41
0
57
0
58
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12759
0
12350
1
12096
0
11480
5
9155
0

عبدالعزيز قاسم *
سيظلُّ يومُ أمسِ الجمعةِ محفورًا في قلبي، لا كأيِّ يومٍ مرَّ. فقد احتضنتُ للمرّةِ الأولى حفيدي البكر، عبدالعزيز، الذي اختار له أبواه أن يحملَ اسمي، فكأنما وهبني الله امتدادًا جديدًا لذاتي، وأعادني — بدهشةٍ غامرةٍ — إلى بداياتِ الأبوةِ، لكنْ هذه المرّة من نافذةِ الجدِّ الحنونِ.
يا سادةُ: حفيدٌ واحدٌ قد يُعيدَ ترتيبَ فصولِ العمرِ، ويزرعَ في القلبِ ربيعًا جديدًا.
كانت زوجةُ ابني مريمُ، تلك الأميرةُ التي غمرتني بأبوّةٍ ثانيةٍ، هي من قدّمت هذا العطاءَ السماويَّ، فاحتضنتُها طويلًا، وقد اغرورقت العينانِ، وامتلأ قلبي شكرًا وامتنانًا.
نحن امتدادٌ لا يتلاشى، وُلدنا من جديدٍ على عتبةِ الحفيدِ.
قبلها، كنّا خرجنا من الفندقِ الأنيقِ الذي استأجره ابني م. أسيد، وكنّا — أنا والزوجةُ، وغادةُ، وجمانةُ — كمن يسيرُ على سحابةٍ من الشوقِ. أقلّنا ابني الآخر، م. فراس، بسيارتِه الجميلةِ، وهو الذي يعملُ منذ عامٍ كاملٍ هناك في الشرقِ، فاجتمعنا كعائلةٍ اكتملت فرحتُها بلقاءٍ انتظرناه كثيرًا.
أمّا باقةُ الوردِ التي ترونَها، فقد اختارتها ابنتي غادةُ، ونسّقتها بلمستِها ذاتِ الذوقِ الرفيعِ، فكانت عابقةً بالجمالِ والحنينِ. وبينما كنتُ نائمًا، كتبت زوجتي الغاليةُ إهداءً باسمِنا. لكنّني حين قرأتُه، لم يستقرَّ في صدري، وأحسستُ أن الحروفَ لم تسعفْني بعدُ… فالفرحةُ أكبرُ من أيِّ تعبيرٍ.
أصررتُ أن أكتبَ بنفسي. فالكلماتُ — وحدَها — لا تذبلُ. أمّا الوردُ، فمصيرُه الذبولُ، والهديةُ قد تُنسى وتُصرَف… لكن ما خُطَّ بالقلبِ يبقى، ويستعصي على النسيانِ.
كتبتُ لها:
“إلى أغلى مريمَ في الدنيا،
إلى أبهى أميرةٍ وأجملَ ملاكٍ،
إلى من غمرتْني بأبوّةٍ ثانيةٍ،
وأهدتْني حفيديَ الأولَ،
مباركٌ لنا.
عمُّكِ
عبدالعزيز قاسم
١٦ / ١ / ١٤٤٧ للهجرة”.
هكذا، في لحظةٍ واحدةٍ، عرفتُ أن الحبَّ لا يُقاسُ بالعمرِ، وأنّ القلبَ، مهما أثقلتْه السنينُ، لا يزالُ قادرًا أن يُزهِرَ… إذا أهدتْه الحياةُ حفيدًا!
غمرتني مريمُ بالأبوّةِ ثانيةً… يا لجمالِ ابنةٍ تُهديكَ عمرًا في جسدٍ صغيرٍ!
————–
2=
في بيتٍ من بيوتِ المودّةِ الأحسائيةِ، استقبلنا والدُ مريمَ، الصهرُ النبيلُ نبيلُ القرينِ، بحفاوةٍ لا تُشترى، وشوقٍ يُحسُّ ولا يُقالُ، بعد أن باعدتْ بيننا المسافاتُ والارتباطاتُ؛ فهو من أقصى الشرقِ على ضفافِ الخليجِ، وأنا من أقصى الغربِ على حافةِ البحرِ الأحمرِ، لكنّ القلوبَ حين تشتاقُ، تلتقي رغم الخرائطِ.
المسافاتُ لا تُفرّق الأرواحَ المُشتاقةَ… فالقلوبُ تملكُ خرائطَها الخاصةَ.
رجلٌ يليقُ باسمه، “نبيلٌ” فعلًا وقولًا. من عائلةٍ كريمةٍ ضاربةٍ في عراقةِ الأحساءِ، ومكانتُه في قلوبِنا لا يُطاولُها وصفٌ. وكم غمرني اللقاءُ به فرحًا صادقًا، كأنّ الزمنَ انثنى ليُرتّب مشهدًا من المودّةِ القديمةِ!
ولم يكنْ وحدَه، بل حضر خالُ مريمَ، الرجلُ الرياضيُّ الاجتماعيُّ الرائعُ أبو محمدٍ جميلٌ بوبشيتُ، الذي يزهرُ المجلسُ بحضورِه. وهو من أسرةٍ بحرينيةٍ-أحسائيةٍ، لها مجدُها وطيبتُها، وقد زرتُ ديوانيتَه لاحقًا، تلك التي سأحدّثُكم عنها تاليًا، ديوانيةٌ لا تُشبهُ إلّا نفسَها.
جاء أيضًا فيصلُ وفهدُ وخالدُ، إخوةُ مريمَ، شبابٌ يفيضونَ حيويةً ودماثةً، تتفتحُ في حضورِهم طاقةُ البيتِ، ويخضرُّ الكلامُ.
أمّا اللمسةُ الأنثويةُ الساحرةُ، فكانت من ابنتِنا مريمَ نفسِها، التي فاجأتْنا بشوكولاتةٍ فاخرةٍ، منقوشةٍ باسمِ حفيدي عبدالعزيزَ، في لفتةٍ راقيةٍ تعبّرُ عن أناقتِها وذوقِها المُترفِ. ولأنّني من جيلٍ يُقدّسُ الرموزَ، لم أستطعْ أن ألتهمَ الاسمَ، واكتفيتُ بحبّةٍ واحدةٍ، تاركًا للعينِ نصيبَها من التأمّلِ، وللقلبِ فسحةً للامتنانِ.
الشوكولاتةُ التي نُقشَ عليها اسمُ حفيدي، لم تكنْ حلوى… بل أيقونةُ حُبٍّ.
وهكذا اجتمعنا في مجلسٍ لا يُقاسُ بالمسافةِ، بل بالمحبّةِ.
جلسةٌ إحسائيةٌ خالصةٌ، دافئةٌ، فيها طعمُ العائلةِ، وعبيرُ الشوقِ القديمِ، و”ريحةُ الأحبابِ”.
وكنتُ سعيدًا — واللهِ — سعادةً لا تُوصَفُ، كأنّ المجلسَ مصبوبٌ من ذهبٍ، وكأنّ الأرواحَ — لا الأجسادَ — هي من كانت تتعانقُ.
بعضُ المجالسِ تُقالُ فيها الحكاياتُ، وبعضُها… تُصبحُ هي الحكايةَ.
————–
3=
صورةٌ لا تُلتقطُ بالكاميرا، بل تُلتقطُ بالقلوبِ…
كعادتي، لا أفرّطُ بمثلِ هذه اللحظاتِ التي تصنعُ من الذاكرةِ متحفًا من نورٍ. طلبتُ أن تُؤخذَ لنا صورةٌ جماعيةٌ، لا لتؤرّخَ زيارةً عابرةً، بل لتوثّقَ شعورًا نادرًا: لحظةً شعرنا فيها — جميعًا — أنّنا عائلةٌ واحدةٌ.
اللحظاتُ العابرةُ قد تُنسى، إلّا إنْ سكبتْها الصورةُ في زجاجِ الذاكرةِ.
انضمَّ إلينا في الصورةِ محمدٌ، شقيقُ مريمَ، وم. فراس، ابني النبيلُ، وجلسنا جميعًا بسُحنٍ باسمةٍ كأنها سُقيتْ من نهرِ الفرحِ. ما من تصنّعٍ في الابتسامِ، ولا مجاملةٍ في الوقفةِ، بل روحٌ واحدةٌ تناثرتْ على وجوهٍ متقاربةٍ، وكأنّ القلوبَ سبق أن تعانقتْ قبل هذه الصورةِ بسنينَ طويلةٍ.
فواللهِ، لا تُشرقُ السعادةُ على الوجوهِ إلّا إنْ تجانستِ الأرواحُ، واصطفى الودُّ، وصدقتِ النوايا. وهذا ما كان.
وكم هو محظوظٌ ابني أسيدُ، أنْ كتبَ اللهُ له أنْ يُصاهرَ عائلةً أصيلةً كريمةً كعائلةِ القرينِ.
وكم نحن — واللهِ — محظوظون بملاكٍ تُدعى مريمَ، دخلتْ بيتَنا لا كضيفةٍ، بل كبركةٍ.
من أرقى الأرزاقِ أنْ يرزقكَ اللهُ بزوجةٍ صالحةٍ، وكنزٍ اسمُه ابنةٌ لك من غير رحمِك.
إنهم لا يعلمون… أنّ الصورَ لا توثّقُ فقط من كانوا في المشهدِ، بل من سكنوا القلبَ.
وفي العائلةِ التي تُشبهُ قلبكَ، لا تبتسمُ شفتاكَ… بل تبتسمُ روحُك.
الأصهارُ الذين يُصبحونَ أهلَك… هم من ذروةِ المنح والعطاء الذي يُكرمكَ به اللهُ…
————–
4
“عناقٌ يُشبهُ الصلاةَ…”
حينَ ولجتُ صالةَ اللقاءِ، لم أسلكِ الطريقَ نحو المهدِ أوّلًا، بل مضيتُ حيثُ القلبُ يأخذُني.
اتجهتُ إلى مريمَ، زوجةِ ابني، وابنتي الرابعةِ، واحتضنتُها كما تُحتضنُ الحياةُ، قبّلتُ رأسَها قبلةً فيها امتنانٌ عميقٌ، وكأنّي أهمسُ في قلبِها: “شكرًا لأنكِ أهديتِني أبوةً ثانيةً، وأنجبتِ لي هذا الامتدادَ المباركَ”.
طال عناقي لها، لا لأنّ اللحظةَ تقتضي، بل لأنَّ الامتنانَ ثقيلٌ، والحبَّ غامرٌ، والمكانَ لا يسعُ القلبَ.
بعضُ اللحظاتِ أثقلُ من التعبيرِ… لأنّها محشوةٌ بامتنانٍ لا تكفيه اللغةُ.
وكأنّ هذه الدهشةَ لم تكنْ كافيةً، حتى التفتُّ إلى ركنِ الغرفةِ، فإذا باسمِ حفيدي عبدالعزيزَ، مكتوبٌ على الجدارِ، على الباقاتِ، على الهدايا، على العبواتِ… كأنّ الفرحَ نفسَه قد تماهى مع اسمِه.
تأملتُ تفاصيلَ المكانِ. أناقةٌ فائقةٌ، رُقيٌّ يُدرَّسُ، وذوقٌ مَلكيٌّ، وكلُّ شيءٍ يهمسُ:
“لقد جاء أميرٌ صغيرٌ إلى هذا العالمِ، واحتُفيَ به كما يُحتفى بالنورِ”.
ووقفتُ هامسًا:
“رحمَ اللهُ جيلي الذي لا يعرفُ من الهدايا إلا كراتينَ البرتقالِ والفاكهةِ، وعلبَ مانجا (النكتارِ) و(قها)، جيلٌ لم يعرفْ من الهدايا إلا ما يُؤكَلُ… أمّا هذا الجيلُ، فيُهديكَ بهجةً تُعلّقُ على الجدرانِ”.
ما بين جيلِنا وجيلِهم… مسافةُ دهشةٍ لا تنتهي، ومساحةُ ذهولٍ مبلّلةٌ بالحنينِ.
كلُّ يومٍ تُفاجئُنا الأيامُ بكرورِها بما لم نحلُمْ به،
وكلُّ لحظةٍ تُعلّمُنا أنّ الحركةَ لا تقفُ، وأنّ اللهَ وحدَه هو الثابتُ في زمنِ التبدّلاتِ.
أمّا مريمُ… فواللهِ ما تغيّرتْ.
وعهدي بالأمهاتِ في ولادتِهنّ الأولى أنْ تُرهقَهُنّ التجربةُ، وتخطفَ منهنّ ألقَهُنّ،
لكنّها — كما قلتُ — ملاكٌ نزلَ من رقّةٍ وأناقةٍ وجَمالٍ.
ولأجلِ هذا كلِّه، لم أستطعْ أنْ آتيَ إلى مهدِ حفيدي مباشرةً…
خشيتُ أن يُباغتَني الدمعُ.
مريمُ ليستْ زوجةَ ابنٍ، وليستْ أمًّا فقط… بل لغةٌ من الجمالِ تنطقُ بالسكينةِ.
————–
5-5 =
عند عتبةِ الاسمِ… وقفتُ ممتنًّا.
وقفتُ — جذلًا، فخورًا، مدهوشًا — أمامَ اسمِه الذي يسطعُ أمامي، كما تشرقُ شمسٌ جديدةٌ في حياتي: (عبدالعزيز بن أسيد) ربما ترونَه مجردَ طفلٍ جديدٍ في شجرةِ العائلةِ…
لكنّني — واللهِ — رأيتُه فرعًا من عمري، نبتَ باسمي، واهتدى بملامحي، وأهداني ما لم أكنْ أظنُّ أنني سأفرحَ به يومًا: (لقب “الجدّ).
كنّا نتفادى هذا اللقبَ، ونتحرّجُ منه، لأنه يُخبرُ العالمَ — والمرآةَ — بأنّنا دخلنا دهليزَ “الكِبَرِ والشيخوخةِ”…
بصراحةٍ أكثرَ: كنتُ أهربُ من لقبِ “الجدِّ”، حتى جاء حفيدي وجعلَه وسامًا على صدري.
اليومَ، أقفُ على بابِ مرحلةٍ جديدةٍ، لا خجلَ فيها، بل فخرٌ ورضا، كأنّني أُعطيتُ وسامًا من الزمنِ.
أحملُ هذا الاسمَ على صدري، كما لو كان وشاحًا ملوكيًّا…
وأنظرُ إلى التفاصيلِ من حولِه — الهدايا، الحلوى، الزينة، اللافتات — وكلّها تحملُ اسمَ “عبدالعزيز بن أسيد”، كأنّ الدنيا بأكملِها تنطقُ بالحفيدِ!
يا ابنتي الجميلةُ مريمُ: الاسمُ الذي علّقتِه على الحلوى والأكوابِ… علّقتِه بقلبي أوّلًا.
ربما يمضي الزمن وتُطوى الصور… لكن الاسمَ الذي نُقش على الحلوى، سيبقى منقوشًا في أعماق قلبي ما حييت.
تسألوني: ما الذي تغيّرَ؟
وأجيبُكم: لم يكنْ مجرّدَ طفلٍ…
بل هو أوّلُ مَن منحني هذا الشعورَ الكاسحَ، وهذا الدفءَ الذي لا يُشبهُه شيءٌ.
هو حفيدي… وأوّلُ حفيد يحملُ اسمي.
خذوها منّي: الحفيدُ الأوّلُ… لا يطرقُ بابَك، بل يدخلُ من نوافذِ الذاكرةِ، والحلمِ، والفخرِ دفعةً واحدةً.
ببساطةٍ أكثر: لم يتغيّرْ شيءٌ في العالمِ… فقط، وُلد طفلٌ باسمي، فجعل كلَّ شيءٍ أدفأ.
ولأنني الآن أكتبُ لكم من مطارِ الدمامِ، مهتبلًا انتظارَ الرحلة…
فإنني أعدُكم… أن أرويَ لكم غدًا ما شعرتُ به لحظةَ أن حملتُه بين ذراعيّ، فقد كان ذلك العناقُ الأوّلُ… لحظةً توقّف عندَها الزمنُ.
وقبل أن أودّعَكم، أهمسُ لكم: في حضرةِ عبدالعزيزَ، فهمتُ أنَّ الحبَّ لا يشيخُ… بل يتحوّلُ، ويرتقي، ويُزهِرُ في زمنٍ جديدٍ، اسمُه “الأحفادُ”.
*إعلامي وكاتب صحفي
التعليقات