدو بالأغنية الريفية:
“مشربش الشاي أشرب أزوزة أنا ما شربش الشاي
هو عطاني مروحة وأنا عطيته مروحة
يحلا صباحك في الضحى
بس أنا مشربش الشاي أشرب أزوزة أنا”
ولَحَظْتُ وقتها انجذاب إسماعيل الشديد ناحية الصوت، وفجأة الْتَفَتَ وقال لنا:
– هيا ننزل إلى الغيط.
فسألته في دهشة:
– لِمَ؟! الشمس بدأت تغرب، وأود الرجوع قبل نزول الليل.
– يا عمنا تعال، بنات البلد كلهن يجمعن المشمش، منظر لا يمكن أن تراه إلا في المشمش هههههه
وفي دقائق معدودة كنا على رأس أحد الحقول حيث احتشدت فتيات القرية حول شجيرات المشمش تجمع كل منهن ما تقع عليه يدها منها، همس إسماعيل قائلًا وهو يشير إلى فتاة سمراء خمرية اللون جلست في وسط مجموعة من فتيات وشباب القرية يفرزون ما تم جمعه من المشمش استعدادًا لوضعه في الأقفاص، واسعة العينين كثيفة الحاجبين وأهدابها ترتجف عندما لَحَظَتْ أن إسماعيل يطيل النظر إليها:
– أترى هذه الفتاة التي نظرت إلينا؟
– نعم رأيتها، ما لها؟
– صوتها عذب جميل، جميل جدًّا..
قبل أن يتم كلامه صاح رئيس الأنفار في أرض عبد المجيد باشا قائلًا:
– أمتعينا بغنائك يا روح، جاء ضيوفنا ليسمعوا غناءك.
تمنعت القروية الجميلة استحياءً، حثتها زميلاتها وشجعنها وسرعان ما سرى صوتها في فضاء المكان وأخذت تعيد أغنيتها الريفية:
روح: مشربش الشاي أشرب أزوزة أنا
– الفلاحات: مشربش الشاي أشرب أزوزة أنا
– روح: هو عطاني مروحة
– الفلاحات: الله الله
– روح: وأنا عطيته مروحة
– الفلاحات: الله الله
– روح: يحلا صباحك في الضحى، بس أنا
ــ الفلاحات: مشربش الشاي أشرب أزوزة أنا
ــ روح: هو عطاني شمسية
ــ الفلاحات: الله الله
ــ روح: وأنا عطيته شمسية
الفلاحات: الله الله
– روح: يحلا لقاك فى العصرية، بس أنا
– الفلاحات: مشربش الشاي أشرب أزوزة أنا”.
احتشدت الفتيات حولها يرددن معها مطلع الأغنية، لكن صوتها كان أبرزهن وأوضحهن، جليًّا، نقيًّا يسيل رقة وعذوبة وحنانًا وسحرًا.
عند العودة صحبني إسماعيل ويوسف لموقف القرية ولَحَظْتْ أن إسماعيل لم يكن معنا إطلاقًا، بل كان يردد ما سمعه من حنجرة روح القروية الساحرة:
“مشربش الشاي أشرب أزوزة أنا”
وتكرر لنا عدة مرات الاستماع إلى صوت روح العذب في مناسبات مختلفة حفظت فيه روح شكلي جيدًا، وانقضت بضعة أعوام وكنت قد زهدت العمل بالتعليم ومللت منه فاستقلت وتحولت إلى الاشتغال الحر بالمحاماة وأخذتني الدنيا وأشغالها وقضاياها فلم أتردد على إسماعيل ويوسف، لكن كنا نتواصل عبر الواتساب والمحمول، وذكر لي إسماعيل ذات مرة أن روح خطبها أحد فلاحي القرية وربما تتزوجه عن قريب.
فوجئت ذات يوم وأنا أتفحص الأخبار كعادتي على الإنترنت بخبر عن شروع فلاح إسمه عبد العال القهاوي بقرية كفر الباشا بالقليوبية في قتل ابنة أخيه روح عبد الله القهاوي ذات الثمانية عشر عامًا حيث طعنها عدة طعنات ولم تمت وتم نقلها للمستشفى وإنقاذها.
سألت نفسي: هل روح هذه هي روح نفسها التي أطربتنا بأغنية “مشربش الشاي”؟
حاولت الاتصال بإسماعيل لكنه لم يرد، فاتصلت بيوسف وعرفت منه أنها هي نفسها روح صاحبة الصوت الذي طالما أطربهم وأطرب “كفر الباشا” كلها، وعلمت من يوسف أن عمها شرع في قتلها بعدما تناقله أهل القرية عنها بعد أن لَحْظُوا انتفاخ بطنها فتربص لها وهي عائدة لمنزلها في الليل وهجم عليها بالسكين يريد قتلها لولا أن أفلتت وأنقذها الخفراء منه، سألت يوسف عن مكانها فأخبرني أنها بالمستشفى في حراسة الشرطة فطلبت من يوسف أن ينتظرني عند المستشفى لرغبتي في مساعدتها، ولم يتعجب يوسف لمعرفته برقة مشاعري وحبي لمساعدة الضعفاء، ولم يمنعني دخول الليل أن أرتدي ملابسي وأن أتجه فورًا إلى “كفر الباشا” واستقبلني نخيلها وهواء حقولها ليذكرني بصوت روح.
وصلت إلى مستشفى القرية واستقبلني يوسف وأخذني إلى العمدة في نقطة شرطة المستشفى وعرفته بنفسي وبأن أمي رحمها الله من بلدهم ومدفونة في مقابر القرية، وأعلمته برغبتي في أن أكون وكيلًا عن المجني عليها ولم يتعجب العمدة؛ لأن يوسف حدثه عني وعن دوافعي الطيبة، أخذني العمدة إلى الحجرة التي وضعت فيها روح تحت الحراسة خوفًا عليها من بطش أقاربها وغضب أهل القرية، وما أن رأيت روح حتى شعرت بسكين تحز في قلبي وتحولت عواطفي الإنسانية كلها نحوها واقتربت منها فخافت وخيل إليها أنني سأهجم عليها، فرفعت ذراعها وأخفت عينيها الدامعتين فابتسمت لها وقلت لها:
ــ لا تخافي يا روح، ألا تذكرينني؟
فنظرت في وجهي ثم استندت بظهرها إلى مؤخرة السرير وقد عاد إليها بعض الاطمئنان ثم أجابت:
ــ نعم، أنت صاحب إسماعيل، ثم خفضت رأسها في خجل شديد ثم استمرت قائلة في تمتمة ضعيفة: إسماعيل بك ابن معالي المستشار عبد المجيد باشا.
سألتها:
ـ من يا روح الذي فعل بك هذا؟
لم ترد، فاقتربت منها شاخصًا إلى عينيها الجميلتين، وقد تجمعت فيهما الدموع وتعلقت بأهدابها الطويلة وكررت سؤالي:
ــ ألا تودين أن تفصحي عن اسمه لي؟
فرفضت وأجهشت بالبكاء.
خرجت مع العمدة واستأذنته في رؤية عمها، فاصطحبني إلى نقطة المستشفى والتقيت عمها، شيخًا في الستين من عمره تقريبًا وسألته:
ـ أتعرف من فعل ذلك بابنة أخيك؟
فأجابه الشيخ وهو يمسح لحيته البيضاء بيده:
ـ لا أعرف، لا يهمني، كل ما أعرفه أنني يجب أن أغسل عارنا بدمها النجس.
تركنا الرجل وخرجنا وعرض العمدة استضافتنا في داره، فشكرته معتذرًا لارتباطي بقضايا ومواعيد في القاهرة وعلمت منه أن روح نفت التهمة عن عمها رغم اعترافه بالشروع في قتلها وأنهم سيخلون سبيله، استأذنت العمدة وانصرفنا أنا ويوسف وفي الطريق إلى موقف القرية سألت يوسف عن صديقنا إسماعيل، فعلمت منه أنه كان في القرية إلى منتصف الليل، لكنه تلقى رسالة عاجلة تستدعيه إلى القاهرة لأمر مهم فغادر القرية قبل حضوري.
لم أكن في حاجة إلى كبير جهد لأعرف الحقيقة، كانت كل الوجوه ودموع روح وتمتمتها تشير إلى الفاعل، إسماعيل بك وكيل النيابة ابن معالي المستشار عبد المجيد باشا، لقد سلمت روح عرضها إليه في ساعة حب وخضوع.
انقضت أعوام أخرى وتصادف أن كنت مكلفًا بالدفاع عن متهم في إحدى قضايا الجنح ولمحت صديقي إسماعيل في كرسي النيابة بقاعة المحكمة فحييته وجلست في مقاعد المحامين ودخل القاضي وأمر بالبدء في نظر القضايا المدرجة بالجدول، انتظرت النداء على القضية التي جئت من أجلها، ودخل الجنود يدفعون المساجين إلى القفص، ونادى الحاجب: روح عبد الله القهاوي، فانتفض جسدي والتفتُ إلى القفص فرأيت روح فلاحة “كفر الباشا”، كانت تنظر إلى القاضي وما أن وقعت عيناها على ممثل النيابة حتى اتسعت عيناها وتوقفت “اللبانة” الكبيرة التي كانت تلوكها في فمها، واستندت برأسها إلى قضبان القفص، دققت النظر إليها فرأيت شعرها الأسود وقد تناثر على ثوب السجن الأبيض وتبين لي أي طريق ساقتها إليه الحياة، أثار الكحل لا تزال بادية على عينيها المشعتين ببريق مخيف من السخرية والتمرد والحزن، عادت اللبانة الكبيرة إلى حركتها المضطربة في فمها، سألها القاضي:
ـ اسمك؟
ـ روح عبد الله القهاوي.
ثم ضحكت ضحكة عالية وهي تنظر إلى إسماعيل في مقعد النيابة وقالت: من “كفر الباشا” قليوبية، ثم ضحكت ضحكة عالية طويلة والدموع تملأ عينيها.
دهش القاضي لجرأتها وسخريتها فانتهرها قائلًا:
ـ احترمي نفسك.. أنسيت أنك في محكمة؟
تقدم الجندي المكلف بحراسة المتهمين وقال:
ـ تعبتنا كثيرًا يا سيادة الرئيس وطول الطريق تغني وتضحك وتسرق السجائر من الحرس!
فضحك الحضور وضحكت روح وأطلت برأسها من بين قضبان القفص وقالت:
أغني كل الأغاني ولأجل خاطرك يا باشا أغني لك “مشربش الشاي أشرب أزوزة أنا”
ارتفعت ضحكات الحضور، فدق القاضي المنصة بعنف وشدة وعاد يسألها:
لمَ ضربت هذا الرجل؟
فأجابت في جرأة وبساطة:
ـ كنت سكرانة!
نظر الرئيس إلى ملف قضيتها ثم قال:
آه.. من محترفات الدعارة!
ـ “وهي تنظر إلى ممثل النيابة” صحيح يا باشا أنا محترفة دعارة، منه لله من كان السبب.
ـ القاضي: لكنه يدعي أنك شرعت في سرقة نقوده.
أجابته في غضب:
ـ كاذب، ما من شيء يملكه حتى أسرقه، لم أسرق أحدًا في حياتي، ودمعت عيناها ثم قالت وهي تبكي:
ـ هم من سرقوني، ثم نظرت إلى إسماعيل وقالت: الكل يسرقني منذ أن اشتد عودي وظهرت أنوثتي.
قضى الرئيس بحبسها شهرًا مع الشغل، وانتزعها الجندي من القفص، بينما كان صوت روح يشدو بأغنية “مشربش الشاي أشرب أزوزة أنا” وهي تبتعد عن باب المحكمة، والقاضي يسند ظهره إلى مقعده متوقفًا عن العمل حتى يعود الهدوء إلى قاعة المحكمة، نودي على القضية التالية فلم أنتبه إلى أنها قضيتي، وكذلك لم ينتبه ممثل النيابة فقد جلس في كرسيه شاحبًا بلا أي حركة!
* كاتب من مصر
التعليقات