الطفلة تتلبسها الأنثى

المحسن بن هنية*

الطفلة تتلبسها الانثى

عندما وضعت عينك على ثقب باب الحمّام اجتاحني حسٌّ أنّ خيوطا من نور تغزو عالمي، وكان الماء المنثال على جسدي فاترا، فتحوّل إلى مطر خصب اهتزّت له روابيّ ووهادي، فاخضرت له في كلّ موطئ اصبع ضياع، وحقول وروابي ، واعشوشب الجسد كلّه فأتى طلعه كروما ونخيلا وزيتونا ورمانا وعناقيد عنب حتى ثمُلت كلّ خلية فيه، وترنّحت نشوانة جذلانة ودخل عالمي محراب صلوات اللذة الهصيصة، ارتفع صوت الرّغبة بالشّعر والغناء.
أنت صديق أخي، تدخل المنزل بدون استئذان، هذا الصّباح زرتنا سألت عن أخي، لم يكن حاضرا، قلت ستعود بعد ساعة، هكذا تشكلت عندي صورة العين تختلس النّظر من ثقب الباب. صدق اعتقادي وشعوري بأنّي بلغت سنّ الأنثى بالنسبة لك ولكلّ الرّجال، أنا كنت مدركة للتحولات التي أعلن عنها جسدي الهارب من الطّفولة إلى الشّباب وقد ختم مرحلة البراءة منذ أن بصرت القطرات الحمراء المائلة للون الحنّة. يدفعها الجسد خارجه، ثم منذ أن رأيتك تنظر لي بشراهة تتدفّق من عينيك.
ثم رغبتك في أن تحدثني حديثا يليق بتحولاتي ولكنك تردّدت بفعل شكّ ساكن في ذهنك أنّ الطّفلة مازالت تسكنني. والآن هي الفرصة التي ستؤكد لك أن الأنثى هي التي تلبسني. فأمعنت في الحرب وأطلقت الأعنّة لخيولي تصهل وتركض عادية ضابحة في ميدان الغواية ولغبارها ارتفاع. ساعدتها بإطلاق الّجام ليدي تنزلق صعودا وهبوطا تكوّر النّهد حينا وأخرى تلوي الحلمة وأردتُ نطقك بما نطق الشاعر “نهد صغير بعد لم يملأ يدي” ثم أوغلتُ في الفتك بك والأصابع تنحدر إلى أسفل السرّة لتمرّ في ارتعاش على سر أنوثتي.
بعد هذا هل أدركت أنّ أربعة عشرة سنة ليست قليلة في بناء ملامحي “وعليك” اذا مررت بي أن تسلم وأعلم إني لست الطفلة وانك لست المعلّم.
كنتُ ظلومة جهولةٌ عند بدايتي. وقد ظلّلتني شجرة التّفاح وساقطت عليّ ثمارها، وكنت مدركة أنّها ستبدي لي سوءتي، وكنت أنت عونا للشيطان الذي استغل ضعف سلطتي فسلبنيها حتى لانت له شكيمتي فجرّني بعونك إلى بحار جسدك وصخور شواطئك وجنان الغواية من شفاهك إلى أخمص قدمك وشربت من قراح زلالك وثمُلت بثمر رضابك حتى شعّت سمائي بنور ملائكي فيه من ألوان العقيق واللؤلؤ وألق الزئبقي وحمرة المرجان وضياء العسجد. رفرفت اجنحتي في طباق لا يلجها أمي وأبي وحتى أخوتي ويخرج منها الملائكة والأنبياء والوعّاظ، يغيب في رحابها صوت خالقي وتجنح مراكبي لا تحذر الصّخور والعواصف وأعطيك ادارة دفتها ونصّبتك ربانا عليها لا تخشى الرّياح والأنواء وصولة القراصنة اذا هجموا.
هل ينفعني تذكّر هذه البدايات بعد أن زلزلت اعماق البحر وانشقت صفحتها، وهذه أمواج من “التسونامي” تذروا ألواح مراكبي وتمزق أشرعتي وتطوّح ببقاياها في غياهب الغسق عندما سلّمتك مزارعي ومدني وأمّرتك على جيوشي ورعيتي وأضفت سلّمتك مفاتيح قلاعي وحصوني ثم أسوار موانئي ونهاية حدود وطني وخلعت عليك بردة طارق بن زياد وعباءة الفاتحين عقبة وابن الوليد.. وظننت انذاك انك صدوق كأبي بكر وأنّك عادل كعمر، خاب ظنّي بعد أن كفرت كأغلب الرّجال بنعمتي، بعد أن استعمرت دماؤك كلّ خلية في جسدي وزرعت بذور حنضلك في تربتي وبرزت للعيان رزيتي، ورفع الغطاء عن صبية الرّابعة عشر التي وقفت أمام العرض مخدوعة وقُرة عينها تحوّلت عارا وفضيحة، وجاء الرّجاء فيك موعظة أمرّ من المرارة وأقسى من القسوة، وقلتها وأنت تبتعد مشيحا عنّي:
-“تدبّري الأمر” أقتليه وتخلّصي…؟
ناشدتك أجر الطّبيب المجهض… بعد أن بحت بسري للعجائز والمجرّبات وزرت المشعوذات، ولكنّك أنكرتني وصرخت:
– “ابحثي ممن تقترضي”.
بعدها جلست بركن منزو أخاطب هذا الذي أحسّه ينمو داخلي ولا أدري إن كان يسمعني أو يحسّني كما أحسّه…:
لماذا أنت عار…؟ لماذا أنت جُرم وفضيحة…؟ أنت سويّ أنت ثمرة حبّ طبيعي دخلت وستخرج من مسلك الخروج ككلّ من دخل وخرج… لم الحرج، سأعلن حقّك في الحياة وأنّ أباك “هو” وما دخلُ الآخرين في شرعيتك وما حاجتك لوثائق كالصّداق أو مضمون الولادة.
الشمس دخلت مخبئي وأظهرت ظلّي، وكُشفت ستائر الكتمان والتّخفي… ففغر فاه أمّي ولم يغلق وفاضت العين منها بالدّمع وانعقد اللّسان ولم تصرخ وارتفعت اليدان منها تلطم الوجه وتخبط الركبتين والأظافر تندب الخدّين حتى تداعت والغشية تذهب بوعيها وهي تشخر.
طأطأ الأب رأسه يبحث عن هوة في جوف الأرض تبتلعه أو جرف يطبق عليه قبل أن يرى النّاس. يرفع رأسه بعد أن يغمس نصل الخنجر في صدري. ولكن الأمر بلغ مسامع وكيل الجمهورية وجاء أعوان الأمن محذّرين من أيّ مكروه قد يحلّ بساحتي.
كنت اشتهي نصل الخنجر يشقّ صدري أو يشقّ صدرك وليموت الجنين ولا يراك له أبا أو يرى حال أهلي وأهلك، ولكن لا ينال المرء كلّما يشتهي وحاولت أن أصرخ في وجه أمّي وأبي وأهلي وأهلك هونوا عليكم فالوزر وزري ووزرك والرّب قال “لا تزروا وازرة وزر أخرى” ونكصت على اثري وأنا أصوّت في صمت… أنا لم آت خارقا…. هذا حقّي… هذا حقّي أن أنال نصيبي من الحبّ، من الحياة… هذا قانون الخلق فأين الخرق..؟
الأزمة تشتدّ ولم يأذن فجرها بالبلوج والأمر بإيقافك عن القاضي صادرا والحجة انحصرت في التهمة ” الاعتداء الجنسي” على قاصرة دون السّابعة عشر اختلطت الحلول بالعقد وتفتح عديد السّبل ويكون القصر مدخلا لتخطّي الحفر وما اتسع من الخروق أمام الرّاتق. وينظم راتق لراتق فيمضي الطبيب قدرتي على الزّواج قبل سنه ويصدر القاضي أمره بالقران. ويبلع الأهل الغصّة وترتفع الزّغاريد كالنواح وأفراح العرس كالمأتم وأدخل أنا وأنت الى غرفة النّوم باردة كالزنزانة والسّرير موحش كالتّابوت ويُصلب الحبّ على العتبة وتندثر الرّغبة كما يندثر اليوم الذي مرّ.
أذكر هذه المتاهات التي تاهت فيها أيامي وأنا أغادر قاعة المحكمة، بعد أن استعدت صحّتي وقد تعرضت للتحقيق وللسؤال والاتهام بقتل جنيني الذي نزل من جوفي ميّتا. بعد أن أحسّ من خلال احساسي بشاعة الحياة، وهكذا أراه يرفضها بكلّ شجاعة. نزلت درجات قصر المحكمة والكلمات الفاصلة تطنّ في أذني.
“أقرّت المحكمة الطّلاق”
نزلت الى الشّارع لأجد نفسي في الخضم ولا قدرة لي على تبيان من هم حولي… ولكني سائرة الى….

 

*كاتب وقاص من تونس

Mohsenbenhnia,@Gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *