مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

عبدالعزيز قاسم * 1= بالأمس؛ لا رياضة، لا حِمية، لا مَشي. ارتكبتُ كلَّ المحظوراتِ …

غوايةُ الشِّيكولاتةِ.. وخيانةُ الحِميةِ

منذ 5 أشهر

1433

8

عبدالعزيز قاسم *

1=
بالأمس؛ لا رياضة، لا حِمية، لا مَشي.
ارتكبتُ كلَّ المحظوراتِ التي التزمتُها ستّةَ أشهرٍ، وأنزلتُ وزني اثنينِ وعشرينَ كيلو غرامًا؛ لكنَّ القلوبَ تحتاجُ — أحيانًا — إلى خطيئةٍ حُلوةٍ تُنعِشُ العزيمةَ بدلًا من أن تهدمَها.
أصدقاءٌ أحبّةٌ قدموا من الطائف؛ غداءٌ بحريٌّ شهيٌّ: سمكٌ وتوابِعُه. ثمّ اتّجهنا إلى كافيهٍ بديعٍ في جدّة، في المحمّدية؛ ‘لو كونشيير كافيه (Le Concheur Café)، معبدِ الشوكولاتة التي تُصنَعُ هناك أمامَك طازجةً.
تأملوا السعادة في وجهي وأنا أقترف خطيئة كسر الحمية، كطفلٍ وجدَ حيلةً أن يكسرَ قواعدَه يومًا من غير أن يخونَها، تراني أتأمل اليدٌ المعقّمةٌ بقفّازٍ أزرَقَ تصبُّ من إبريقٍ صغيرٍ شلّالًا دافئًا من صوصِ الشوكولاتة على أسطوانةٍ داكنةٍ تتخفّى فيها قِطعٌ مُقرمِشةٌ وآيسكريمٌ وصدًى من طفولةٍ لا يكبُرُ فيها الفرح.
وفي الثانية، طبقٌ فيروزيٌّ واسعٌ تتوسّدُه «حبّةُ كاكاو» مجوّفةٌ من الشوكولاتة، وإلى جوارِها مغرفةُ آيسكريمٍ بيضاءُ كالنيّةِ الصافية، وبينهما فُتاتُ بسكويتٍ، وفراولةٌ وتوتٌ منثورٌ، ورشّةُ سُكّرٍ ناعمٍ؛ معرضٌ صغيرٌ يأكلُهُ البصرُ قبلَ الفمِ، ويعلّمُكَ أنَّ الجَمالَ قد يكونُ قِطعةً تُلتقَطُ بالملعقة.
أخبروني بالله من يصبر على مشهد كهذا؟
تعالوا معي إلى الكأس الأسطوانيّة من الشوكولاتة التي تَحضُنُ آيسكريمًا وقطعًا هشّةً؛ تُذكّركَ بأنَّ المتعةَ حين تُتقَنُ تفاصيلُها تصيرُ درسًا في البساطةِ والرغبةِ معًا.
أما قطعة تشيزكيكٍ وادعةٌ، ينسابُ فوقَ خدِّها خيطٌ من الشوكولاتةِ الساخنةِ كوترٍ مُعلّقٍ بينَ الرغبةِ والضمير، وكلُّ شيءٍ من حولِها يصفّقُ لهذه «الخطيئةِ الحُلوةِ» تصفيقًا خافتًا؛ فهي فتنة كاملة لا أصمد أبدًا أمامها.
كنت أكثرَ امتنانًا لهذه الهناءةِ التي تُذكّرُنا أنَّ الحياةَ — مهما اشتدّت — تحتاجُ رشفةَ شوكولاتةٍ، ورفقةً طيّبةً، واستراحةً قصيرةً.
ما رأيكم في تسليكي؟ ههههههه
———–
2=
فلنتجول إذًا في محراب الشُّوكولاتة هذا، “لو كونشيير كافيه”، حيث تصبح الغواية طقسًا، وحيث لا مكان إلَّا لنساكها ومريديها. في هذا المكان الهادئ الرَّائق، تَفَنَّنَ الأصدقاء في استدعاء تحفهم اللَّذيذة، بينما سقطت أنا، بغشامةٍ كَامِلَةٍ، في فخِّ الاختيار السَّاذج؛ إذْ طلبت كوب شوكولاتةٍ مُثَلَّجًا، كما يظهر في إحدى الصُّور، ذلك الكوب الطَّويل الذي تَزَيَّنَ بقطعة شوكولاتةٍ رقيقةٍ تحمل شعار المكان. وما إنْ ارتشفْتُ منه الرَّشفة الأولى، حتَّى داهمني نَدَمٌ لاذعٌ، أيَّما نَدَمٍ!
كان الصَّواب كلُّه في اختيار صديقي النَّبيل، وضيفنا القادم من الطَّائف، الذين انتقيا “قهوةً سوداءَ كوستاريكيةً معتدلةً”. يا له من اسمٍ رصينٍ وموسيقيٍّ! هكذا، في لحظة إدراكٍ متأخِّرٍ لخطئي، استدعيت النَّادل مجددًا، وقلت له في عجالةٍ: “أدركني بهذه القهوة، هاتها ولو كانت متطرِّفةً!”.

أمَّا المشهد الأعظم، فكان يتجلَّى في تلك الأبنية الشُّوكولاتِيَّة القاتمة، سواء تلك التي على هيئة أسطوانةٍ، أو تلك التي تحاكي ثمرة الكاكاو الأُمَّ.
كانت تقف صلبةً، متماسكةً، كقلعةٍ تحرس كنوزها الدَّاخلية. وما إنْ ينساب عليها ذلك الخيط الذَّاهب من أختها السَّاخنة، حتَّى تَتَهَاوَى دفاعاتها، وتذوب جدرانها في استسلامٍ حراريٍّ بهيجٍ.
وفي تلك اللَّحظة الفاصلة بين الصَّلابة والميوعة، نهجم عليها نحن بالملاعق، في سباقٍ مع الزَّمن؛ كي ندركها وهي تحتفظ ببقايا من قوامها، ونغنم من ذلك الانهيار العظيم قطعًا تختلط فيها البرودة بالسُّخونة.
لقد كانت أمسيةً للحواسِّ، إنَّه مكانٌ لا يصلح حَقًّا إلَّا لعشَّاق الشُّوكولاتة، أولئك الذين يعرفون كيف يُمَيِّزُونَ بين مجرَّد طعمٍ حُلْوٍ، وبين تجربةٍ تذيب الرُّوح قبل أن تذيب قطعة الحلوى.
—————-
3=
تعمدت أن أفرد لهذا الحلا منشورًا خاصًا به، فهو يستحق بصراحة.
يأتيكم كأسطوانة، كمِعطفٍ داكنٍ من الشوكولاتة، يَحْتَضِنُ في أحشائه آيسكريمًا ناعمًا، وكراتِ شوكولاتةٍ مُبَشَّرةٍ، ورشَّ فتاتٍ مقرمشٍ؛ تُوضَعُ على صحنٍ فيروزيٍّ فسيحٍ.
ما إن يقتربَ النادلُ بإبريقِ الصوصِ السَّاخنِ — خيطٌ بُنّيٌّ ينحدرُ كوترِ كمان — حتّى يلينَ الجدارُ ويبدأ بالتهاوي على مَهَلٍ؛ عندها يتعالى «تصافُقُ الملاعقِ» مع ضحكاتِ الرفاقِ، ونَخوضُ سباقًا لطيفًا لنظفرَ منها بقرمشةٍ صغيرةٍ قبل أن تستحيلَ نعومةً كاملةً.
وتحت الصورةِ حكايةٌ أُخرى: كنّا سبعةَ أحِبّةٍ وإخوةً؛ الفوضى الحلوةُ جزءٌ من البهجة.
أمّا لو كان الواحدُ بصحبةِ زوجتِه، لَتأنّقَ المشهدُ تمامًا: لُقَمٌ صغيرةٌ من طرفِ الملعقة، ورِفقٌ في القضم، كما في الأفلام… وأنا — أعترفُ — لا أُجيدُ هذا الفنَّ أبدًا، ههههه.
——————–
4=
دعوني أصور لكم المشهد، لمزيد من التشويق، وببعض اللؤم الأخوي، لمعرفتي أن الأخوات يعشق الشيكولاتة هنا:
يقتربُ النادلُ — بالقُفّازِ الأزرَقِ والإبريقِ الفخّاري — فينسابُ خيطُ الشُّوكولاتةِ السّاخنُ على ظهرِ القِشرةِ اللامعِ. يلينُ السطحُ قليلًا، ثمّ يتشقّقُ بخفرٍ، فتتهدّمُ القِشرةُ على مَهلٍ كبيتِ ثَلجٍ في شمسٍ لطيفةٍ، وتسيلُ الحوافُّ حولَ الآيسكريمِ والفتاتِ والفواكهِ.
هنا يبدأ الطقسُ الجميل: «تصافُقُ الملاعقِ» على الصحنِ مع قهقهاتِ الإخوةِ السّبعةِ، وكلُّ واحدٍ يقتنصُ لقمةً تحملُ شيئًا من القَرمشةِ وشيئًا من الذَّوبانِ في آنٍ واحدٍ.
ههههه لا تسألوا عن الطعم الفاره!
ولا تسألوني عن الاسم؛ فالذّاكرةُ — يا أحِبّة — تحفظُ «اللُّقمةَ» لا «اللَّقبَ». أمّا هذا العرضُ الذّائبُ، فشهادةُ لسانٍ وقلبٍ بأنّ الاستراحةَ الحُلْوةَ — إذا شاركَها الأحِبّةُ — تزيدُ العزيمةَ، ولا تَنقُصُها.
————
5=
وهكذا أختم جولتي معكم، بهذه الصُّورة الأخيرة التي تَشِي، أكثر من أيِّ كلامٍ، بكميَّة السَّعادة التي تَمَلَّكَتْنِي في تلك الأمسية.
وإنَّني، في لحظة صدقٍ مع النَّفس، أقف حائرًا أمام منبع هذا الفرح الطُّفوليِّ؛ فلا أدري بصراحةٍ: هل كان مَرَدُّهُ ذلك التَّمَرُّد اللَّذيذ على قوانين الجسد الصَّارمة، واقتراف خطيئة كسر الحِمية التي كانت قيدًا والتزامًا؟
أم تراه يكمن في المكان ذاته؟ في “لو كونشيير كافيه”، أيقونة الأناقة والفخامة، حيث تتقدَّم قطع الشُّوكولاتة الصغيرة المتراصَّة كالجواهر على ألواحها الخشبية، وحيث لكلِّ قطعةٍ لذَّةٌ مختلفةٌ، وحكايةٌ فريدةٌ.
أم أنَّ السِّرَّ كلَّه، وجوهر الحكاية، كان كامنًا في أولئك الأصدقاء الأَحِبَّة، الذين حملوا معهم من الطَّائف بهجةَ أرواحهم، فكانوا مِلْحَ اللَّحظة وسُكَّرَهَا؟
يقينًا أَنَّهَا هذه العوامل كلُّها مجتمعةٌ؛ فالصُّحبة الصَّالحة هي من أشعلت فتيل الفرح، والمكان البديع هو من قدَّم مسرحًا لائقًا لهذه المشاعر، وكسر الرُّوتين كان هو التَّحرير الذي أطلق للرُّوح عنانها. كلُّها معًا هي من نسجت لمسائي لونًا مختلفًا، ومنحت نفسيتي هذه السَّعادة الغامرة التي ترونها.
شكرًا لكم.. وقولوا لي بالعافية والهناء.
خصوصًا محبي الشيكولاتة، كيلا أغيب عنكم أسبوعًا، أكون طريح الفراش هههههه من أعين من لا يسمون الله.

*إعلامي وكاتب صحفي من السعودية 

التعليقات

  1. يقول محمد الجديعي:

    انت مبدع ياصديقي ، لقد قلت في الشوكولاته قولا يجعلني اضع هذا المكان ضمن اماكن سأزورها في اي رحله قادمه الى جده ، وسيرافقني زميل من سكان المحمديه ، سنكافيء انفسنا بالجلوس والاستمتاع بمعشوقتي ( القهوة السوداء) والمتيسر من الشوكولاته .. لله درك ..

  2. يقول أديب علاف:

    ماشاء الله بالعافية وصحة بارك الله لك شوقتنا ارسل لي موقع هذا المحل

  3. يقول عدنان قاضي:

    لم أنل شيئًا من النعيم الشوكولاتي الذي وصفه عزيز ببراعة حتى كدت أراه بين ناظري. لكني نلتُ قطعة أدبية رائعة أشبعت نهمي في الطرب النثري.

  4. يقول ✍🏻 سعيد بن قرحوش:

    كعادتك أبا أسامة، مُبدع في المقالة وفي وصفك لحبيبة الكل (الشيوكولاته).

  5. يقول عيد الشريف:

    بالعافيه يادكتور من الصحي ان نجعل يوماً عيداً يتم فيه كسر الرجيم والحميه لكي لايتسلل الملل ويكون بمثابة تحفيز وتشجيع للنفس لكي تكمل الحياه بشكل أفضل

  6. يقول حنين بوظو:

    الغواية ليست امرأة فقط.. للشوكولاتة غوايات أدهى وأمر.

  7. الحياةَ — مهما اشتدّت — تحتاجُ رشفةَ شوكولاتةٍ، ورفقةً طيّبةً، واستراحةً قصيرةً.
    كلام جميل جداً
    بوركت الأنامل د.القاسم
    وليت كل الخيانات كانت بطعم الشوكلاه
    إذاً لما اعتصر قلبٌ
    ولا دمعت أعينٌ

  8. يقول المهندس عبدالقادر السالمي:

    ماشاء الله تبارك اخي ابا اسامة على الوصف والتعليق والصور الخيالية التي رسمتها في مقالتك الشيقة والتي جعلتنا نتذوق طعم شوكولاتتك المزعومه😂😂والتي اتخذتها كمحتوى وركيزة لمقالتك التسويقية وعسى ان يكون المقابل المادي او المعنوي للتسويق لهذا المكان مجديا وجزيلا وقد ابتدعت اسلوبا جديدا ومقنعا للتسويق والدعاية والاعلان. 😂😂😂تحياتي ودمت باتم الصحة والعافية.
    اخوك المهندس
    عبدالقادر السالمي. 😘🌹

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود