الأكثر مشاهدة

إعداد_حصة البوحيمد تتقاطع الأعمال الروائية مع الإنتاج السينمائي من حيث الفكرة وا …

الرواية والسينما.. بين الاندماج والتناقض

منذ سنة واحدة

3427

0

إعداد_حصة البوحيمد

تتقاطع الأعمال الروائية مع الإنتاج السينمائي من حيث الفكرة والشخصيات والنتيجة، لكن ثمة تناقضات ما بين كتاب الرواية وصناع السيناريو من خلال تباعد الكتابة من مضامينها الشيقة والجاذبة إلى نصوص توظف الفكرة في المونتاج وإخراجه بقالب درامي ومصنوع، لذا فإن ذلك يحتاج إلى مواءمة فعلية واندماج مطلوب يقوم على الاحترافية ومدى تسخير الرواية في خدمة النصوص، مع عدم الإخلال بأسس الفن الروائي والسينمائي. 

فرقد ناقشت القضية من كل أبعادها واتجاهاتها من خلال المحاور التالية:

– ما التقاطعات بين الأعمال الروائية والسينمائية وكيف يتم دمج الرواية لخدمة العمل السينمائي؟

– ما أوجه التناقض بين الروايات والأعمال السينمائية وهل تُضعِف هذه الفجوة أحد الفنين من خلال الاعتماد على الهيكل العام دون الاستناد للأسس الاحترافية لتحويل الروايات إلى أفلام؟

– ما المعايير الواجبة لتحويل الروايات الى أعمال سينمائية دون الإخلال بهويتيهما؟

*المشاهد والحوار هما طريق الرواية للسينما

يفتتح حوارنا حول القضية القاص والروائي خالد الداموك

بقوله: التقاطعات كبيرة وكثيرة، وأولها وأهمها مفهوم القصة بشكلٍ عام، فالعمل السينمائي يحكي قصة والرواية تحكي قصة، ثم بعد ذلك يمكن قول الكثير عن هذه التقاطعات التي تندرج تحتها الكثير من المفاهيم الكبرى في المجالين، فكليهما يهدف للإمتاع والترفيه على الصعيد الأول، كما أنهما يطرحان الآراء والقضايا والرؤى التي يبدعها الروائي أو المخرج، وهما أيضًا عملان إنسانيان بالدرجة الأولى يراجعان الإنسان وحياته وقصته سواء كان من الورق أو من الشاشة.

أما كيفية دمج الرواية في خدمة العمل السينمائي فأعتقد أنه يعتمد على المخرج بالدرجة الأولى وعلى رؤيته التي تبناها بعد قراءته للعمل الروائي وشعوره أنه يستطيع نقلها إلى عمل مرئي، يعتمد عليه أكثر من السيناريست ومن الروائي ومن أي أحدٍ آخر. ومهما كانت الصعوبات التي تواجه المخرج في تحويل عمل روائي كبيرة، فإنه عندما يجد رؤيته فلن يكون الأمر صعبًا. 

ورغم التقاطعات التي ذكرتُها؛ فإننا يجب أن نعي أن التطور التقني المعاصر دفع الرواية نحو خصوصية مختلفة عما كانت عليه في السابق، فهناك فرق كبير بين روايات اليوم وروايات (فيكتور هيجو) و(بلزاك) و(ديستوفيسكي) التي كانت تعج بالحوارات والوصف والمشاهد وينمو فيها الحدث بشكلٍ مستمر دون انقطاع. فرواية اليوم باتت للطرح الفكري والفلسفي والاسترجاع التاريخي (وهذا ما يفسر انتشار الأعمال التاريخية، وهي لم تكن منتشرة في حقبة بلزاك ومن ذكرتهم)، بل ظهر لدينا مفهوم الرواية المستحيلة، أي الرواية التي لا يمكن أن تحدث في الواقع وهو منتشر في الأعمال الروائية الأخيرة مثل أعمال أسامة المسلم. ويجب على السارد الذي كتب روايةً بطريقة القدماء أن يعي هذه الحقيقة، وإذا ما أراد أن يحقق نجاحًا، فعليه اللجوء إلى كتابة السيناريو بسبب جماهيرية الفنون المرئية مقابل الرواية، وإمكانية إيصال طرحه عبرها ما دامت روايته تعج بالوصف والحوار والنمو المستمر للحدث.

أنا أتفهم دقة الفروقات ووجود التفاصيل التي قد تطوّح بأي عمل سينمائي أو روائي عند الدمج بينهما، لكنه لا يخفى على أي مشتغل فيهما.

أما الفجوة فأعتقد أنها ستظهر عند تحويل عمل روائي إلى سينمائي بطريقةٍ اعتباطية دون مراعاةٍ لقواعد الفن السينمائي. فمثلًا عندما يكون لدينا رواية بخط سرد واحد وشخصيات وأماكن محدودة أو أن هذه الرواية تعج بالعبارات التنظيرية ومغرقة في الشعرية والطرح الفلسفي فإن تحويلها إلى عمل سينمائي عمل صعب جدًا، وحتى لو نجح فيه المخرج فأعتقد أن نجاح العمل جماهيريًّا لن يكون حليفه، فالسينما اليوم تعتمد على التقنيات الجديدة التي تصيب المشاهد بالإثارة، وهذا لن يكون ممكنًا في عملٍ روائي يغرق في الطرح الفلسفي والتنظير والشاعرية، ويجب أيضًا أن ندرك أنه كما دفع التطور التقني بالرواية نحو خصوصية محددة أوضحتها فيما سبق فإنها أيضًا دفعت بالسينما إلى خصوصية في الطرح، أيضًا خصوصية من الناحية الجماهيرية، فأصبح الجمهور السينمائي مختلف عن الجمهور الروائي في تلقيه وفي مرجعيته وفي ذائقته.   

وبالنسبة للمعايير التي يتبعها الروائي وهو يكتب عمله آخذًا بعين الاعتبار إمكانية تحويل هذا العمل الروائي إلى سينمائي؛ فأعتقد تجسيد المشاهد والإكثار من الحوار وتعدد خطوط الرواية ومحدودية الشخصيات المحورية في العمل وإتاحة الفرصة للمخرج في تجسيد رؤيته وإدخال التقنية. وهنا أريد القول إنني أتحدث عن العمل السينمائي وليس الدرامي.

وربما أرى أن على الروائي ألا يستبق الأحداث فيفسد عمله الروائي، بينما يحق للمخرج أن يفعل ذلك، أي أن يكتب روايةً يحولها فيما بعد إلى عمل سينمائي. فالرواية باتت اليوم عملًا فكريًّا يلامس العقول، وهو ما يتناقض مع العمل السينمائي الذي يلامس الغرائز.

*العلاقة بين الرواية والسينما وثيقة مرتكزها الحكاية

ويؤكد الروائي والقاص جمال الدين من السودان على ترابط الأجناس الأدبية الإبداعية ومنها الرواية والسينما، بقوله: 

لعل الناظر إلى العلاقة بين الأجناس الإبداعية. شعر.. موسيقى.. مسرح.. سرد.. تشكيل.. نحت.. تصوير.. إلخ… يلحظ ثمة خيط رفيع يربط بين جميع تلك المنجزات وهو الخيال والمخيلة.. لهذا فالعلاقة بين الرواية والسينما وثيقة؛ لأن مرتكزها الأساسي هو الحكاية أو القصة.. وتبعًا لذلك نجد أن تلك العلاقة قديمة بدأت منذ ظهور الأفلام، فيما بات يعرف بالفيلم المقتبس. ومع دخول الصوت للأفلام انفتحت تلك العلاقة إلى فضاءات أرحب.. أصبحت الشخصية الورقية مجسمة أمام المتلقي على الشاشة بالصوت والصورة والحركة؛ هذا أدى إلى سرعة دينامكية انتشار الأعمال الروائية إلى عدد كبير من المتلقين. وهذا يحسب للسينما لما لها من تأثير وحضور لافت.

وبالطبع هناك خصوصيات كما أسميها، فالعمل الروائي منجز فردي، بينما الفيلم هو منجز جماعي يقوم السيناريست بتفريغ النص الروائي إلى مجموعة لقطات مكتوبة ثم يأتي دور المخرج والممثلين والصورة والصوت، إذن هي عملية صناعية إعادة إنتاج وفق اشتراطات جديدة.

انا لا أميل إلى قولبة الآراء بقطعية أو حدية… الرواية فن وهي تسريد للحياة لخلق حياة موازية حتى نفهم العالم، وهي معنية بطرح الأسئلة والنظر بعمق في مكنون الإنسان وعلاقاته بالوجود.. وغيرها من فلسفة الرواية. السينما فن مختلف يجمع بين الصورة المتحركة والصوت وخلق التوتر المفضي إلى فهم التقاطعات التي تمر بها المجتمعات والأمم من خلال تسليط الضوء على قضية ما. شاهدنا أفلامًا مقتبسة من أحد أعمال روائية لقيت نجاحًا باهرًا مثل: شيفرة دافنشي… ذهب مع الريح. عداء الطائرة الورقية… أعمال محفوظ وغيرها، والعكس. إذن المسألة في السينما تتعلق بجودة المصنعة، وفي الرواية تتعلق بالهزة التي يطلقها النص في ذهن المتلقي.

لست ملمًّا بالتفاصيل الدقيقة في صناعة السينما، لكن بظني أن الفيلم السينمائي شيء مختلف تمامًا عن النص الروائي، هو إبداع من نوع آخر. ربما يكون موازيًا للنص الأدبي لكنه قطعًا مختلف عنه وليس بالضرورة أن يكون طبق الأصل، إذ تتدخل عوامل أخرى؛ المخرج.. الممثل.. الصوت.. الصورة المتحركة وزاوية الكاميرا والموسيقى التصويرية؛ كل ذلك يشي إلى أن هناك عملًا مختلفًا وإن ارتكز على بناء النص السردي، لكن ارتفاعه وسموقه يعتمد على جهود وإبداع  هؤلاء جميعًا.

*السينما جسر بـین الأدب والمجتمـع 

وترى الكاتبة والناقدة أمیرة الجھني أن السينما موصل جيد لفكرة الروائي، لكن انبهار الروائي ببريق السينما قد يضعف رصانة الرواية وحبكتها:

تبقـى الأعمـال الفنیـة فـي مجملھـا وسـیلة لإیصـال رسـائل حیاتیـة تصـف مـن خلالھـا حقبتھـا الزمنیـة، ومـا ھي علیـھا مـن طبیعـة وأشـكال، والعمـل الفنـي كالروایـة علـى وجـه الخصـوص یُعنــى بحبكــة القصــة وتوصــیفھا بشــكل دقیــق، مھتمًــا بالألفــاظ والزمــان والمكــان لتــوظیفھم فـي إیصـال الرسـالة التـي ینشـدھا الكاتـب ویرغـب بإیصـالھا للقـراء، فیتـرك لھـم  خیـالًا یجـول بـین ورقـات الروایـة، أمـا السـینما فھـي عمـل فنـي مصـور یـؤدي رسـالة بإیجـاز واختـزال للتوصیف؛ إذ لا یحتاج لخیال خصب لاستیعابه، لكـــن قـــد یـــأتي العمـــل الروائـــي متقاطعًـــا مـــع العمـــل الســـینمائي فـــي عناصـــر قصـــته كالشخصــیات، الزمــان، المكــان، الأحــداث، الحــوار، الوصــف مكونًــا علاقــة تبادلیــة وثیقــة مــا بــین الكلمــة والصــورة لترجمــة القصــة وإیصــالھا، إذ تــتم ترجمــة الــنص الأدبــي إلــى مشــاھد ســینمائیة مــن خــلال تحویــل الكلمــة إلــى صــورة لتصــبح الروایــة الأدبیــة مصــدر للســینما فــي إیصــال القصــة وشــعریة اللغــة ورؤاھــا الفلســفیة والقضــایا المجتمعیــة التــي یـؤمن بھـا الكاتـب، مشـكِّلة دمجًا مـا بـین العمـل السـینمائي والروایـة فیصـبح الكاتـب الأدبـي قريبًا مــن المجتمــع، مانحًــا ثــراءً معرفیًّا للســینما، إذ ســاھمت الســینما فــي تبســیط فكرتــه لــذوي المخیلــة البســیطة لتكــون جســرًا مــا بــین الأدب والمجتمــع، فــلا تكون القصــة مجــردة وخیالیة بل تھب لھا السینما بعدًا فیزیائيًّا یوثقھا لتلمس الواقع.

علــى الــرغم مــن العلاقــة الوثیقــة فیمــا بــین العمــل الروائــي والســینمائي، فإن تركیــز الروائـي علـى بریـق السـینما وجـذبھا مـن خـلال وصـولھا السـریع للمجتمـع الأقـل إدراكًـا قـد یضــعف الوصــف اللغــوي والخیــال الخصــب داخــل الروایــة ویكســبھا طــابع (اللاھــث) نحـو إنتاجھـا مرئيًّا، مـا یُغیـِّب رصـانة حبكتھـا أثنـاء الكتابـة، فتصـدر روایـة ركیكـة بسـبب اھتمامــه المصــبوب فــي الصــورة أكثــر مــن الكلمــة للمتلقــي؛ مــا یولّــد تناقضًا  فــي تركیــزه على العمل السینمائي وغیابه عن حقیقة الروایة ككاتب.

وقـد یتسـلل التنـاقض أيضًا بـین الروایـة والعمـل السـینمائي فـي مواضـع عـدة، ففـي حـین أن للروایــة ســیاقھا الزمــاني والمجتمعــي الذي ظھــرت بــه، ســیكون للعمــل الســینمائي ســیاقه الزمــاني والمجتمعــي أيضًا، وقــد یكــون -فــي بعــض الأحیــان- التباعــد بینھمـا مثــل فجــوة مظلمــة تســقط بھــا بعــض رؤى الكاتــب التــي قــد لا تتناســب مــع ســیاق المجتمــع للعمــل الســینمائي، وھــذا مــا لا شــك فیــه قــد یفســد أحــد رســائل الروایــة الأساســیة مشــكلًا ضــعفًا وھميًّا لاسم الروایة أو ضعفًا حقیقيًّا للعمل السینمائي. كـذلك الروایـة حـین تحویـل نصـھا الأدبـي إلـى سـیناریو قـد تصـبح مخیبـة للآمـال -لا سـیما الروایــات الناجحــة- مــن تغییــب وتغییــر فــي بعــض أحــداثھا، وھــذا مــا یجعلنــا نتســاءل: ھــل السینمائي یعي ما ترمي إلیه الروایة؟

ولكــي تكــون عملیــة تحویــل الروایــة لعمــل ســینمائي دون الإخــلال بھویتھمــا ســلیمة، یجــب مواءمـة العملـین بعضـھما الـبعض مـن خـلال ترجمـة المـادة وتمثیلھـا، إذ یقتضـي علـى ذلـك تحویــل كاتــب الســیناریو صــیغة الســرد الروائــي إلــى صــیغة العــرض الــذي نقصــد بــه الســیناریو وھــو الحــوارات بــین الشخصــیات وأفعــالھم ووجــودھم ومكــانھم وزمــانھم لیــتم عرضــھم، أمــا النصــوص الأدبیــة التــي یتعــذر علــى كاتــب الســیناریو تحویلھــا فیســتنتجھا مراعيًا استیعاب واستنباط معنى فكرتھا بداخله وحده. ویبقــى معنــى الفكــرة مــن الــنص الأدبــي للروایــة ھــو ما یجعــل كاتــب الســیناریو یتجــاوز الاختلافات بین الروایة والسینما.

*الأمانة في التعامل مع النص الروائي يصنع فيلمًا خالدًا 

ويتحدث الناقد المصري  أحمد محمد جلبي عن تاريخ السينما كفن قائم بذاته وعلاقته الاندماجية مع الرواية، بقوله:  

