مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

    أحمد بنسعيد* مقدمة: في عالم أدب الأطفال، تحمل بعض الشعارات جاذبية خاصة، فشعا …

حين تُصبح “القصص العالمية” للأطفال قناعًا للرعب والعنف

منذ 10 أشهر

600

0

    أحمد بنسعيد*

مقدمة:
في عالم أدب الأطفال، تحمل بعض الشعارات جاذبية خاصة، فشعار مثل: “قصص عالمية” على أغلفتها أسماء أجنبية قد توحي لبعض الآباء والأولياء بل حتى بعض المربين، بأن هذه القصص مرت بغربال نقدي عالمي دقيق، وتقدم محتوى ثقافيًا راقيًا ومناسبًا للصغار. غير أن الواقع قد يحمل مفاجآت غير سارة، حيث تتخفى في الكثير منها مشاهد العنف والرعب والسلبية التي تُسرِّب للأطفال مرورثات من الأفكار والمشاعر والنفسيات والتصورات السلبية عن العالم والحياة الاجتماعية، وتورثهم الرعب والقلق والوهم والتوتر… منذ بداية حياتهم على هذا الكوكب.
متى تصبح قصة الأطفال خطرة؟
كثير من القصص المصنفة ضمن “الأدب العالمي” المترجم تعود إلى أصول قديمة، حينما كانت الحكايات الشعبية تُروى للكبار قبل أن يتم تبنيها لاحقًا للأطفال. وعلى ذلك كانت مشحونة -في كثير من الأحيان- بمشاهد مرعبة مثل السحر الأسود، العقوبات القاسية، والانتقام الوحشي ومشاهد الدماء والسلخ… ومن الأمثلة الشهيرة، حكايات “الأخوين غريم” الأصلية التي كانت تحتوي على أحداث قاسية، قبل أن يتم تهذيبها لاحقًا في النسخ الحديثة.
ومع ذلك، لا يزال بعض الناشرين يُعيدون إنتاج هذه القصص بنسخ غير ملائمة للأطفال، متجاهلين التطورات العلمية والتربوية والنفسية التي أكدت أن العنف في القصص يزرع الخوف، والقلق، وحتى العدوانية في نفوس الصغار…
كيف يضر العنف والرعب بعقل الطفل؟
الأطفال في مراحلهم الأولى يكونون أكثر تأثرًا بالمشاهد المخيفة، لأن إدراكهم للأشياء وللأحداث وخيالهم لم ينضج بعد لفصل الواقع عن الخيال. لهذا؛ عندما يقرأ الطفل قصة مليئة بالوحوش الدموية، العقوبات القاسية، أو الظلم الشديد، قد ينعكس ذلك على طريقة تفكيره وشعوره بالأمان في حياته كلها؛ لأنه كما يقال “الطفل أبو الرجل” من هنا تتشكل خطورة مرحلة الطفولة، وخطورة ما يصله من أفكار ومشاعر…
انظر مثلًا لهذه الحكاية في الصورة المرفقة؛ وهي بعنوان: (صاحب اللحية الزرقاء)

حكاية تتحدث عن رجل ذي لحية زرقاء، يقتل زوجاته، يمثل بجثثهن… بإضافة شحنة سلبية بشعة جدًا مرفقة بموضوع (اللحية)، وبالمناسبة كم نحن محتاجون لأقلام مقتدرة تغيّر هذه الصورة النمطية السلبية التي أُلحقت باللحية -عبر كتابات القرن الماضي- رغم أنها زينة الرجل ورمز الرجولة والأخلاق العالية…
من خلال هذا الكمّ الكبير من العنف والدماء سيطوّر الأطفال القراء والمشاهدون خوفًا غير مبرر من النوم، أو يصابون بالقلق المفرط، والكوابيس، والتبول اللا إرادي، أو حتى يبدأون في تقليد التصرفات العنيفة التي يرونها في القصص… ولا يكون سبب كل هذا سوى مجموعة حكايات يرونها عبر شاشات الهواتف، أو يقرأونها في صفحات الكتب…

مسؤولية الناشرين والمربين:
ليس كل ما يحمل شعار “قصص عالمية” أو “قصص تراثية” مناسبًا للأطفال. تقع المسؤولية الكبرى على عاتق الناشرين لأجل تأسيس لجنات قراءة علمية لما ينشرونه من حكايات، لأجل تقديم محتوى ملائم للفئات العمرية المستهدفة…
كما يتحمل الآباء والمربون مسؤوليتهم الكاملة في مراقبة وغربلة ما يقرأه أطفالهم، وشرح أي مشاهد قد تبدو غير مفهومة أو غير مناسبة. وفصل الصالح من الطالح، وعدم التردد في رمي الطالح إلى القمامة حيث مكانها المناسب. مع فضح كل عنوانِ كتابٍ سيء في وسائل التواصل الاجتماعي رأفةً بالأطفال الآخرين الذين لم تصلهم هذه الكتابات السيئة بعد.

نحو أدب طفل أكثر أمانًا وتوازنًا:
حتى نصل لهذه الدرجة من الأمان؛ يبقى من الحلول لهذه المعضلة العمل العاجل لأسرة أدب الطفل على الإسراع في إعادة تقديمها بأسلوب يتناسب مع عقل الطفل واحتياجاته النفسية. كما يمكن لدور النشر أن تعرض الكتابات التي تود نشرها من هذا النوع على كاتب “جرّاح القصص” لأجل إعادة صياغة هذه الحكايات، مع التركيز على القيم الإيجابية؛ مثل الشجاعة، الذكاء، والتعاون… بدلًا من التعنيف والتخويف والترعيب. كما يجب أن تُرفق هذه الكتب بمؤشرات عمرية واضحة على الأغلفة، تساعد الآباء في اختيار ما يناسب أطفالهم.

خاتمة:
أدب الطفل إضافة لكونه وسيلة للترفيه والتعليم، هو أداة تربوية قوية تشكل وعي الطفل ومفهومه عن ذاته وعن العالم. فليكن هذا الأدب جسرًا نحو السلام والهدوء والطمأنينة والمعرفة والجمال، ووسيلة مساعدة للطفل لأجل النجاح في مستقبل حياته، لا بوابة إلى الخوف والاضطراب النفسي. فلا ينخدعنّ أحدنا ببهرجة ورنين الأغلفة حتى يقرأ المحتوى.

 

*كاتب للأطفال_المغرب

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود