مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

لميس سالم* من الصعب مقاومة رائحة الخبز الطازج، الذي ما أن تتحرك الشمس صعودًا أو …

لَستَ فطيرةَ الجبن

منذ سنتين

557

0

لميس سالم*

من الصعب مقاومة رائحة الخبز الطازج، الذي ما أن تتحرك الشمس صعودًا أو نزولًا حتى تنبعث معها تلك الرائحة الأخاذة التي تعلن عن بدء مرحلة جديدة من اليوم، وما أن تصل إلى أي مخبز في أي وقت من يومك، إلا تجد أن العدد الأكبر من الفطائر يكون من نصيب (فطائر الجبن).

لذلك قد يكون الإقبال عليها أقل بالنسبة لبقية النكهات، ربما لسهولة صنعها الذي تسبب في كثرة أعدادها، حيث إنها دائمًا ما تغطي العدد الناقص، وتقوم بدور التكملة لأي نوع تطلبه في طبقك المفضل، الآن قد تلامسك فكرة التوافر الدائم، لكني لم أقصدها هنا، بل أقصد فكرة عدم التميز، القناعة المزيفة التي تدفعك إلى العمل بطاقة مضاعفة في كل المجالات سواء في وظيفتك أو في منزلك أو مع عائلتك أو أصدقائك؛ لأن هناك صوتًا قديمًا من اللا وعي داخلك يردد: (أنت غير كافٍ، غير مميز، أنت كفطيرة الجبن موجود في كل مكان، ولك نفس الرائحة المعتادة والطعم الذي لا يتغير)، هذا الصوت يعمل بمثابة الحطب الذي يزيد من وقود حركتك، ويتسبب في إهدار طاقتك في  كل الاتجاهات، فأنت آلة لا تتوقف إلا عند النوم فقط، وكل ذلك بحجة (هذه المرة ستكون كافيًا)، حتى لو تم شكرك في آخر اليوم، ومع فرحتك بما أنجزته سيعود إليك الصوت القديم (ليس كافيًا ما فعلت؛ لأنك لست كافيًا).

تصور معي خطورة الصوت الذي سيتردد في نفس شخص للتو يؤسس حياته الزوجية، ويطمح بأن تكون مريحة ومستقرة، وفي الوقت ذاته يعيش في مجتمع لا يزال غير واعٍ بالجوانب النفسية لآثار الصدمات العاطفية في سن الطفولة، فيبدأ الصوت يردد: (ابذُل أكثر؛ أنت غير كافٍ، ابُذل لتأمن)، فتجده يبذل جهدًا مضاعفًا فوق طاقته؛  ليحصل على رضا الشريك أو كلمة تخرس ذلك الصوت الذي يتردد عليه بعد كل إنجاز يقوم به، قد يستمر الأمر لسنوات وسنوات وسنوات، حتى يُفني صحة صاحبه دون وعيه بالسبب، للتوضيح؛ هذا الصوت لا يتعلق بالنشاط أو الالتزام بالمهام الذي ينبع من الإحساس بالمسؤولية، بل ينبع من خوف طفولي يتعلق بمشاعر التهميش والتجاهل التي مر بها الشخص في طفولته، ولم يتجاوزها، بينما هو يبذل ويبذل ستأخذ علاقته مع الطرف الآخر في الغالب إحدى المسارين، إما سيكون مع شخص اتكالي  يتخلى عن جميع مسؤولياته في المنزل ليقوم بها هذا الجريح، ويقتل روحه، ويجعله مخطوف اللون، فارغ النفس والروح، مستنزف الطاقة، يتساقط وهو يسير بين الناس، أو في حالات قليلة إن كان واعيًا، يكون بلسمًا يُسهم في إطفاء هذا الصوت الداخلي بترديد عبارات الأمان، وتقديم المكافآت، وحثه على قبولها بكل رحابة صدر، فالغير كافٍ يجد صعوبة في قبول حتى الهدايا، تخيل حجم الكارثة التي ستضرب هذا الشخص إن بدأ في تربية أبنه، طبعًا دون وعي منه سيصنع جيلاً من الاتكاليين، يعيشون دور الضحية بوراثتهم للألم منه، مع انطفاء السعي لما يجدونه من خدمة قبل الطلب، والحماية الزائدة التي تجعل من السعي في الحياة فكرة غير ضرورية.

سلامة فرد تعني سلامة جيل كامل، وكفاية فرد تصنع جيلًا واثقًا بنفسه، يؤمن بالسعي، ويراعي حق الله في نفسه وفي الآخرين، جيل يعرف من يكون وكيف يكتفي.

في كل الحالات أريدك عزيزي القارئ، يا مَنْ لامسك ما تحدثت عنه، أن تنظر لإصبع يدك الصغير، وتتأمل بديع صنع الله في هذا الجزء البسيط منك، تتأمل في تموجات بصمتك الخاصة، التي لا تشبهها تموجات إصبع آخر في هذا العالم، تأمل في تأكيد الخالق على تميزك وكفايتك قبل أن تعي بذلك، أنتَ كافٍ جدًّا ومميز للغاية دون أن تصنع سببًا يميزك أو تبذل جهدًا استثنائيًّا، وتأكد بأنه لا يرى جوهرنا جميع الناس، لكننا نستطيع أن نراه نحن مع كل الناس، لن تجد في الخارج من يلامس أوتار تلك المعزوفة الحزينة التي بداخلك، قد تنجو بوجود من يساندك أو يدلك على الطريق الصحيح إن كنت محظوظًا، أو قد تقابل من يسحبك إلى قعر الجحيم، ويشقيك حتى تبحث عن السبب، وتجد انعكاسك فيه، لكل شخص طريقة علاجه الخاصة التي يستجيب لها، وفي النهاية النجاة الداخلية مهمتك؛ لأنك إن خَفَّضْتَ هذا الصوت من الداخل بكفاءة، فاستعد لتغير الأصوات من الخارج التي ستردد: (أنت مميز، أنت دائمًا تكفي).

*كاتبة

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود