مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

نجود حسن *   عندما أصبحت المؤلفات تُقدّم مع الحلوى والمشروبات.. عن زمنٍ يُك …

حينما أصبح التأليف حدثًا.. لا فكرة

منذ 9 أشهر

1077

0

نجود حسن *

 

عندما أصبحت المؤلفات تُقدّم مع الحلوى والمشروبات.. عن زمنٍ يُكتب فيه كل شيء إلا الكتابة الحقيقية.

في زمنٍ ليس ببعيد كان تأليف كتاب يُشبه تسلق جبل يتطلب شغفًا صبرًا ومعرفة تُكتسب عبر سنوات من القراءة والتأمل في تجارب الآخرين.
لم يكن الكاتب يجرؤ على وضع اسمه على الغلاف ما لم يكن قد ذاب طويلًا في حبر الكتب وتقلّب في حضرة المعنى.

أما اليوم فقد أصبح الأمر أقرب إلى احتفال اجتماعي منه إلى مشروع فكري يكفي أن ترغب أن تُجرب أن تطبع بعض النسخ وتجهز طاولة أنيقة وتُزيّنها ببعض الحلويات والمشروبات ليُقال بعدها : “صدر لك كتاب”. 
لا يهم كثيرًا إن كان المحتوى مكررًا سطحيًا أو حتى مسروقًا…
فالأهم في هذا العصر هو الصورة لا النص، الاسم لا القيمة، الحفل لا الحرف.

ما يدعو للتأمل أكثر أن كثيرًا من هؤلاء المؤلفين لم يقرأوا كثيرًا من الكتب ولم يتأملوا في جمالية اللغة ولا عُمق الفكرة، لكنهم يشعرون أن بداخلهم “روح مؤلف”.

تُراودهم هذه الرغبة الغامضة في الكتابة، لا لأنها ضرورة معرفية أو مشروع تعبيري، بل لأنها أصبحت موضة أو بطاقة تعريف اجتماعية.

والحقيقة أن الرغبة وحدها لا تكفي؛ فليس كل من حمل قلمًا صار كاتبًا، كما أن امتلاك أدوات الرسم لا يعني أنك فنان.

الكتابة مسؤولية ووجود “روح المؤلف” لا يُغني عن نضج التجربة ولا عن تكوين فكري وثقافي عميق الروح وحدها لا تُنجز كتابًا. 
بل تحتاج لرحلةٍ من التهذيب ومن الإصغاء والتواضع أمام النصوص العظيمة التي سبقت.

إن ما يؤسف في هذا الزمن ليس كثرة الكتب، بل قلة ما يُكتب منها بصدق.

أصبح التأليف سهلًا، نعم وهذا ليس خطأ بحد ذاته، لكن الخطورة حين يغيب عنه الوعي ويُستبدل الإخلاص للمعنى بالإعجاب بالنفس.

ما أحوجنا اليوم إلى إعادة الهيبة للكتابة، إلى أن نقرأ كثيرًا قبل أن نكتب سطرًا، أن نحترم الحرف قبل أن نوقع عليه.

أن نسأل أنفسنا “هل أكتب لأضيف أم فقط حتى يصبح لدي عدد من الإصدارات؟”. 

ففي زمنٍ يكتب فيه الجميع من يقرأ حقًا؟

ومن يصدق أنه لا يزال للكتابة حرمتها وللأفكار قيمتها وللكاتب الحقيقي غربته.

وهناك على الجانب الآخر من المشهد مؤلفون يُصدرون في العام الواحد أكثر من كتاب.

لا بأس في ذلك، فالإنتاج الغزير ليس عيبًا بحد ذاته.
لكن السؤال الذي يُطرح بإلحاح: هل من وقتٍ كافٍ للتأمل للتنقيح للمراجعة وإعادة النظر؟

هل نضجت الفكرة بما يكفي لتغدو كتابًا؟

هل استحق النص أن يُطبع؟ 
أم فقط تمكّن صاحبه من طباعته؟

ثم يأتي الحفل الكبير وتتزين القاعة وتُرتب نسخ الكتب على الطاولات كما تُرتب قطع الكعك، ويبدأ التصفيق قبل أن يُفتح أي غلاف.

والقارئ لا تقلق عليه فقد تحوّل بدوره إلى متفرّج يُصفق أكثر مما يقرأ.

أما ما بداخل الكتاب فذلك تفصيل ثانوي لا يُفسد لفرحة التوقيع قضية.

تُلتقط الصور وتُنشر على منصات التواصل وتُوزع نسخ تحمل توقيع المؤلف قبل أن يُلامسها القارئ، بل قبل أن يسأل أحدهم: “عن ماذا هذا الكتاب؟!”. 

المشكلة ليست في النشر ولا في الفرح بالإنجاز، فلكل حقه في أن يحتفي بتجربته.

لكن المشكلة حين يصبح مقياس النجاح عدد الإصدارات لا أثرها، وعدد الحضور لا عدد القراء، غلاف جديد لا فكرة جديدة.

بل أصبح التأليف أقرب لمشروع علاقات عامة منه إلى مشروع فكري.

وهنا يبرز السؤال الأهم:
هل فكّر المؤلف بعد أن طبع كتابه: هل تمت قراءته كما يستحق؟

هل وصل صوته إلى قارئٍ وجد فيه شيئًا من نفسه؟

أم أن كل ما يهم هو أن يُقال عنه “أصدر عددًا كبيرًا من الكتب” وأن تُجمع صوره في حفلات توقيع أكثر من أن تُقرأ كتبه في جلسات تأمل؟

الكتابة مهما تغيّرت أدواتها لا تزال فعلًا نابعًا من عمق لا من رغبة في الظهور.

وما يُخلّد الكتاب ليس عدد نسخه ولا حجم الحفل، بل عدد القلوب التي تلامسها كلماته وعدد الأرواح التي تتوقف قليلًا بعد القراءة.. 
لتقول: “وجدت نفسي هنا”.. 
الزمن لا يحتفي بالكثرة بل بالبقاء.

وفي الختام: التأليف ليس مجرد طباعة ولا مناسبة للتهنئة، بل رحلة نحو المعنى ومسؤولية تجاه القارئ وشهادة على صدق التجربة. فليكن الكتاب ثمرة نضج لا رغبة، وليكن التأليف بحثًا عن الحقيقة لا إثباتًا للوجود.. ففي زمن تعلو فيه الأصوات ما أحوجنا لكتب تُنصِت، ويُنصت لها.

*كاتبة سعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود