الأكثر مشاهدة

عادل عمران* أخذنا أبي بعد أن أنهينا قدّاسنا في الكنيسة إلى منزل جدي مؤنس؛ تعوّدن …

رائحة النسيان

منذ سنة واحدة

609

0

عادل عمران*

أخذنا أبي بعد أن أنهينا قدّاسنا في الكنيسة إلى منزل جدي مؤنس؛ تعوّدنا في الآونة الأخيرة أن نذهب إليه بعد صلاة الأحد من كلّ أسبوع وذلك بعد رحيل أمي عن حياتنا. كان أبي يحبّ جدي مؤنس كثيرا، علاقته به لم تكن مجرد علاقة صهارة تكوّنت بين زوج الابنة وأبيها، علاقتهما ببعض كانت تحمل كلّ المعاني التي جُعلت من أجلها كلمة الصداقة.

مرّ جدي مؤنس بأيام عصيبة في حياته؛ بعد رحيل أمي بعدة أيام رحلت زوجته والتي لم تقدر على مواصلة الحياة دون ابنتها الوحيدة.
عاش مؤنس أيامه وحيدا وهو كاره لهذه الوحدة، فكان كما يقولون يحمل من اسمه نصيبا؛ يحبّ الصحبة، يعشق الأُنسة، يحيا في دفء الأحبة.
مؤخرا أصيب جدّي مؤنس بـ ألزهايمر؛ رفض عقله التأقلم مع هذه الوحدة، وتبدّلت لغته معنا، حيث حلّت نظراته الحائرة موضع الكلمات.

هذا الأحد كان مميزا بالنسبة لأسرتنا؛ اليوم سنحتفل بعيد ميلاد أختي الصغيرة نانسي، تعلّق جدي مؤنس بها أشدّ التعلق، فهي -دائما- كانت المقرّبة إلى قلبه، وزاد هذا التعلّق خاصة بعد رحيل أمي، لعلّه كان يرى في أختي نانسي صورة لأمّها.

عند ارتقائنا درجات السّلم قاصدين الطابق الثالث من العمارة، لاحظنا سرسوب ماء ينساب على درجات السُلم.
قال أبي: “لعلّ الحارس يُنظف المكان”، لكنّنا كلّما صعدنا إلى أعلى وجدنا الماء في ازدياد؛ هُرعنا حينما رأينا الماء يخرج من فتحة الباب الذي نعرفه جيدا؛ طرق أبي الباب بقوة: مؤنس..! مؤنس..! أنت هنا..؟!. بنبرة ممزوجة بالخوف والقلق أمرني أبي أن أذهب وأحضر حارس العقار؛ كي يساعدنا على كسر الباب وفتحه، فلم أشعر بنفسي إلا وقد رأيتني واقفا ألهث أمام حارس العقار وأخبره بأنفاس متقطعة كلمات أبي.
كسر أبي الباب بمساعدة الحارس، وبمجرد فتحه؛ انطرحنا أرضا وانجرف جميعنا مع تيار الماء الشديد الذي انهمر علينا فجأة من الداخل، حتى وجدنا أنفسنا ممددين في منتصف الطريق العمومي خارج العمارة.

قبل عدة أيام أغلق مؤنس النوافذ بإحكام فلم يعد يتذكر فائدتها، أغلق جميع مصارف المياه؛ حسبها حفرة من الممكن أن تزله قدماه ويسقط فيها، منذ أيام ذهب إلى الحمّام كي يستحمّ، فتح المياه وتركها، خرج إلى الردهة، وجد زوجته وابنته، أباه وأمّه، أصدقاء الجامعة، حبيبته في الثانوية، الزهور في أصائصها.

رحل مؤنس من الحياة تائها عن الأشياء من حوله، إلا نظراته إلينا بقيت عالقة في المكان.

*كاتب من مصر

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود