10
0
8
0
9
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13543
0
13387
0
12223
0
12141
0
9579
0
إعداد _ هدى الشهري
لقيط بن يعمر بن خارجة الإيادي، شاعر جاهلي فحل، من أهل الحيرة، كان يحسن الفارسية، واتصل بكسرى المعروف بـ “ذي الأكتاف”، والذي اتخذه مترجمًا وكاتبًا للمراسلات في الديوان فكان من المقربين لديه، ما أتاح له أن يطلع على كثير من شؤون الملك وأسرار الدولة، لذلك حين أحس بعزم كسرى على غزو قومه ورأى الخطر، كتب قصيدته الشهيرة وبعث بها إلى قومه “بني إياد” ينذرهم بأن كسرى وجّه جيشًا لغزوهم، ولسوء حظه سقطت القصيدة في يد أوصلتها إلى كسرى، فسخط عليه، وعاقبه عقابًا شديدًا.
ولعله سمي بهذا الاسم المهين (لقيط) على عادة العرب في تسمية أبنائهم بأهون الأسماء وأقلها، حتى إذا قتله الأعداء لا يشعر أهله بشديد أسف، ولا تشعر الأعداء بكبير تشف.
وقبيلة إياد التي ينتمي إليها الشاعر من أكثر نزار عددًا، وأشدهم بأسًا وقوة، لذلك حظيت بمنزلة عالية، وتقدير بالغ، فلم يدينوا لملك من الملوك، كما أغاروا على الفرس وبلغت غارتهم ذروتها حين سبوا عروسًا فارسية من أشراف العجم كانت قد زفت إلى بعلها، فأثار ذلك غضب الفرس، وحفز ملكهم إلى إرسال جيش كبير من الفرسان لمهاجمة إياد، فهجمت إياد على جيش الملك وقضت عليه، وجمعت إياد جماجمهم وأجسادهم التي تكدست في أرض المعركة، فكانت كالتل العظيم، وكان إلى جانبهم دير فسمي دير الجماجم، وقد أعاد كسرى الكرة عليهم وأغار بجيش كبير تبلغ عدته على ما يذكره ابن قتيبة ستين ألف مقاتل.
وشاعرنا هو صاحب القصيدة التي مطلعها،” يا دار عمرة من محتلها الجرعا هاجت لي الهمّ والأحزان والوجعا” وهي من غرر الشعر، وقد كان للقيط دوره الفعال في تلك اليقظة القومية؛ إذ يعتبر بحق أول شاعر قومي في الجاهلية، فقد استطاع بقصيدته العينية المشهورة أن يوحد قومه ويحشدهم لمواجهة الجموع الزاحفة من الفرس عن طريق المقارنة بين حال الفرس وما أعدوه لقومه، وحال إياد وما هم عليه من الغفلة والإهمال.
ومما يُقال أن كسرى سأله عما فعله وأسباب ذلك، فوقف مرفوعَ الرَّأس غير هيَّابٍ ولا وَجِل، ولم ينكر ما فعل، فأمر كسرى بقطع لسانِه، ثمَّ أمر به فقتل، ولم يبَقَ له إلا الذِّكْرُ الحسن.
وتذكر الأخبار أنه كتب قصيدته هذه في صحيفة واتخذ لها عنوانًا ضمنه الغرض من كتابتها، وهو أن جموع كسرى متوجهة إليهم، بعد أن حشدوا حشودهم، وأعدوا عدتهم، ليحذرهم من الغفلة والانشغال برعي الأغنام، في حين أن الخطر جسيم والخطب جلل، لذلك يقول في الأبيات التي جعلها عنوانًا لقصيدته:
سلام في الصحيفة من لقيط
إلـى مـن بالجزيـرة من إيـاد
بأن الليـث كسرى قـد أتاكـم
فـلا يشغـلـكـم سـوق الـنقـاد
أتـاكـم مـنـهـم سـتـون ألـفًـا
يـزجون الكتـائب كالجـراد
على حـنـق أتيـنـاكـم فهـذا
أوان هلاكهم كهـلاك عـاد
وفي ذلك يقول:
أَبْلِـغْ إِيـاداً، وخَلِّـلْ في سَـراتِهِــمُ
إِنِّي أَرَى الرَّأْيَ، إِنْ لَمْ أُعْصَ قد نَصَعا
يا لَهْفَ نَفْسِيَ إِنْ كانَتْ أُمُـورُكُـمُ
شَـتَّـى، وأُحْـكِـمَ أَمْـرُ الـنَّـاسِ فاجْتَـمَعـا
أَلاَ تَـخـافُــونَ قَـوْمـاً لا أَبَـا لَـكُــمُ
أَمْـسَـوا إِلـيكـمْ كـأَمْـثـالِ الـدَّبـا سِـرَعـا
في كُلِّ يومٍ يَسُنُّونَ الحِـرابَ لـكـم
لا يَـهْــجَــعُــون إِذا مـا غـافِـلٌ هَـجَـعــا
لا حَرْثَ يَشْغَلُهُمْ بل لا يَرَوْنَ لهمْ
مِـن دُونِ قَـتْـلِكُـمُ رَيّـاً ولا شِبَـعـا
حيث أفرغ الشاعر ما في نفسه وأفضى بكل ما لديه من نذر ونصائح صاغها من ذوب نفسه وفيض شعوره، وإحساسه بخطورة الموقف، فجاءت تقطر حبًا وإخلاصًا أحس بأنه قد أراح نفسه وأرضى ضميره، وأدى واجبه، وعليهم وحدهم تقع تبعات الأمور:
لقَدْ بذلتُ لكـمْ نُصحي بِلا دَخَـلٍ
فاسْتَيْقِظُوا إِنَّ خَيْرَ العِلْمِ ما نَفَعا
هــذا كـتـابـي والــنَـذيــرُ لـكــم
لمن رأى رأيَه منكم ومن سَمِعا
لجأ الشاعر إلى قافية العين المطلقة وأشبع حرف الروي؛ ما يعطي هذا الإحساس، إذ إن إطلاق الصوت وعدم انحباسه يوحي بصرخاته المتتالية ليبلغ قومه هذا النذير كأنه قد صعد على مكان عال وأشرف منه على قومه، ثم أخذ يصيح فيهم وينادي بأعلى صوته ليحذرهم مباغتة العدو، وكأن إيقاعات الألفاظ طبول تدق بنذر الحرب وتعلن أن ساعة الخطر قد حانت، وخير مثال على ذلك قوله:
قُومُوا قِياماً على أَمْشاطِ أَرْجُلِكُـمْ
ثُمَّ افْزَعُوا، قد يَنالُ الأَمْـرَ مَـن فَـزِعـا
وَقَــلِّــدُوا أَمْــرَكُــمُ، للّهِ دَرُّكُـــمُ
رَحْبَ الذِّراعِ، بأَمْرِ الحربِ مُضْطَلِعا
وقد جاءت القصيدة على بحر البسيط فيأتي الشطر الواحد منه على وزن مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن وهذا الوزن الشعري يتلاءم مع عاطفة الشاعر، عاطفة الوله واللهفة على قومه، والخوف من المصير المحتوم الذي ينتظرهم، إضافة إلى أنه يتميز برقته وعذوبته، لذلك قل في أشعار الجاهليين وكثر عند المولدين، ومن هنا تعتبر القصيدة نفثة شعرية ونغمة حزينة توحي بوفاء لقيط لقومه وتنبئ بالإخلاص والمحبة.
وهي قصيدة يتيمة إذ لم نجد قصيدة أخرى لهذا الشاعر الفذ، والتي استهلها بقوله:
يا دارَ عَمْــرَةَ مِــن مُحْتَـلِّهـا الجَـرَعـا
هاجَـتْ لي الهَـمَّ والأَحْـزانَ والوَجَعـا
يـا قــوم لا تـأمنـوا إن كـنـتــمُ غـيـراً
عـلـى نسـائكـم كســرى وما جمَـعــا
مـا لِـي أَراكُـمْ نِيـامـاً فـي بُـلَـهْــنِـيَـةٍ
وقد تَرَوْنَ شِهابَ الحَرْبِ قد سَطَعا
وقَــدْ أَظَـلَّـكُـمُ مِـن شَطْـرِ ثَـغْـرِكُـمُ
هَــوْلٌ لـه ظُـلَـمٌ تَغْـشـاكُـمُ قِـطَـعــا
صُونُوا جِيادَكُـمُ، واجْلُـوا سُيُوفَـكُـمُ
وجَـدِّدُوا للقِسِـيِّ الـنَّبْـلَ والشِّـرَعـا
واشْرُوا تِلادَكُمُ في حِـرْزِ أَنْفُسِكُـمْ
وحِرْزِ نِسْوَتِكُـمْ لا تَهْلِكُـوا جَزَعـا
لا تُثْمِـرُوا المـالَ للأَعْــداءِ إنَّـهـمُ
إنْ يَظْهَرُوا يَحْتَوُوكُمْ والتِّلادَ مَعا
هَيْهاتَ ما زالتِ الأَمْوالُ مُذْ أَبَـدٍ
لأَهْلِهـا إِنْ أجِـيـبُـوا مَــرَّةً تَـبَـعـا
لا مُتْرَفاً إِنْ رَخاءُ العَيْشِ ساعَدَهُ
ولا إِذا عَضَّ مَكْـرُوهٌ بـهِ خَشَعـا
مُسَـهَّـدُ النَّـوْمِ، تَعْنِـيـهِ أُمـورُكُـمُ
يَرُومُ فِيها إلى الأَعْـداءِ مُطَّـلَعـا
وخير خاتمة لمقالي هذا بعض ما قاله مؤرخو الأدب في حق هذه القصيدة، فقد قال عنها طيفور في كتابه المنظوم المنثور (من القصائد المفردات الجاهليات التي لا يعرف في مثل معناها وجودتها وجزالة ألفاظها، فبقيت محفوظة على مر القرون، لا سيما أن قائلها، لم يعده الأصمعي من فحول الشعراء، ولم يوجد له مركز عند ابن سلاّم في الطبقات).
كما أوردها الشيخ الأديب علي الطنطاوي رحمه الله، في كتابه، (فصول في الثقافة والأدب)، وأطلق عليها اسم (صوت من وراء القرون).