الأكثر مشاهدة

حسين عبروس* استوقفتني هذا الصباح تلك الأناشيد البريئة التي يضمّها ديوان «عصافير …

قراءة في المجموعة الشعرية (عصافير الصباح) للشاعر المغربي الكبير “محمد علي الرباوي”

منذ 8 أشهر

402

0


حسين عبروس*

استوقفتني هذا الصباح تلك الأناشيد البريئة التي يضمّها ديوان «عصافير الصباح: أناشيد للأطفال» للشاعر المغربي الكبير محمد علي الرباوي.

هذه المجموعة، التي دوّن الشاعر نصوصها بين عامي (1971 و1977)، والمنشورة ضمن منشورات سالي بالدار البيضاء – المغرب (عام 1989)، جاءت ثمرة تجربة إنسانية وتربوية عميقة، إذ كان الرباوي آنذاك معلّمًا قريبًا من عالم الطفولة، يقرأ في عيونهم البراءة ويصغي إلى أسئلتهم، ويحاول أن يترجم مشاعرهم وأحلامهم إلى لغة شعرية بسيطة وعذبة.

عناوين تنبض بالطفولة:

تضم المجموعة عناوين تتنوع بين اللعب والطبيعة والوطن والقيم الأخلاقية، مثل:
عصافير الصباح – لعبة الحبل – نشيد التعاونية – في الساحة – أيها الحبر – أيها الطبشور – أغنية الجدول – هذا الوطن – أمي – الدمية – أغاني الأطفال – أغنية الربيع – قد رأيت الإله – خذني معك – ماذا تقول المدرسة – أغنية الوفاء… وغيرها.

هذه العناوين تكشف منذ الوهلة الأولى عن تنوع موضوعي يمزج بين عالم اللعب والمدرسة، وبين الطبيعة والوطن، وبين الإيمان بالله وروح التفاؤل.

التجربة الشعرية وملامحها:

يعرف الرباوي كيف يطرق أبواب الطفولة من الداخل، فيلتقط التفاصيل الصغيرة التي تحضر في ذاكرة الطفل: الحبل، الحبر، الطبشور، الدمية، الجدول، الساحة… وهي أشياء كانت تشكّل جزءًا من المشهد اليومي للأطفال في السبعينيات.

ورغم أن بعض هذه التفاصيل فقدت حضورها في حياة أطفال اليوم بفعل التحولات التكنولوجية وألعاب الشاشات، فإن النصوص تحتفظ بقيمتها التربوية والجمالية، لأنها تسجّل ذاكرة جيل وتقدّمها في صورة شعرية محببة.

حب الوطن في لغة بسيطة:

من أبرز النصوص في المجموعة قصيدة «هذا الوطن»، التي يقدّم فيها الشاعر حب الوطن في كلمات قليلة لكن مشحونة بالمعنى:

هذا الوطنْ – جــدي بناهْ
أبي رعــاهْ – مـدى الزمنْ
هذا الوطنْ – إنّي فــداهْ
روحي فداهْ – مـدى الزمنْ

هنا نلمس الإيجاز البليغ الذي يقرّب المفهوم الوطني إلى ذهن الطفل من خلال صور أسرية: الجد – الأب – الابن، ليصبح الانتماء للوطن امتدادًا طبيعيًا للانتماء للعائلة.

أناشيد الطبيعة والإيمان:

في نص «إني رأيت الإله»، يوجّه الرباوي الطفل إلى التأمل في مظاهر الكون: الطيور، الزهور، القمر، النجوم، الغيوم… ويغرس فيه فكرة الإيمان بالخالق من خلال الجمال والنظام في الطبيعة:

في أغاني الطيور – في عبير الزهور – قد رأيت الإله
في روابي الربيع – عند فجر وديع – قد رأيت الإله

اللغة هنا بسيطة، تقوم على التكرار والإيقاع، ما يسهل الحفظ ويثبّت الفكرة في ذهن الطفل.

إيقاع وبناء لغوي مدروس:

يعتمد الرباوي في كثير من الأناشيد على تفعيلة فاعلن مع السكون في الحرف الأخير، وهو اختيار ذكي ينسجم مع قدرات الطفل اللغوية، ويسهّل عملية الحفظ والنطق. كما يستخدم التكرار وتنويع القافية لإضفاء موسيقى محببة للأذن.

اللعب بالكلمة والقافية:

قصيدة «ماذا تقول المدرسة» مثال على مهارة الشاعر في المزج بين المعنى والتسلية:

ماذا تقول المدرسة – للطفلة الصغيرة
تقول يا سميـرهْ – كوني غدا مهندسة
ماذا تقول للولـدْ – تقول يا صغيـري
كن دفقة عبيـــــر – وقلعة تحمي البلـدْ
ماذا تقول للصغارْ – تقـول يا عرائـسْ
من يكره المدارسْ – يلقى الدّجى طول النهارْ

يغيّر الرباوي القافية بين الهاء والسين والراء، ما يخلق تنويعًا صوتيًا يشد الطفل ويدفعه للمشاركة في الإنشاد.

المحور النقدي المقارن: الرباوي، شوقي، وسليمان العيسى في شعر الأطفال. 

1. اللغة والأسلوب؛ 

محمد علي الرباوي: لغته قريبة جدًا من المحكي اليومي للطفل المغربي والعربي، تعتمد البساطة والوضوح، مع حضور الكلمات المألوفة في بيئة الطفل (الحبل، الحبر، الطبشور، الجدول، الدمية). يجمع بين السهولة والعمق، بحيث لا تفقد القصيدة معناها عند الكبار.

أحمد شوقي: يستخدم لغة عربية فصيحة أقرب إلى الكلاسيكية، مع رصانة لفظية عالية كما في نشيد المدارس أو نشيد الوطن، ما يجعلها أحيانًا أصعب على الطفل الصغير، لكنها تترك أثرًا قويًا بفضل جمالية الصياغة.

سليمان العيسى: لغته وسط بين الفصاحة الكلاسيكية والبساطة، ويتعمد إدخال عناصر من الحياة الريفية والطبيعة العربية، مستهدفًا جميع الأطفال العرب، ما يمنح شعره طابعًا قوميًّا.

2. البناء الإيقاعي والموسيقى الشعرية:

الرباوي: يعتمد غالبًا على التفعيلة القصيرة مثل فاعلن، ويكثر من التكرار وتنويع القافية، ما يمنح النص نغمة مرحة تحفّز الطفل على الترديد.

شوقي: يلتزم بالبحور الكلاسيكية الكاملة والقافية الموحدة، في نمط أقرب للقصيدة العمودية، ما يمنح النص وقارًا، لكنه يقلل من التنوع الإيقاعي.

العيسى: يجمع بين الأوزان الخفيفة والإيقاع الحركي السريع، مع الجملة القصيرة والمقاطع الغنائية، بما يناسب الأداء الجماعي المدرسي.

3. الموضوعات والرسائل التربوية:

الرباوي: يقترب من تجربة الطفل اليومية (اللعب، المدرسة، الطبيعة)، ويضيف إليها بعدًا وطنيًا ودينيًا برموز بسيطة مثل هذا الوطن أو إني رأيت الإله.

شوقي: يركّز على القيم الكبرى كحب الوطن والفخر بالعلم والهوية العربية والإسلامية، بأسلوب خطابي مباشر أحيانًا.

العيسى: يغرس روح الانتماء القومي العربي ويربط الطفل بقضايا الأمة، خصوصًا فلسطين، بأسلوب وجداني حماسي يمزج بين المرح والجد.

4. فرادة تجربة الرباوي:
رغم تأثره بالموروث الشعري العربي، فإن تجربة الرباوي في «عصافير الصباح» تبقى ذات خصوصية:

تتسم بمحلية المشهد الطفولي المغربي في السبعينيات، ما يجعلها وثيقة أدبية وتربوية لتلك المرحلة.

تمزج بين التجربة الشخصية للشاعر كمعلم وبين رؤيته الفنية، بما يضفي صدقًا ودفئًا على النصوص.

توازن بين البعد التربوي والبعد الجمالي دون أن يطغى أحدهما على الآخر.

خاتمة:

«عصافير الصباح» ليست مجرد ديوان للأطفال، بل هي وثيقة شعرية تسجّل ملامح الطفولة المغربية في سبعينيات القرن الماضي، وتقدّم نموذجًا راقيًا للكتابة الشعرية الموجّهة للصغار.

ورغم تغيّر الألعاب ووسائل التسلية، تبقى هذه الأناشيد قادرة على ملامسة وجدان الطفل، لأنها تتحدث إلى جوهره الإنساني لا إلى أدواته التكنولوجية. وفي سياق المقارنة مع رواد شعر الطفل العرب، يتأكد أن الرباوي استطاع أن يقدّم تجربة خاصة، تمزج بين صدق العاطفة، وبساطة التعبير، وعمق الرسالة.

*كاتب وشاعر للأطفال _الجزائر

الشاعر المغربي الكبير "محمد علي الرباوي"

الشاعر المغربي الكبير “محمد علي الرباوي

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود