109
0
72
1
118
1
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12355
0
12075
0
11751
1
10934
5
8764
0

محمد العميسي*
قبل فترة ليست بالبعيدة، مات شاعر الجزيرة العربية، مات بدر بن عبدالمحسن وكان يجب أن يعيش، موت الشاعر البدر يعني انسداد أحد ينابيع المعنى في الحياة، خسارة روح بقاؤها يضفي قيمة على الوجود، ويحرس هشاشة العالم، وبدونهم -أيُّ الشعراء- لا يمكن أن نتصور طبيعة الحياة المتجهمة، والقاسية، وحدهم من ينشَّطون وجودنا الخامل، ويهمسون في أذن الحياة: لا تزالين حريّة بالعيش.
لا قيمة ملموسة للشعر النبطي الّذي قاله البدر، قيمته في ذاته، تلك الطاقة الداخلية الّتي يبثها فيك هي قيمته الخالدة.
والشاعر البدر كان يقدس هذه القيمة ويدرك وزنها في الحياة، وكان ذلك دليلًا على رفعة مداركه.
حينما كنت يا بدر تطل في سماء الجزيرة، كانت الكائنات تستحم بالضياء المنبعث منك، تستأنس بإطلالتك وتطرب، تبتسم وتقبض على لحظات السعادة اليتيمة المُهددة بالتلاشي إذا حجبت كُسف السحب السماء وحلّ الظلام.
الشاعر الكبير بدر بن عبد المحسن، له من اسمه نصيب. أقسم بذلك. ومن بواكير حياته الشعرية وعلى امتدادها
الطويل حتّى وفاته رحمه الله، تبقى هذه الحياة شاهدة على بدر تربع على سماء الشعر النبطي فترة من الزمن؛ فترة تلخص المعنى بعد أن تنتزعه من الأحاسيس الفوارة في الكينونة الإنسانيّة.
من زمان الصمت ويا عمر الهجر، إلى حالة الاستسلام والتسليم بنهاية عشق مأمولة ارتدت بالحسرة والخيبة:
يا خطوة ما عدت تقوى على الخطوة.. على هم السنين.
حاولت أن تفرش هم السنين بدرب مُعبّد للعابرين والحالمين؛ لكن انكسار آمال الغرام أمات فيك رغبة العبور، ما جعلك تقف عند لحظة العتاب الأخير، العتاب الأخرس واستجداء البقاء: أترحل! صرختي تذبل.. بوادي لا صدى يوصل ولا باقي أنين.
عرفتك يا بدر وأنا في العام الثاني لي في الجامعة، تمامًا وأنا أحضّر البكالريوس في الإعلام. عرفتك صدفة في
محاضرة في مادة الفنون السمعية، كانت أغنية " زمان الصمت " هي التمرين الذي نستخرج منه ما درسناه نظريًا، هنا بدأت الحكاية واستمرت إلى " جمر الغضى " الذي احتجت أن يدفئني في عز ليلٍ شتوي ذابح البرودة.
استشرفت مستقبلك وأخبرت أخيك سعود باقتراب موعد الرحيل، أخبرته أن سفينة الأبدية توشك أن ترسي بك إلى العالم الكبير الذي تلقى عنده عوضك:
لابدّها يا سعود بتغيب شمسي
ذي سنةٍ رب الخلايق فرضها
ولعلها حريتي بعد حبسي
ولعلي ألقى عند ربي عوضها
غابت شمسك يا بدر، توارت إلى المغيب، غاب ضياؤك من صفحة السماء بعد إشراق، لقيت حريتك التي طلبتها؛
لكنك مسجون فينا، حاضر في تفاصيل حياتنا، في مشاعرنا وأحاسيسنا، في حبنا وعشقنا وغرامنا، في البرد
والصقيع، والقيظ والربيع، وفي الكثرة والوفرة والزحام. لا لم تكن محبوسًا؛ كنت حُرًّا طليقًا منذُ البداية، كنت تسكن الأعالي حيث الحريّة والانعتاق، كنت تسبح في فضاءات الله المُطلقة.
الوداع بدر بن عبد المحسن.. مع الله شاعرنا القدير.
*كاتب يمني
التعليقات