منذ بدايات القرن العشرين والفن السينمائي يكتسب شعبية حثيثة بين جمهور النظار العام، تلك الشعبية أتاحت له الانتشار والتمكين كفن قائم بذاته، أطلق عليه فيما بعد (الفن السابع) وبه اكتملت دائرة الفنون المسموعة والمرئية، وأصبح له قواعد وأصول ومعاهد عليا لتخريج دارسي هذا النوع من الفنون ودراسته كعلم من العلوم الإنسانية ودراسة طريقة تنفيذه، غير أن هذا الفن بالذات احتاج ليكتمل ويمتع عدة عناصر من موسيقى إلي قصة.. إلى إضاءة.. إلى ديكور.. إلى صوت مباشر وغير مباشر.. إلى تمثيل جيد يطابق الواقع أو يشذ عنه، إلخ… وأي نقص في أي عنصر من تلك العناصر المهمة، يعطبه ويكون مصير الفيلم الفشل، إضافة إلى عناصر أخرى عدة تتعامل مع هذا الفن كسلعة تجارية يلزمها التسويق والتوزيع وإقامة العروض، هذ الفن السينمائي إذن يحتاج لعنصر مهم قد يكون أهم ركن مباشر في (انطلاقات السينما الحقيقية كفن ونجاحاتها التي استغرقت أكثر من قرن بلا مبالغة لتصل إلى ما وصلت إليه الآن من جودة واحترافية) (وتتغير أولوياتها من الإمتاع والتسلية لاستخدامها لتغير ثقافات المجتمعات والتأثير فيها،  قلنا إن أهم ركن لتصبح فاعلة هكذا هي القصة التي يقوم عليها الفيلم السينمائي، والقصة تجرنا للرواية، وتجرنا لإعداد سيناريو لتنفيذ ما في الورق ليصلح كمشاهد للتصوير، ويجرنا هذا لحبكة الحوار بين أبطال العمل، إضافة لعدة تقنيات فنية أخرى من تقطيع مشاهد وترتيبها وزوايا التصوير وإضاءات المشهد وخلفياته، كيف إذن  تكون الرواية أو القصة محور العمل وأهم ركن في تنفيذ العمل السينمائي، والعمل السينمائي غني بالتفاصيل ومتشابك الأواصر والخواصر، لدرجة أن تتوه الرواية في زحمة تنفيذها من خلال تلك الطرق المتشابكة والمتشعبة، هذا ما يبدو للمتابع والمهتم بالعمل السينمائي لكن الواقع غير ذلك في السينما العالمية والعربية على حدٍ سواء، فالرواية تعتمد على إقامة عالم خاص بها من خلال رصد الأديب للمكان وشخصياته التي تتحرك فيه وعلاقاتهم وسلوكياتهم، والأديب الذي يكتب الرواية التي سوف تُختار لاحقًا للفيلم السينمائي، يصنع شيئين في منتهى الأهمية بالنسبة لكاتب السيناريو والمخرج الأول، إنه يتحكم في الزمن الروائي وهذا مهم جدًا بالنسبة للمخرج، فعامة الأفلام لا تتجاوز مدة عرضها الساعتين حتى لو استغرق تصويرها عشرات الأيام والأسابيع والأشهر؛ لذلك الروائي بروايته يزيح عن كاهل المخرج الزمن ويروضه بالنسبة للقصة والأحداث والدراما التي تصنع فيلماً جيدًا، بل يجعله يمتطي صهوة ذلك الزمن الروائي فيرشده إلى تتابع الأحداث وصولًا للذروة والعقدة الدرامية وحلها وهذا يظهر كثيرًا عند مقارنة أعمال روائية بأفلام أُخذت عنها، ثاني شيء يصنعه الروائي ويكون مهمًّا جدًا عند تنفيذ الفيلم السينمائي هو الشخصيات ورسمها من الداخل والخارج وحوارها الذاتي ثم حوارها مع بقية الشخصيات، إن هذا الفعل الذي يصنعه المؤلف في روايته هو الوقود المحرك لأحداث الفيلم ومرشد كاتب السيناريو والحوار لتنفيذ العمل ونقله للشاشة بلا هشاشة أو خروج عن مقتضيات أصول إنتاج مادة درامية مقبولة ومبهرة للجمهور، فكثيرًا ما يمتدح النقاد فيلمًا لسرعة وجمال لغته وانسيابيتها وإيقاعها السريع في الحوار الذي يصفونه عادةً بالحوار الذكي، والذي ارتفع بالمشهد وأدَّاه الممثل باحترافية عالية جعلته نجمًا أو هو نجم تفوق على نفسه في حواره بهذا المشهد، إن مصدر ذلك هو المؤلف وروايته، وصنعة كاتب السيناريو ودرجة ثقافته ودراسته للغة الأدبية التي في الرواية وإعادة تدويرها لتصبح لغة سينمائية، ولغة الشارع موضوع الفيلم، هي صنعة مركبة على ذات المؤلف الذي استقيت منه الرواية ولنأخذ أمثلة على ذلك طالما أننا نتحدث عن علاقات وتقاطعات الأعمال الروائية بالسينمائية وكيف خدم كلاهما الآخر لإيجاد ثقافة جماهيرية لا تقوم على الاقتباس من الأعمال العالمية، بل من واقع المجتمعات العربية وثقافتها ومفرداتها، وأول ما يتبادر للذهن أعمال توفيق الحكيم التي تحولت لأفلام، وسنلاحظ أنه في فترة مبكرة تمامًا والسينما العالمية تواكب إلى حد كبير السينما في مصر، يصنع محمد عبد الوهاب المغني والملحن فيلمًا عن عمل أدبي لتوفيق الحكيم، رصاصة في القلب، فيتحول فيه الحوار الذي كتبه توفيق الحكيم إلى أغنية هادئة اللحن شجية الإيقاع فيصنع فيلمًا جميلًا بمقاييس تلك الأيام وحتى الآن لا نمل من مشاهدته، ويكتب توفيق الحكيم عام 1944  ألا شأن له بالسينما في نهاية  الكتاب الذي أصدره ل (رصاصة في القلب) فهو لم يفهمها وإن كان وقع في حبائلها، ثم تأتي أعمال نجيب محفوظ المحولة من روايات إلى أفلام، وطبيعي لمن قرأ الروايات مثل القاهرة 30 التي كتب لها الحوار  لطفي الخولي وهو مسرحي كبير، وكان اشتراكه في الفيلم من الأعمال الأولى له، والسيناريو اشترك في كتابته صلاح أبو سيف وعلي الزرقاني ووفية خيري، طبيعي  أن نجد فرقًا كبيرًا بين الرواية التي باللغة العربية الفصيحة السهلة والتي يستخدمها نجيب محفوظ عادة في رواياته وتلك اللغة التي استخدمها الفيلم في حواراته ومشاهده، لكن إلى أي مدى كان هناك تقاطعات وتناقضات بين الفيلم والرواية، إن هذا سؤال يثار دائمًا، خصوصًا أن العمل الذي نقدم مقارنات فيه الآن كمثال حظي بشهرة سواء كفيلم أو كرواية، بل إنه صنع اسم نجيب محفوظ من البدايات وأصبح قاطرة جرت أعماله السابقة ودفعت أعماله التالية وفي الوقت نفسه صنعت شهرة ونجاحات مخرج مثل صرح أبوسيف والزرقاني ولطفي الخولى، وممثلين مثل سعاد حسني وحمدي أحمد، إذن العمل ابتداءً من الرواية والورق كان له صدى وصدق فني؛ لذلك أعجب الجمهور والنقاد وأصبح علامة فارقة لمنفذيه، وهو ما يتماهى مع ما ذكرت سابقًا من أن نجيب محفوظ في روايته تلك التقط بعينه وذاكرته الأدبية وثقافته الفكرية  واقعة من الحياة الاجتماعية، فنسجها نسيجًا أدبيًّا رائعًا وفق معطيات الحياة الاجتماعية في الأربعينيات زمن أبطال الرواية، نحن قلنا سابقًا أن الروائي يحمل عن المخرج فكرة الزمن ويجعله يمتطي هذا الزمن وقت صناعة الفيلم ونجيب فعل هذا في رواية القاهرة 30، ورسم الشخصيات وحدودها وقربها بحرفيته الروائية من الشخصيات التي يمكن أن تشاهدها في حياتك وتلتقي بها، فشخصية الانتهازي محجوب عبد الدايم شخصية يمكن أن تصطدم بها وليس شرطًا أن تراها في واقعة شرف وأخلاقيات منحطة، بل يمكن أن تلحظها في أكثر المجتمعات العربية محافظة، فالانتهازي  يصنع أي شيء ليظهر ويعلو ويتبوأ المناصب ويكون له حيثية مصطنعة لا يؤيدها عمل ولا اجتهاد، بل تسلق وأفعوانية، وحرفية نجيب أن جعله يسير في هذا الطريق حتى الآخر وحتى الثمالة، ووضع شخصية الصحفي الطامع في منصب حين تتغير الوزرات والحكومات للتعبير عن وصولية وانتهازية المتعلم والمثقف المهترئ من الداخل الذي لا يحركه الحس الوطني بقدر ما تحركه المصالح والمكاسب الشخصية، تلك المفارقات الروائية هي التي صنعت العمل وصنعت الفيلم المأخوذ عنها والذي نُفِّذ بدرجة احترافية عالية من كل من شارك بالعمل؛ لأن القصة غنية وبها عناصر تشويق دون مبالغة ولها منطقها الخاص الذي تستطيع بخبرات حياتية معقولة وثقافة جيدة أن تفهمه وتتفاعل معه ويصيبك بالدهشة المفكرة، وتكون ردة فعلك السعي للتغير وليس التسلية، بل التفكير بعمق في مآلات الحياة والناس يل وحتى التفكير في نوازع الإنسان من خير وشر وطموح وانتهازية، لماذا استخدمنا في مقالتنا عن التقاطعات والتناقضات بين الرواية والفيلم السينمائي هذا المثال بالذات لتوضيح الفكرة، هذا أولًا، ولأن كلا العملين أفاد كليهما  بشكل إيجابي ومرحلي غطى نجاح كليهما على عدد من الأمور التي تشكل عند صناع الأعمال الروائية والنقاد مثالب وعيوب وفجوة بين ما يقدم في كتاب وما ينقل عنه للتقديم على الشاشة، في تقديري مثلًا دلالة الأسماء عند نجيب محفوظ والتي يطلقها على شخصيات العمل، وهي دلالات ثقافية وتاريخية مثل سالم الإخشيدي مثلًا أو السيدة إكرام نيروز منشئة جمعية الضريرات، إذن نجيب صنع عالَمًا قصصيًّا وروائيًّا لا يمكن أن ينقل مدلولاته المخرج على الشاشة، لذلك كان نجيب يقول إنه مسؤول عن الرواية وغيره يُسأل على تحويلها لعمل سينمائي أجاد أو أخفق، لذلك في النموذج الذي نقدمه  ونحن نتحدث عن الفجوة بينهما نقر أنها ليست كبيرة ولم تضر كثيرًا كليهما، بل استطاعت أن تخدم كليهما بالشكل الذي يجعل القارئ مشاهدًا والمشاهد قارئًا فتزيد حصيلة كليهما حين يذهب هذا للمشاهدة والآخر لشراء الكتاب ليطالعه، وأعتقد أن حرفية التنفيذ هي التي صنعت تلك الحالة غير الاعتيادية، نأتي للختام والتعريج على فكرة المعايير التي يمكن أن تكون محل تنفيذ لتحويل الروايات لأعمال سينمائية ناجحة أو على الأقل نقلها بشيء من الأمانة لفكر الكاتب والمؤلف وفي الوقت نفسه تكون مقبولة جماهيريًّا، وهو أمر مهم وضرورى فلا نجاح بغير جمهور، أول تلك المعايير  هي الأمانة في التعامل مع النص الروائي وبوجود المؤلف بمعنى أن كثيرًا من شركات الإنتاج الآن في عام 2024 وما قبلها تقوم بسرقة الرواية وتصنع منها فيلمًا بعد تغيير معالمها وتنكير عرشها وتجهيل نسبتها للمؤلف هربًا من دفع حقوق الملكية الفكرية له، مع أن تلك الحقوق لا تساوي شيئًا أمام تكلفة التنفيذ، فتظهر تلك الأعمال ممسوخة ومبتورة؛ لأنه مهما كانت براعة المخرج وكاتب السيناريو فهم ليسوا أُصلاء في كتابة القصة وعالمها ولا رؤية مؤلفها للغرض الذي من أجله نشر وصنع روايته تلك، بالتالي هذه ثقافة أخرى واحترافية أخرى جديرة بأن تتعاون معها يا منتج ويا مخرج ويا كاتب الحوار السيناريو، لا أن تسرقها وتطرحها في فيلم لا ينال تصفيق أحد، وأبرز مثال على ذلك رواية  الكاتب السوداني الكبير الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال) وهي تعتبر بحق من الأعمال الخالدة عربيًّا وعالميًّا وكانت لها شهرة واسعة ولم يستطع أحد تحويلها لفيلم سينمائي يقارب عنفوانها وجمالها، وما ذلك إلا لأن الطيب صالح لم يجد في عصره المخرج ولا كاتب السناريو الذي يقترب من إبداعه ويستطيع فهمه والتعاون معه، وهو ما ينهض دليلًا على أن هناك أعمال كثيرة يمكن أن تصبح علامات في السينما العربية وترتقي بها لمصاف العالمية، لو قدر أن يكون هناك تعامل حصيف وعادل مع المؤلفين وأعمالهم الإبداعية وتعاون يُنجح كليهما ولا يكون مثلبة لأحد.

*ليست كل الروايات صالحة لعمل سينمائي

وتؤكد أيضًا الروائية أسماء الزرعوني من الإمارات على متانة العلاقة  بين السينما والرواية بقولها: 

هناك علاقة قوية بين الرواية والفلم السينمائي، خاصة إذا نظرنا للسينما المصرية وخاصة الأفلام القديمة أبيض وأسود أغلبها لم تكتب كفيلم، إنما روايات تحولت إلى أفلام على سبيل المثال: دعاء الكروان وأفواه وأرانب والعذراء والشعر الأبيض وغيرها.. وحتى وقتنا الحاضر بعض الروايات عندما تقرأها وتعيش أدوارها تتخيل أنك تشاهد فيلمًا سينمائيًّا رغم أن المؤلف كتبها كرواية، هناك نجد الاندماج، لكن في هذا الوقت تجد أن المؤلف كتبها للسينما فقط، وإذا تحولت الرواية لعمل سينمائي يأتي دور المنتج قبل المخرج ليغير الكثير في العمل الرائي؛ لأنه مع الأسف هم المنتج تجاري بحت، هنا يأتي التناقض بين الرواية الجادة واستهتار العمل السينمائي لكسب المال والضحك على عقول المشاهدين.

وتفقد الكثير من الروايات هويتها عندما تتحول إلى عمل سينمائي ويفهمها الإنسان المطلع والواعي؛ مثلًا تقرأ رواية وتعجب بطرح قضية مهمة وأسلوب الكاتب في طرحه للرواية، وإذا تحول إلى عمل سينمائي تغيرت فيها أشياء جذرية تنصدم كقارئ من مدى تغير الرواية، يجب المواءمة بين النص والعمل والهدف من الرواية. 

هناك روايات لا تصلح لعمل سينمائي، رغم أن البعض عمل على تحويلها وفشل الفيلم؛ لأن هذا العمل لم يكتب من أجل أن يحول إلى فيلم، هناك من يكتب السيناريو والحوار ويأخذ الهدف الأساسي من الرواية فينجح بعض الأحيان، لكن إذا اجتاح العمل السينمائي بعض الغموض ينفر منه، المشكلة في المشاهد العادي لأنه لم يفهم ماذا يدور حول الفيلم، فنحن لا نكتب أو ننتج لفئة من الناس خاصة الأشياء المرئية، في النهاية ليست كل الروايات تصلح لعمل فيلم سينمائي أو عمل درامي.

*على السينارست إعادة بناء النص الروائي ليناسب السينما 

وتشاركنا الأديبة والناقدة ندى الغامدي في الحوار، مؤكدةً على دور كل من السينما والرواية حين دمجهما في توصيل  الخطاب الثقافي دون الإخلال بهوية أحدهما، بقولها: 

تتقاطع الأعمال الروائية والسينمائية في قدرة كليهما على سرد القصة، لكن بطرق وأدوات مختلفة. تعكس أيضًا الأعمال الروائية والسينمائية الثقافات التي تنتج منها، بالتالي، كلاهما يساهمان في الخطاب الثقافي. يتم دمج الرواية في العمل السينمائي من خلال تحويل النص الأدبي (الرواية) إلى سيناريو، حيث تُقلص النصوص الوصفية وتطور الحوارات والمشاهد بشكل يخدم رؤية المخرج واحتياجات العمل السينمائي، وبالتالي تضيف السينما أبعادًا جديدة للرواية من خلال المشاهد البصرية، والمؤثرات الصوتية، وأداء الممثلين.

ويكمن التناقض بين الروايات والأعمال السينمائية في أدواتهما، بمعنى أن الرواية تعتمد على النص المكتوب وعلى اللغة في الوصف والسرد، بينما تعتمد السينما على الصورة والحركة والصوت وبالتالي في الرواية، يمتلك القارئ حرية التخيل والتأويل، حيث يمكنه بناء صور ذهنية خاصة للشخصيات والأماكن. في المقابل، تقدم السينما رؤية محددة ومكتملة، إذ يعتمد بشكل أكبر على رؤية المخرج والمصور، ما يحد من قدرة الجمهور على التخيل واستيعاب الأحداث والقصة ككل بشكل شخصي وفردي.

تتناقض الروايات والأعمال السينمائية أيضًا في جانب الزمن. يمتد الزمن غالبًا في الروايات لمدى طويل، يتيح للقارئ استكشاف القصة بتفاصيلها وجوانبها المختلفة، بل ويصبح العمل أشبه بآلة زمن تأخذ القارئ إلى عالم وزمن الرواية. أما في السينما بحكم طبيعتها الزمنية المحدودة (عادةً بين 90 إلى 180 دقيقة)، تضطر إلى ضغط الأحداث والشخصيات، فيتم الاستغناء أو تغيير بعض التفاصيل.

لا تُضعِف هذه الفجوات بالضرورة أحد الفنين؛ بل تعكس اختلاف الوسائل والطرق التي يسلكها كل فن في تقديم القصة.

لا شك أن بالإمكان تحويل الروايات إلى أعمال سينمائية دون الإخلال بهوية كل منهما، باتباع مجموعة من المعايير التي تضمن الحفاظ على جوهر العمل الروائي، مع الاستفادة من الأدوات السينمائية. أولها، الالتزام بالحبكة والشخصيات. ثانيًا، بدلًا من النقل الحرفي للنص، يجب على كاتب السيناريو أن يعيد بناء النص الروائي بشكل يناسب العمل السينمائي، ولأني أؤمن بأن السينما (فن الصورة)، لذا على الحوار أن يكون مختزلًا قدر المستطاع حتى لا يكون ثرثرة. وأخيرًا، لا شك في أهمية اختيار ممثلين متمكنين وقادرين على تجسيد الشخصيات بشكل مقنع، ومخرج يفهم ويستوعب جوهر العمل الروائي الذي يعمل عليه.

باتباع هذه المعايير، يمكن تحويل الرواية إلى عمل سينمائي يظل وفيًّا للهوية الأصلية مع الاستفادة القصوى من الإمكانات الفريدة للسينما.

*الحفاظ على روح الرواية هو المعيار الأول

ويشير الأديب د. مصطفى الضبع من مصر إلى العلاقة التكاملية بين النص الراوئي والسينما بقوله:

التقاطعات قائمة عبر ثلاث مناطق أساسية:

1- الفكرة.

2- القضية.

3- التفاصيل الفنية.

ويكاد الفيلم الروائي يحافظ على الأولى والثانية حريصًا على جوهر الفكرة وروح القضية، أما التفاصيل الفنية فلكل منهما طريقته في الطرح وأدواته في التوصيل ، والخلاصة أن الرواية فيلم مقروء، والفيلم رواية مرئية، والتماس بين الرواية والسينما قائم ومتحقق في الاثنين، فكثير من الروايات تحمل عناصر سينمائية، ويفيد كتاب الرواية من تقنيات السينما في الكتابة الروائية كما هو الحال في الكتابة المشهدية وتقنية القطع والانتقال السريع، والوصف البصري وغيرها، والسينما تتحقق فيها عناصر الرواية، وأولها الروح الملحمية والطول وتعدد الأشخاص والأمكنة وغيرها من عناصر السرد، ثم تأتي الحبكة أو الإحكام السردي ليكون السمة الروائية الأبرز في السينما.

ووفق معايير الفن، ليس هناك تناقض فكلاهما يكمل الآخر، خاصة السينما تخدم النص الروائي بوصفها قناة توصيل، فإذا كانت الرواية تمد السينما بالمادة السينمائي، فإن السينما تخدم الرواية بتوسيع دائرة الانتشار، وتحويلها إلى عمل له طبيعته العصرية، متوافقًا مع عصر الصورة ومعبرًا عنها، وناطقًا باسمها وسفيرًا لها بين فئات إنسانية أوسع، حيث يمكن للسينما غزو الفئات البشرية التي لا تقرأ، أو أولئك الذين يفضلون الصورة على الكلمة المكتوبة.

بالطبع الضعف لا يأتي من التناقض بقدر ما يأتي من ضعف المعالجة، فعلى مدار تاريخ العلاقة بين الرواية والسينما نجدنا إزاء حالتين أساسيتين:

1- روايات قوية فنيًّا ومعالجتها السينمائية قوية تكافئ قوتها الفنية، مثل رواية “مالك الحزين” لإبراهيم أصلان، التي تحولت إلى فيلم سينمائي شهير “الكيت كات”.

2- روايات ضعيفة فنيًّا، لكن معالجتها السينمائية أقوى من الأصل الروائي، ومن أبرز هذه الأعمال رواية “شيء من الخوف” لثروت أباظة التي تحولت إلى فيلم بالعنوان نفسه.

إذن القضية تكمن في المعالجة وليس في مجرد العلاقة بين الفنين، وهو ما تشهد به صناعة السينما في علاقتها بالرواية على مستوى العالم كله.

والحفاظ على روح الرواية هو الشرط المعياري الأول، فإذا كانت كل الروايات صالحة لأن تتحول إلى سينما، فمن الأنسب فنيًّا الحفاظ على روح النص وجوهره، مع الإقرار بأن تغير الرؤية وارد وقائم وأن أدوات التوصيل المختلفة من الممكن أن تحدث تغيرات في طبيعة النص، لكنها تغيرات لا تخل بالجوهر ولا تقلل من شأن النص الروائي بالأساس.

*يتطلب التوازن الدقيق بين الرواية وإبداعية السينما  

ويشير الكاتب المسرحي الأستاذ عبدالله المقرن إلى مميزات كل من الرواية والسينما ودرجة التناغم والتكامل المشروط بينهما، بقوله:

الرواية والسينما شكلان من أشكال الفن السردي، ولكل منهما ميزاته الفريدة.

فالرواية تعتمد على الكلمات والوصف لشخصيات، كذلك يمكن للكاتب أن يستكشف أفكار ومشاعر الشخصيات بعمق داخل كل شخصية، متنقلًا بين الأزمنة والأماكن بسهولة. 

بينما السينما تعتمد اعتمادًا تامًّا على الصور والحركة للشخصيات، وذلك من خلال التمثيل والحوار متنقلًا كذلك بين التقنيات البصرية والمونتاج لتحقيق ذلك. 

أما عن كيفية دمج الرواية في خدمة العمل السينمائي، فهناك عدة خطوات، منها:

الاقتباس، وبالتأكيد لهذه الخطوة دور كبير في تحويل النص الروائي إلى سيناريو يتطلب اختيار الأجزاء الأكثر أهمية وتكييفها لتناسب الشاشة، وقد يتطلب الأمر تعديل بعض الأحداث أو الشخصيات لتتناسب مع ما يتم طرحة للجمهور، وهنا يأتي دور المخرج بأن يكون له دور كبير فينقل الرؤية الروائية إلى الشاشة من خلال اختيار الزوايا، الإضاءة، الموسيقى.

ويقع العاتق الأكبر على الممثلين بأن يجلبوا الشخصيات إلى الحياة من خلال أدائهم، ما يضيف عمقًا جديدًا للرواية يستمتع فيها المشاهد أو القارئ لهذه الروايات. 

هذه الفجوة لا تُضعِف بالضرورة أي من الفنين، بل يمكن أن تضيف قيمة جديدة. الرواية توفر تجربة غنية بالتفاصيل والتعمق في الشخصيات، بينما الفيلم يقدم تجربة بصرية وموسيقية قد تكون أكثر تأثيرًا عاطفيًا. كل فن له قوته وجاذبيته الخاصة، ويمكن أن يكمل كل منهما الآخر بطرق مختلفة، منها:

الوقت والمساحة:

الروايات غالبًا ما تكون طويلة وتحتوي على تفاصيل دقيقة، بينما الأفلام محدودة بالوقت (عادةً ساعتين أو أقل)، ما يتطلب اختصار الأحداث والشخصيات.

التفسير البصري:

الروايات تعتمد على الخيال والوصف النصي، بينما الأفلام تعتمد على التصوير البصري والمؤثرات الخاصة، ما قد يؤدي إلى اختلاف في كيفية تصور الأحداث والشخصيات.

التعديلات الإبداعية:

المخرجون والكتاب السينمائيون قد يجرون تغييرات لتناسب الجمهور السينمائي أو لتحقيق رؤية فنية معينة، ما قد يؤدي إلى اختلافات كبيرة عن النص الأصلي.

القيود الإنتاجية:

الأفلام تواجه قيودًا تتعلق بالميزانية، والتقنيات المتاحة، والوقت، ما قد يؤثر على كيفية تنفيذ بعض المشاهد أو الأحداث.

تحويل الروايات إلى أعمال سينمائية يتطلب توازنًا دقيقًا بين الحفاظ على جوهر الرواية وإبداعية السينما. 

فالاحترام للنص الأصلي، يجب أن يحترم الفيلم الرواية الأصلية من حيث الشخصيات والأحداث الرئيسية والرسالة العامة، كذلك الاختصار غير المخل؛ لأن الروايات غالبًا ما تحتوي على تفاصيل كثيرة قد لا تكون ضرورية في الفيلم.

ويجب اختيار الأحداث الأكثر أهمية والتي تخدم القصة بشكل أفضل.

مع ذلك، السينما لها لغتها الخاصة بها؛ منها تحويل النصوص الأدبية إلى حوارات ومشاهد بصرية تتناسب مع الشاشة الكبيرة.

الحفاظ على الروح حتى مع التغييرات؛ لأن محافظة الفيلم على الروح العامة للرواية، سواء كانت درامية، رومانسية، أوخيالية، والتعاون مع المؤلف إذا كان ذلك ممكنًا، له تأثير مفيد لضمان أن الفيلم يعكس رؤيته.

والاهتمام بالتفاصيل الصغيرة يمكن أن يحدث فرقًا كبيرًا في كيفية استقبال الجمهور للفيلم. مثل الاهتمام بالديكورات، الأزياء، والموسيقى لتتناسب مع جو الرواية.

في الأخير، ما يتم تحويله من الروايات إلى أفلام، ويسمح للجمهور برؤية القصص التي قرأها تتجسد على الشاشة. وبالتأكيد هناك اختلافات بين الرواية والفيلم بسبب القيود الزمنية والتقنية. بعض الروايات قد تتطلب تعديلات لتناسب الشكل السينمائي، ما قد يؤدي إلى تغييرات في القصة أو الشخصيات.

تحويل الروايات إلى أفلام سينمائية يمكن أن يكون ناجحًا جدًا، إذا تم بشكل جيد.

والأمثلة على ذلك كثيرة من الروايات العربية أو العالمية، التي نجحت كأفلام سينمائية وكانت مبهرة للجمهور. 

*الرواية والسينما يلتقيان في نقل الهم الإنساني

       

ويؤكد الناقد اليمني علي أحمد قاسم على العلاقة التكاملية بين الرواية والسينما، بقوله:

كثير من الدراسات والبرامج درست العلاقة بين الرواية والسينما، وخرجت تلك الدراسات بأن العلاقة تبادلية تكاملية من حيث أن كل طرف قد يستفيد من الآخر، فالسينما تستفيد من النص عملًا مرئيًّا قد تجني من السينما بمستوياتها المختلفة الكثير من المال وذيوع المخرج والسينارست الممثلين، فضلًا عن الجهة الراعية والممولة. 

ويستفيد الكاتب الشهرة لأعماله ولنفسه، لاسيما أن العمل السينمائي يقوم على الدعاية والإعلان وقد يعرض على المستوى المحلي والإقليمي وربما العالمي، وهناك كثير من الروايات العربية والعالمية مثلت أفلامًا (القاهرة الجديدة) نجيب محفوظ، ورواية (الجريمة والعقاب) تولستوي وكثير من الأعمال الروائية العربية التي لا يتسع المجال لحصرها.

وكما أن الرواية جنس أدبي سردي متشابك الأحداث ومتعدد أيضًا ويقدم تلك عبر زمان ومكان، فإن السينما تقدم الأحداث عبر شاشات دور العرض، والرواية تعتمد على اللغة من الألفاظ والمعاني والتراكيب الدلالية لتثير خيال المتلقي لاستيعاب الفكرة، وتقوم أيضًا على تقنيات الوصف والحوار السرد. 

بينما السينما تقوم على الصورة لا الوصف، وقد تثير خيال المتلقي من خلال  الأحداث والتنقلات من مكان إلى آخر عبر مشاهد الصورة المتلاحقة والمتتابعة، والسينما يمكن لها إعادة النص الروائي من خلال السيناريو لتتحول من عمل أدبي مقروء إلى عمل درامي  مرئي، أما الرواية من خلال تقنياتها فإنها تثير محاولة تعميق الفكرة والمضمون في مخيلة القارئ، فتتعدد شخصياتها وأحداثها وأفكارها بما يخدم مضمون الرسالة للرواية، وتستطيع السينما أن تثير خيال المشاهد وتجذبه بمشاهدها وحبكتها السريعة، وإذا كانت الرواية عملًا سرديًّا طويلًا ومتشعبًا ومعقدًا، فإن السينما تختزل الرواية وقد تضيف عليها وتحذف من أحداثها بما يتناسب مع الفكرة، وقد لاقت بعض الأعمال  المدورة سينمائيًّا نقدًا لاذعًا على مستوى النقاد ومستوى القارئ المزدوج وحتى من المؤلفين أنفسهم، خاصة تلك التي تغيرت عن الأصل  بشكل كبير، إلا أن بعض الكتاب أرجع الفضل في انتشاره وذيوع أعماله إلى تدوير العمل الروائي من روائي إلى سينمائي ومنهم نجيب محفوظ.

ومن ذلك، فالرواية والسينما تحافظان على الفكرة والجوهر وإن اختلف الكتابي السردي عن العمل السينمائي الدرامي في تلك المحافظة، فالروائي يبني فكرته من خلال تقنيات الرواية، بينما الدراما السينمائية تحاول المحافظة عليها من الأحداث المتلاحقة السريعة في الفيلم، وقد تشترك الروائية مع الفيلم في تقنية السرد، فالسرد الروائي كتابي يحشد له الروائي تقنياته من استرجاع ووصف وحوار واستباقات، بينما الفيلم يعتمد على الصوتي المرئي.

وتلتقي الرواية مع الفيلم في نقل الهم الإنساني سواء كان اجتماعيًّا أو اقتصاديًّا سياسيًّا، حتى يتحقق التأثير والتنوير. 

ومن وجهة نظري، فإن الرواية السينمائية لا وجود لها كفن يمكن أن يشكل ظاهرة إبداعية، كما هو حاصل مع الرواية، فالرواية السردية الإبداعية عمل إبداعي أصيل، بينما الرواية السينمائية عمل يقوم على الحوار والحدث والقطع ليمثل فقط، فهو في كثير من الأحيان لا يرقى إلى مستوى الإبداع الفكري والتقني السردي الذي تتميز به الرواية، والهدف من الرواية كسب المال لا التغيير الفكري والاجتماعي وغيره، خاصة أن الذي يقوم بالرواية السينمائية هو السينارست الذي تعلم أسلوب السيناريو، وهذا متاح لأي شخص أن يتعلم السيناريو، أما الرواية فترتكز كتابتها على خصائص وموهبة لا تتأتى إلا لكاتب، والروائي يحرص كثيرًا على أمانة الفكرة والرهان الذي يرسله للمتلقي، حتى ينقل صورة للعلاقات المتشعبة في المجتمع على مختلف مستوياتهم، بينما السيناريو يهمه تنقية القطع والحوار والإثارة، وقد تأتي الفكرة سطحية جدًا وغير أمينة، ولا يمكن أن ننكر نجاح بعض الروايات السينمائية، لكنها من وجهة نظري لن تكون رواية المستقبل كما يروج البعض وتحل محل الروائية الإبداعية السردية.

وقد استفادت الرواية والروائي على حد سواء من تقنيات، كالمنتاج والقطع والقطات الفلمية علاوة على أن بعض الروايات قد تلهم الكاتب في اكتشاف فكرة جديدة؛ ليكتب رواية من خلال مشاهدة فيلم.

أخيرًا.. 

تقاطعات ما بين الروائية والسينما، يمكن ذكرها:

– التصاعد السردي مع اختلاف الحبكة. 

– الصورة أساس العمل السينمائي والدراما. 

– الزمن طويل في الرواية والفيلم مقيد بزمن محدد.

– تقوم الرواية على اللغة والوصف وليس الصورة المرئية

– الخيال في الرواية كبير، بينما الخيال في الفيلم بسيط يناسب اختزال العمل والزمن. 

– قد يحافظ السينارست على فكرة الرواية، لكنه لا يأخذ بكل التفاصيل. 

– الأحداث متلاحقة في الفيلم وفي الرواية متشعبة ومعقدة.

– ربما تتشوه بعض الأعمال التي تم تدويرها أفلامًا، خاصة أن بعض الكتاب أنكر عمله على الشاشة. 

– استفادت الرواية  من الفيلم في بعض التقنيات.

– الرواية السينمائية عمل تمثيلي أكثر من كونها عملًا إبداعيًّا.

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود