مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

د. صالح باظفاري* اتخذ أهل البحر الترفيه كوسيلة ترويح عما بأنفسهم، هذا من الأمور …

ثأثير الغناء البحري على الأغنية السعودية

منذ سنة واحدة

1464

0

د. صالح باظفاري*

اتخذ أهل البحر الترفيه كوسيلة ترويح عما بأنفسهم، هذا من الأمور ذات الأهمية البالغة على نفسية الفرد أثناء تأديته لعمله، خصوصًا أصحاب البحر منهم، كما يحتاجها المرء في حياته الغناء في ظل القيم والمبادئ الإسلامية حتى يخفف من التعب والمشقة وإدخال السرور في النفس.
وفي ذلك المضمار قال الإمام أبو حامد الغزالي، وهو أحد أعلام عصره ومن أشهر علماء المسلمين في القرن الخامس الهجري «من لم يحركه الربيعُ وأزهاره والعودُ وأوتاره، فهو فاسدُ المزاج ليس له علاج» ويحث كلامه على أهمية المباح من الغناء والموسيقى في تنمية الإحساس الجمالي لدى الإنسان ورفع ذائقته السمعية.
لو أخذنا لمحة عن أسلوب فنون الأغاني البحرية، نلاحظ أن الأداء فيها جماعي من قبل البحارة كان أو الصيادين، تؤدى هذه الأغاني بأكثر من لون وأكثر من شكل إيقاعي، ويأتي (مغن) بإبداعات في التكنيك لجذب من في السفينة، كما يساهم البحارة بترتيلات غنائية معه ومشاركتهم في الأداء؛ كونه يتطلب مجموعة متجانسة فنيًّا تؤدي هذا التطريب الجميل فئة أداء الأغاني البحرية بأسلوب فريد وبإتقان نادر.
وترتكز الأغنية عامة على دلالات ورموز إيحائية كثيرة تدخل في عالم التصوف الإنشادْ، وهي ابتهالات ودعاء وطقوس دينية تبلورت في قوالب غنائية جميلة سكبت رحيقها على الأغنية العربية والسعودية خاصة، وتم التزاوج الفني بين الأغنية السعودية والأهازيج البحرية ذات الألحان الشجية والقصائد ذات المعاني الكبيرة، تطور ذلك التزاوج الروحي بين الموروث والحداثة، ومن هنا بدأت مواويل البحارة تُلحّن وتوضع لها الآلات الموسيقية وتغنَّى من المطربين والمطربات ليصبح فن الغناء البحري شريكًا في فنون الغناء السعودي الحديث، وتعتبر الأغنية البحرية أحد أوجه الهوية الثقافية في المملكة العربية السعودية.

بدأ ذلك التصنيف للأغاني التراثية البحرية في السعودية يحمل ملامح الهوية الثقافية والوجدانية من الفترة ما بين 1319-1324هـ/1902م، وتشكلت بصورة خاصة عام 1906م في الحجاز بحكم التراكم الحضاري البحري العميق للمنطقة، وقد كان رائد تلك النهضة الغنائية في المرحلة الأولى للتكوين الفكري للغناء المتزاوج بين البحر والموسيقى الفنان الشريف هاشم العبدلي، ويصنف أول فنان سعودي قدم تلك النماذج الغنائية، وقد يختلف فن المملكة في مكة وجدة والمدينة والطائف عن فن اليمن ومصر في طريقة طربات الإيقاعات، خصوصًا في العدنيات وأغاني الفلكلوريات والدانات وأغاني الرمان، والصنعاني الخاص بالحجاز يختلف كثيرًا في الأداء والإيقاعات والعزف والهنك تختلف عن مصر واليمن وعن أي بلد عربي، والدانات والمواويل البحرية القديمة التي يتبادلها أصحاب السفن الموانئ، وفي هذه الأغاني البحرية أو الأهازيج بعض الكلمات التي يقال إنها واردة من اليمن، ومن الكبار المؤسسين النهضة الغنائية السعودية محمود مؤمنة، وهو من فناني الصف الأول في مكة، ومحمد رئيس من أوائل العازفين، ومن هؤلاء المؤسسين الموسيقار طارق عبدالحكيم، ومما يدل على حب أهل مملكة الفن صنف مقام الحجاز وأصوله، وقد نشأ في مكة المكرمة وخرج للعالم وأصبح من المقامات المهمة في علم الموسيقى، وهو المقام الذي يستخدمه العرب والغرب ويستخدم في الدول العربية كمقام كامل ويستخدم عند الغرب كجنس من مقام الحجاز، وهو جزء من المقام؛ كون المقامات ثلاثة أجناس يتزاوج بعضها مع بعض مثلما تزاوجت الأهازيج البحرية مع الأغنية والموسيقى السعودية.

وقد تميز مقام الحجاز بوضع إيقاع (الدانة) وهي من جواهر البحر تسمى (دانا) وتعني ليلة للدان عند أهل البحر، يعبر إلايقاع مكيًّا يستخدم مع مقام الحجاز ويستخدم حسب رغبة الملحن وتذوقه ويعود تاريخه إلى ما قبل 870 عامًا، وينسب هذا الإيقاع إلى يمن رغم أن نشأته مكاوية، ومن ضمن الأغاني الصوفية المنقولة عن طريق الرواة ومن جلسات السمر في السفن المسافرة من وإلى الحجاز أغنية «ترفق عزولي» التي تقول كلماتها:
ترفـق عـذولي فـمـا ذا الصيـاح
على عاشق في حمى العشق طاح
أمـا قــد عــلــمــت بأنـي امــرؤ
حـب الـمـليـح وأهــوى الـمــــلاح
وبـالــروح أفـدي ســويـداً رنـا
بهيّ الـمـحـيـا لـطـيـف الـمــــزاح
مليح من العــرب حــل الحـشا
بسيف الـعـــيـون السليم الصحاح
تبدّى لنا اللـيــل من شـعــــره
ومـن وجــنـتـيـه تـبـدى الصـبـاح
إذا افتـرّ عـن تـيـهــه ضاحكـاً
فـلـلـــــــه أيــام أنـســــا بـــه
ولله تـلــك اللـيــالـي الــمــــــلاح
زمان السرور ورشف الثغور
وضـم الصـدور بغــيــر جــنــــاح
زمـان الغــرام زمان الـهـيـام
وحـلــو الـمــدام وطـيـب الـمـزاح
زمـان الوفاء وطـول الـعـناق
وأنــس التلاقـي بـتـلـك البـطـــاح
زمان الوصال بحـلــو الـدلال
بـحـب الغــوانـي عــنـد الصـبــاح

ومن تلك الأغنيات أيضًا أغنية أراك عصي الدمع التي تقول:

أراك عصي الدمع شيمتك الصبر
أما للهوى نهي عليك ولا أمر
نعم أنا مشتاق وعندي لوعة
ولكن مثلي لا يذاع له سر
إذا الليل أضواني بسطت يد الهوى
وأذللت دمعًا من خلائقه الكبر
تكاد تضيء النار بين جوانيحي
إذا هي أذكتها الصبابة والفكر
معللتي بالوصل والموت دونه
إذا مت ظمأنا فلا نزل القطر
نعم نحن قوم لا تواسط بيننا
لنا الصدر دون العالمين أو القبر
تساؤلني من أنت وهي عليمة .. وهل بفتى مثلي على حاله نكر
فقلت كما شاءت وشاء لها الهوى
قتيلك، قالت: أيهم فهم كثر
وقد نقل كثير من الكلمات التي تحمل قالب التصوف الروحي في الغناء البحري، وأسقطت تلك القوالب على الأغنية الحديثة بعد دخول الآلات الموسيقية، مثل الطربي (القنبوس) وغيرها من أدوات الطرب.
ومن الأهازيج والأغاني البحرية بعض ما يقال عند البحارة أثناء البحث عن اللؤلؤ مثل قولهم:
دمعي تحدر على وجناي واستاهل
وهلال سعدي ابد ما بان واستاهل
هذا جزا من رابع الانذال يستاهل
رابعت صاحب ذهب اليوم فضة قلب

ما اغفر انا اخطاك حبك في ضميري انزاح
من حيث جرح في قلبي ما برى وانزاح
انسيـت ذاك الطـرب وذاك اللعـب وانـزاح
قلب قسى شى فعلت انا من بد
الضرس ليمن رقل من شعلة لا بد
انظر إلى الغيم لى هب الشمال انزاح
الأهازيج أغاني صغيرة الهزج في الموروث الشعبي الذي يُعرف في بعض المناطق بـ (الزَّامل) وجمعها (زوامل)، وكلمة زامل هي مرادف لكلمة أهزوجة والزوامل هي الأهازيج وقد قال الزمخشري “زملت القوسُ، ولها أزْمَلٌ: صوتٌ والسقاة يَزْمِلون ولهم زَمَلٌ وهو الرَّجَز، وتزاملوا: تراجزوا. قال الشاعر:
لن يغلب النازع ما دام الزَّمَلْ
فإن أكب صامتًا فقد خمَلْ
وكانت ثقيفًا وهذيلًا يتزاملون، ويسمّونه الزَّمَل، والى هنا نأتي إلى ختام هذه الفقرة ولنا متابعة في حلقات قادمة.

*كاتب يمني

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود