مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

 محمد العميسي * لم يكن كتاب حضارة العرب لغوستاف لوبون كتابًا عابرًا، ولا مؤلَّفً …

حضارة العرب.. في عيون غوستاف لوبون

منذ 8 أشهر

385

0

 محمد العميسي *

لم يكن كتاب حضارة العرب لغوستاف لوبون كتابًا عابرًا، ولا مؤلَّفًا من تلك المؤلفات التي تتكدّس في الرفوف لتأخذ نصيبها من الغبار. لقد كان بمثابة صفعة فكرية رقيقة، جاءت من قلمٍ فرنسي أنصف العرب أكثر مما فعلت أقلام كثيرة من أبناء جلدتهم.

دخلت صفحاته متوجسًا، متوقعًا أن أجد ما اعتدت عليه من تكرارٍ للاستشراق البالي: العرب غزاة، الإسلام عائق، والتاريخ العربي مجرد هامش صغير على دفتر الحضارة الأوروبية. غير أني وجدت شيئاً آخر تمامًا… وجدت رجلًا من الغرب يكتب بانبهار صادق، وانحناءٍ مهيب أمام حضارة الشرق، لا ازدراءً، بل إجلالاً.

غوستاف لوبون، المؤرخ والطبيب والفيلسوف، بدا وكأنه استيقظ من غفوة طويلة ليكتشف أن أوروبا لم تكن مهد العلم، بل كانت مدينةً لرجالٍ من الشرق أناروا لها درب النهضة. كتب عن محمد صلى الله عليه وسلم باعتباره أعظم من غيّر مجرى التاريخ، لا بالسيف، بل بالفكرة والعدل والنظام. ورأى في الإسلام مشروعًا حضاريًا يتجاوز حدود الزمان والمكان، نقل البشرية من التناحر إلى الوحدة، ومن الخرافة إلى العقل.

صفحات الكتاب كانت تذكيرًا بأن العرب لم يكونوا مجرد بدوٍ أو فرسانٍ على صهوات الخيل، بل بناة فكر، ومهندسي حضارة، وأطباء فلسفة، وسادة مكتبات. أعمالهم العلمية لم تكن أوراقًا عابرة، بل مراجع درستها جامعات أوروبا لقرون طويلة. ابن سينا، الرازي، الخوارزمي، الفارابي، ابن رشد. لم يكونوا رموزًا إسلامية فقط، بل أساتذة للإنسانية جمعاء.

الأندلس، في نظر لوبون، لم تكن حضارة عابرة، بل نموذجًا فريدًا التعايش الأديان وازدهار العقل ورقيّ الذوق. وفي وقتٍ كانت فيه أوروبا تغرق في ظلام الحروب الطاحنة والجهل، كان الأطباء العرب يجرون العمليات الجراحية، والفلاسفة يكتبون، والمهندسون يشيدون مساجد وقصورًا تنطق بلغة الجمال.

الفن العربي لم يرسم الأجساد، بل نقش الروح. العمارة الإسلامية لم تكن حجارة، بل هندسة للسكينة. حتى أصغر المصنوعات العربية حملت في طياتها إبداعًا فريدًا لا يشبه أي أمة أخرى.

أهمية كتاب لوبون أنه لم يكتبه عربي يفتخر بماضيه، بل أوربيٌّ محايد لا يشاركنا الدين ولا اللغة ولا الذاكرة الجمعية. ومع ذلك، دافع عن العرب والمسلمين وكأنه واحدٌ منهم، معتمدًا على المشاهدة المباشرة والموضوعية العلمية.

وفصّل لوبون في أسباب الحضارة العربية ومجالات إبداعها، كما لم يغفل أسباب انحطاطها: سد باب الاجتهاد، فساد النظام السياسي القائم على حكم الفرد، التناحر الداخلي بين الأعراق، والترف الذي أنهك العزائم. بل ذهب إلى مقارنة الفتح العربي بالحروب الصليبية، مبينًا الفارق الشاسع بين رحمة العرب وتساهلهم، وبين قسوة الغزاة الأوروبيين.

لم يتوقف عند ذلك، بل صرّح أن وضوح الإسلام وتوحيده هو سر قوته، ورأى في النبي محمد صلى الله عليه وسلم أعظم رجال التاريخ، وأن التعصب وحده هو ما أعاق مؤرخي الغرب عن الاعتراف بفضله.

ليس كتاب حضارة العرب إذن مجرد دراسة تاريخية، بل هو شهادة من الغرب بفضل الشرق. حجة مكتملة الأطراف ضد كل من يحاول التقليل من شأن هذه الأمة. وهو تذكير صارخ بأن حضارتنا لم تكن صدفة، وأن سقوطها لم يكن قدرًا محتومًا، وأن النهضة المقبلة تبدأ من الوعي بما كنّا… وبما يمكن أن نكونه من جديد.

*كاتب يمني

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود