مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

نجود حسن * مدخل: “ليست الثقافة زينةً نعلّقها على جدران مشاريعنا ولا بطاقة …

حين تصبح الثقافة مشروعًا بلا روح

منذ 8 أشهر

746

0

نجود حسن *

مدخل:
“ليست الثقافة زينةً نعلّقها على جدران مشاريعنا ولا بطاقة نضيفها إلى سيرنا الذاتية، بل هي جوهرٌ يُبقي للإنسان إنسانيته وسؤالٌ أبديّ يعيد تشكيل وعينا بالعالم. 
وحين يُسلب هذا الجوهر من الثقافة نصحو على مشهدٍ لامع من الخارج خواءٍ من الداخل”. 

لم تكن الثقافة يومًا نشاطًا ترفيهيًا أو واجهة اجتماعية تُضاف إلى السيرة الذاتية، بل كانت في جوهرها فعلًا إنسانيًا عميقًا ومغامرة داخلية للروح في بحثها عن المعنى.
منذ أقدم العصور ارتبطت الثقافة بالمعاناة والسؤال والبحث المضني عن الحقيقة والجمال، ولم تُبنَ يومًا على الاستسهال أو السعي وراء الأضواء، لكننا اليوم نواجه مشهدًا ملتبسًا، ثقافة محمّلة بالزخارف لكنها خاوية من الروح. 

تطفو على السطح مشاريع تحمل لافتة “الثقافة” غير أنها في حقيقتها لا تمتّ إليها بصلة، مشاريع تبحث عن الربح قبل المعنى وعن الظهور قبل العمق، وعن التسويق قبل المعرفة.
يكفي أن نراقب طبيعة ما يُنشر في بعض هذه المبادرات لندرك حجم الموجود بالساحة من شعارات برّاقة، مقولات مبتورة من سياقاتها، صور محسوبة على ذائقة الاستعراض، لكن لا أثر للكتاب الذي يرهق قارئه بأسئلته ولا للأديب الذي يربك قارئه بعمقه ولا للنص الذي يهزّ القلوب قبل أن يغزو مواقع التواصل الاجتماعي.

المؤلم أن كثيرًا من هؤلاء “المشتغلين بالثقافة” لا يعرفون من أعلامها إلا أسماء يتداولها الجميع: طه حسين، نزار قباني، محمد الثبيتي، غازي القصيبي. 

يعرفون الأسماء ولا يعرفون المعاناة التي صنعت النصوص، لم يسهروا مع “الأيام”، ولم يتورطوا في جدليات فكرية ولم يكتووا بجمرة “الأعمال الكاملة” للجواهري. 

كل ما يملكونه هو إعلانات يرفعونها عند الحاجة لعلها تمنح مشاريعهم هالة مستعارة.

ولست هنا ضد المبادرات الثقافية، بل على العكس أُقدّر كل جهد يسعى إلى نشر المعرفة وتوسيع دوائر الأدب والثقافة. 
إنما قلقي يجيء حين تغدو الثقافة وسيلة لا غاية، وحين يُنظر إلى الأدب كديكور يُضفي “هيبة” على المشروع لا كرسالةٍ تفرض احترامها.
ففي اللحظة التي يتحول فيها الأدب إلى سلعة والثقافة إلى تجارة نخسر شيئًا جوهريًا؛ نخسر الروح. 

الثقافة ليست غلافًا أنيقًا يزيّن الواجهة وليست اقتباسات مُنمّقة تُعلّق على الجدران، الثقافة وعي متراكم وحوار داخلي عميق مع الذات والعالم وعلاقة ممتدة بالكتب والرموز والأسئلة.

الأدب لا يولد من ترفٍ عابر… بل من معاناة وسهر وصراع مع اللغة والفكر والوجود.

لذلك المشاريع التي لا تُسقى من هذا العمق؛ تبقى مجرد أشجار بلا جذور مهما كثرت أوراقها وتزخرف ظاهرها.

أحنّ إلى زمنٍ كانت فيه الثقافة تُمارَس بشغف حقيقي.. زمنٍ كان فيه الأديب نجمًا لا لأنه “مؤثر” على منصة ما، بل لأنه استطاع أن يفتح نافذة في روح المهتمين… 
وأن يهديهم سؤالًا لا يُغلق بسهولة… 
أحنّ إلى تلك الأيام التي كان فيها المثقف صاحب موقف والشاعر صاحب قضية والكاتب صوتًا حيًا يتورط في معارك فكرية وجمالية، لا مجرد شعار استهلاكي يبهت مع أول موجة جديدة.

إن إنقاذ الثقافة اليوم يتطلب إعادة الاعتبار إلى “المعرفة” بوصفها نبعًا أصيلًا وإلى “الشغف” باعتباره الشرارة الأولى لكل فعل أدبي حقيقي. 

لا بأس أن يكون للمشاريع حضورها وإدارتها وميزانياتها، لكن كل ذلك يظل وسيلة لا غاية. 
الغاية الكبرى هي أن تظل الثقافة فعلًا إنسانيًا حيًا يوقظ، يُربك، يُلهم، ويمنح الإنسان القدرة على أن يعيش بوعي أعمق.

فإذا غاب هذا الوعي فلن يبقى من الثقافة سوى قشور مشاريع لامعة باردة بلا روح وبلا جذور وبلا أثر حقيقي في الوجدان.

*كاتبة سعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود