مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

أبو حماد الأنصاري * القيم الأخلاقية هي الأساس الذي يُبنى عليه تقدم أي مجتمع، وهي …

تجليات القيم الخلقية والتربوية في الأدب الإسلامي.. عند أبي الحسن علي الندوي

منذ سنة واحدة

348

0

أبو حماد الأنصاري *

القيم الأخلاقية هي الأساس الذي يُبنى عليه تقدم أي مجتمع، وهي التي تعكس مستوى ثقافته وفكره وحضارته. لذلك  من واجب المسؤولين والمعلمين أن يعملوا على تهيئة بيئة مناسبة لتربية الأبناء، وتوفير مواد دراسية مفيدة، تحتوي على نصوص مختارة تُعلّم الأطفال القيم الأخلاقية والتربوية العالية. وقد أولى العلامة أبو الحسن علي الندوي هذا الجانب أهمية كبرى في كتاباته، فكان يؤمن بأن غرس القيم في نفوس الأطفال منذ الصغر هو أساس بناء الإنسان الصالح والمجتمع السليم. فقد أكّد في كتبه ومقالاته أن التعليم لا يقتصر على المعلومات، بل يجب أن يربّي القلب والضمير، ويغرس في النفس معاني الإيمان، والصدق، والأمانة، والإحساس بالمسؤولية.

السيد أبو الحسن الندوي (1914م – 1999م) هو أحد أبرز المفكرين الإسلاميين في العصر الحديث، عُرف بعبقريته في الفكر، كما كان من كبار المصلحين الدينيين. تنتمي أسرته الشريفة إلى الحسن بن علي رضي الله عنهما، وقد نشأ في بيئة عامرة بالدين والعلم والأدب، فتربى منذ صغره على محبة الإسلام وخدمة الدين. وقد كرّس حياته الدعوة إلى الله، والتوجيه والإرشاد والتأليف.
كان رحمه الله غزير الإنتاج، وترك وراءه مكتبة ضخمة من المؤلفات التي تجاوزت المئة كتاب باللغتين العربية والأردية. من أشهر كتبه: “السيرة النبوية”، و”رجال الفكر والدعوة، و”ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين؟”. تتميز مؤلفاته بقيمتها الدينية والأخلاقية والتربوية، إضافة إلى عمقها العلمي في مجالات الفكر، والأدب، والتاريخ، والتوجيه. فقد تناول الشيخ في كتبه كل ما يهم الأمة الإسلامية من جوانب فكرية واجتماعية وأخلاقية، كما ركز على متطلبات الدعوة والتربية لتقديم رؤية شاملة تعزز النهضة الإسلامية.
وقد حرص الشيخ أبو الحسن الندوي على تقديم مواد دراسية مناسبة لمستوى الأطفال العقلي، فألّف لهم سلسلة قصصية رائعة بعنوان “قصص النبيين للأطفال”، تتألف من خمسة أجزاء.تميّز هذا الكتاب بأسلوبه الجميل، السهل، والبسيط، مع رصانة في التعبير وسلاسة في العرض، ما يجعله ممتعًا وشائقًا وقريبًا من قلوب الأطفال، حيث يلائم أعمارهم وميولهم.ومن خلال هذه القصص، ينقل الشيخ الندوي كثيرًا من المبادئ التربوية والتعليمية المهمة، ساعيًا إلى تربية الأطفال، وتنمية لغتهم، وإمتاعهم، وصقل مواهبهم، وتعزيز إحساسهم بالقيم الإيجابية. إنه يقدم لهم أصدق القصص، وأجمل الحوارات، وأروع الحوادث بأسلوب جذاب ونافع، ما يجعل هذه السلسلة من أجمل ما كُتب للأطفال الناشئين في أدبنا الإسلامي المعاصر.
الجزء الأول من كتاب “قصص النبيين للأطفال” يضم قصتي سيدنا إبراهيم وسيدنا يوسف عليهما الصلاة والسلام. خاطب الندوي من خلال هذا الجزء الأطفال الصغار، وقدم لهم قصة إبراهيم عليه السلام بأسلوبه الخاص، حيث صوّر لهم الواقع الوثني المنتشر في مجتمعه آنذاك بشكل واضح وبسيط.
جسّد الندوي كيف كان يعيش إبراهيم في بيت بائع الأصنام وصانعها، وسط أسرة غارقة في عبادة الأصنام والأوثان، وفي مجتمع لا يعرف إلا عبادة الأصنام فقط، دون أي مفهوم حقيقي للإله الواحد القهار.في هذا الجو المشبع بالشرك والفساد، بعث الله إبراهيم عليه السلام ليُعلّم الإنسان الصغير عقيدة التوحيد، ويزرع في نفوسهم حب الإيمان بالله الواحد الخالق العظيم ويقول الندوي في سرد القصة:
قبل أيام كثيرة، كثيرة جدًا، كان في قرية رجل مشهور جدًا، وكان اسم هذا الرجل آزر، وكان آزر يبيع الأصنام، وكان في هذه القرية بيت، بيت كبير جدًا، وكان في هذا البيت أصنام، أصنام كثيرة جدًا، وكان الناس يسجدون لهذه الأصنام، وكان آزر يسجد لهذه الصنام ويعبدها، وكان آزر له ولد رشيد، رشيد جدًا، وكان اسم هذا الولد إبراهيم، كان إبراهيم يرى الناس يسجدون للأصنام، ويرى الناس يعبدون الأصنام، وكان إبراهيم يعرف أن الأصنام حجارة، وكان يعرف أن الأصنام لا تتكلم ولا تسمع، وكان يعرف أن الأصنام لا تضر ولا تنفع، وكان يرى أن الذباب يجلس على الأصنام فلا تدفع، وكان يرى الفأرة تأكل طعام الأصنام فلا تمنع، وكان إبراهيم يقول في نفسه: لماذا يسجد الناس للأصنام؟ وكان إبراهيم يسأل نفسه: لماذا يسأل الناس الأصنام؟”.

وقدم ذلك بأسلوب شيق يستسيغه عقل الأطفال وتترسخ في قلوبهم جذور عقيدة التوحيد والنفور من عبادة الأصنام، إن قضية التوحيد والنفور من عبادة الأصنام ليست كسائر المواضيع، بل إنها تحتاج إلى لباقة أدبية وبراعة فنية لتقريبها إلى أذهان الأطفال والضغط على أنه هو القاعدة الصلبة التي يرتفع عليها صرح الحياة ويقوم عليها بناء الإسلام.
بعد قصة إبراهيم، يروي أبو الحسن الندوي قصة يوسف عليه الصلاة والسلام، الذي نزلت عليه النبوة بعد أن مر بتجارب صعبة وعقبات كثيرة. في حياته شهد الكثير من الأحداث الخارقة والمعجزات التي تدل على مكانته الخاصة وتميّزه. يبدأ أبو الحسن سرد هذه القصة بطريقة جميلة ورائعة، حيث يصور لنا حياة يوسف بكل تفاصيلها المميزة، فيقول:
كان يوسف ولدا صغيرًا، وكان له أحد عشر أخًا، وكان يوسف غلامًا جميلًا، وكان يوسف غلامًاًَ ذكيًا، وكان أبوه يعقوب يحبه أكثر من جميع إخوته، ذات ليلة رأى يوسف رؤيا عجيبة، رأى أحد عشر كوكبًا ورأى الشمس والقمر، كل يسجد له، تعجب يوسف الصغير كثيرًا، وما فهم هذه الرؤيا، كيف تسجد الكواكب والشمس والقمر لرجل؟! ذهب يوسف الصغير إلى أبيه يعقوب وحكى له هذه الرؤيا العجيبة (إذْ قَالَ يُوسُفُ لأبيه يأبت إلى رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كوكباً وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ)، وكان أبوه يعقوب نبيًا، فرح يعقوب بالسؤال عن هذه الرؤيا كثيرًا، وقال: بارك الله لك يا يوسف، فسيكون لك شأن، هذه الرؤيا بشارة علم ونبوة، وقد أنعم الله على جدك إسحاق، وقد أنعم الله على جدك إبراهيم، وإنه ينعم عليك وينعم على آل يعقوب، وكان يعقوب شيخا كبيرًا، وكان يعرف طبائع الناس، وكان يعرف كيف يغلب الشيطان، كيف يلعب الشيطان بالإنسان، فقال: يا ولدي، لا تخبر بهذه الرؤيا أحدًا من إخوتك فإنهم يحسدونك فيكونون لك عدوًا“.
هذه القصة تحفّز الأطفال على التعلم، فهي تبرز كيف أن التقوى تنصر الإنسان والمظلوم لا يُضيع أجره الله. يروي أبو الحسن الندوي قصة يوسف عليه السلام بأسلوب قصصي جميل، مبيّنًا حسد إخوته له، إلقاءه في البئر، وصوله إلى حكم مصر، واكتشاف الإخوة له. القصة تعلم أن الحسد يؤدي إلى الذل، وتزرع قيم الصبر والإيمان بطريقة جذابة وسهلة للأطفال.
الجزء الثاني من السلسلة يضم قصص نوح وهود وصالح عليهم السلام، وبعد قراءة الجزء الأول، يرتفع مستوى فهم الأطفال قليلًا، فيتمكنون من استيعاب القصة بأسلوب أرقى وأكثر تفصيلًا. يقدم هذا الجزء معلومات جديدة وتاريخًا مختلفًا، ويوضح دور الشيطان في دفع الناس إلى الوثنية والأعمال التي تغضب الله.
الجزء الثالث يحكي قصة موسى عليه السلام وفرعون مصر بأسلوب جذاب، يوضح فيه حكمة الله في ولادة موسى في زمن الفتن وعصر فرعون الذي ادعى الألوهية. يروي كيف أمر الله أم موسى أن تلقيه في النهر وهو واثق من حفظه، وكيف ربى الله موسى بين يدي عدوه فرعون. يشرح قصص نضال موسى وهارون مع فرعون وكيف أن الله نصر موسى وأهلك فرعون بالماء، مؤكدًا قدرة الله على هزيمة الظالمين والمتكبرين.
في الجزء الرابع يروي الشيخ السيد أبو الحسن علي الندوي قصص الأنبياء شعيب، داود، أيوب، يونس، زكريا، وعيسى عليهم السلام بأسلوب جميل، أعلى قليلًا من الأجزاء السابقة، لكنه لا يصعب على الأطفال فهمه. يساعد هذا الجزء الأطفال على الاستفادة من اللغة والأدب، ويمهد لهم لفهم دراسة حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة بشكل جيد.
يركز الجزء الخامس على سيرة سيد الأنبياء وإمام المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم، ويختتم به الشيخ الندوي هذه السلسلة الذهبية. بعد دراسة الأطفال لقصص الأنبياء والمرسلين في الأجزاء السابقة، تكونت لديهم قدرة عقلية وثقافية متينة، وزادت حصيلتهم من المفردات العربية التي توسع آفاقهم الفكرية واللغوية، ما ساعدهم في التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم بلغة عربية فصيحة وأسلوب أدبي رفيع. ويعتبر هذا الجزء من حيث المستوى اللغوي والأدبي أرفع وأرقى من الأجزاء السابقة.
هذا الجزء يزوّد الأطفال بزاد فكري ولغوي وتاريخي قيم، يعزز لديهم الإيمان والحب، ويحفّزهم على بناء مستقبل مشرق لأنفسهم وأمتهم. تأثير دراسة سيرة النبي صلى الله عليه وسلم يساعدهم في تشكيل حياتهم، وقد تحدث المؤلف عن خصائص هذا الجزء المميزة.

* كاتب وباحث أكاديمي _ الهند

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود