13
0
18
0
15
0
12
0
19
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13567
0
13410
0
12247
0
12154
0
9599
0
إعدادـ هدى الشهري
كعب بن زهير شاعر مخضرم، عاش عصرين مختلفين (الجاهليةـ صدرالإسلام)، وهو من شعراء الطبقة الثانية، حيث امتلك مكانة أدبية وشعرية مرموقة بين شعراء عصره، فهو سليل أسرة عريقة في الشعر، كانت معروفة بكثرة شعرائها.
تلقن كعب الشعر عن أبيه زهير بن أبي سلمى مثله مثل أخيه بجير، وكان زهير يحفظهم الشعر، ومما يُقال عن كعب أنه كان يخرج به أبوه إلى الصحراء فيلقي عليه بيتًا أو بيتين ويطلب أن يجيزه (يأتي بصدره أو عجزه) تمرينًا له ودربة. وقد حاول كعب أن ينظم الشعر منذ حداثته فردعه أبوه، مخافة أن يتسفّل ويأتي بالضعيف فيشوّه مجد الأسرة، وما زال يهذّب لسانه ويجهّز شاعريته برواية الشعر، إلى أن تكتمل قدراته الشعرية ،حيث كان يهذب ذوقه الشعري دائمًا.
تنوعت موضوعات شعرزهير فهي كغيرها من موضوعات الشعر الجاهلي، تتراوح بين الفخر والمدح والهجاء والرثاء والغزل والوصف وبعض الحكم، لكن النقاد يفرقون في شعره بين اتجاهين متباينين؛ لأن إسلام كعب قد غير في نهج شعره وأمده بالكثير من الصور، كما رقق ألفاظه ومعانيه، حيث كان في الجاهلية يميل إلى الشدة والتقعر خاصة في وصف الصحراء وحيوانها، بينما بعد الإسلام نراه كما يقول النقاد، يميل إلى إرسال الحكمة والابتعاد عن الموضوعات الجاهلية.
وقد تعددت العوامل المؤثرة في شعر كعب، فهو لم يستطع التخلص من قيود الجاهلية بشكلٍ كامل وهذا لترابط وتقارب العصرين، لذا جاء الكثير من أشعاره متأثرًا بشكلٍ كبير بالتقاليد الجاهلية الأدبية، فطغى عليها استخدام الصور(خاصةً الحسية منها)، والمفردات والتعابير المتعارف عليها عند الشعراء الجاهليين، كما أنه بقي متبعًا الأسلوب القديم في الشعر، كاستهلال القصيدة بالغزل، والوقوف على الأطلال، ومن ثم الانتقال إلى الغرض الرئيسي للقصيدة، ومن ذلك قوله:
هَـلَّا ســَأَلْـتِ وَأَنْــتِ غَيْــرُ عَيِـيَّـــةٍ
وَشِفاءُ ذِي العِيِّ السُّؤالُ عَنِ العَمَى
عَـنْ مَشـْهَدِي بِبُعَـاثَ إِذْ دَلَفَــتْ لَـهُ
غَسـَّانُ بِـالْبِيـضِ الـقَـوَاطِـعِ وَالْقَنَـا
وقوله:
أَلَا أَســْمـاءُ صــَرَّمْـتِ الـحِبَـــالَا
فَأَصـْبَـحَ غَـادِيـاً عَــزَمَ ارْتِحــالَا
تَعَـاوَرَهــا الـوُشــَاةُ فَـغَيَّـرُوهــا
عَنِ الحَالِ الَّتِي فِي الـدَّهْرِ حَالا
صـَبَاحَ مَسـَاءَ يَبْغُــوهُ الخَبَـالَا
يقول محمد علي الصباح في كتابه (كعب بن زهير: حياته وشعره) “الحكمة في شعر كعب ليست أمرًا طارئًا عليه أو مستبعد صدورها عن مثله، فهو ابن زهير بن أبي سلمى الشاعر الذي زخرشعره بالكثير من المواعظ والحكم، فليس غريبًا أن يشتمل ديوان كعب على حكم كثيرة مبثوثة هنا وهناك في ثناياه، وأكثرها يمثل مقطوعات صغيرة مستقلة يبدو عليها أثر الإسلام واضحًا، إذ استفاد كعب من تعاليم دينه، لذلك فإن إنتاجه بعد إسلامه كان مشبعًا بتعاليم المدرسة الإسلامية” فحين يقول كعب:
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني
سعي الفتى وهـو مخبـوء له القـدر
يسعـى الفتى لأمـور ليس يدركهـا
والنـفــس واحـدة والـهـم منـتـشــر
والمـرء مـا عـاش ممـدود له أمـل
لا تنتهي العـين حتى ينتهي الأثــر
امتاز أسلوب كعب الشعري بالجزالة والقوة، والسهولة، واستخدام الأساليب والمعاني التي تكسب قصائده الخصوبة والثراء، إضافة إلى براعته الكبيرة، وقدرته في الانتقال من غرض شعري إلى آخر في نفس القصيدة بسلاسة مع الحفاظ على التسلسل المنطقي لأغراضها، ودون المساس بوحدة القصيدة، وهذا كله دلالة على شاعرية كعب الرفيعة وقد قال عنه ابن قتيبة الدينَوري “كان كعب فحلًا مجيدًا”.
ثم يظهر تأثر كعب بالقرآن الكريم في شعره جليًا وواضحًا من حيث الصياغة، والمعاني والأسلوب، واستخدام ألفاظ وتعابير إسلامية، حيث قدم صورًا شعرية رائعة وصف فيها الإسلام والرسول عليه الصلاة والسلام، وبيّن أخلاقه الكريمة، ورحمته بالمؤمنين، وإقراره بنبوته، وأنه الحق المبين، فالتعاليم الإسلامية في هذا الشعر واضحة تمامًا، كما يظهر مدى تغلغل الإسلام في نفس كعب وشعره، مثال:
لَعَمرُكَ لَولا رَحمَةُ اللَهِ إِنَّني
لَأَمطو بِجَدٍ ما يُريدُ ليَرفَعـا
إِذا ما نَتَجنا أَربَعًا عامَ كُفأَةٍ
بَغاها خَناسيرٌ فَأَهلَكَ أَربَعا
ويكاد يقترب من أن يكون واحدًا من زهاد المسلمين، مثل قوله:
أعلم أني مـتى ما يأتـني قــدري
فلـيس يحـســبـه شـح ولا شـفـق
بينا الفتى معجب بالعيش مغتبط
إذ الـفـتى للـمنـايـا مسـلـم غـلـق
فلا تخافي علينا الفقر وانتظري
فضل الذي بالغنى من عنده نثق
إن يـفـن مـا عندنـا فالله يـرزقنـا
ومن سوانا ولسنـا نحـن نرتـزق
ويروي ابن حجر في (الإصابة)، وابن الأثير في (أُسد الغابة) أن كعب خرج وأخوه بُجير إلى الرسول ﷺ فلما بلغا أبرق العزّاف قال بُجير لكعب: اثبت أنت في غنمنا في هذا المكان حتى ألقى هذا الرجل الذي يدَّعي النبوة فأسمع ما يقول فثبت كعب وخرج بُجير فجاء الرسول ﷺ فعرض عليه الإسلام فأسلم بُجير فبلغ ذلك كعبًا، فغضب منه وهجاه بقوله:
ألا أَبْـلِـغَـا عني بُجَـيْـرًا رَسَــالَـةً
فهل لك فيما قُلتَ وَيْحَكَ هل لَكَـا
سَقاكَ بهـا المأمـونُ كأسًا رَوِيَّـةً
فأَنْهَـلَكَ المـأمـونُ منهـا وَعَـلَّكَـا
ففارَقْتَ أسبابَ الْهُـدَى واتَّبَعْتَـهُ
على أيِّ شيءٍ وَيْبَ غيرِك دَلَّكَا
فلَمَّا سَمِعَ عليه الصلاةُ والسلامُ قولَه: ” سَقاكَ بها المأمونُ “، قالَ: ” مأمونٌ واللهِ ” (وذلك أنهم كانوا يُسَمُّونَ رسولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المأمونَ)، وغضب غضبًا شديدًا، فرد بجيرعلى هجاء أخيه، وأبلغه بغضب الرسولﷺ مما قاله، ولكن كعب ظل على دينه إلى أن فُتِحت مكة، حيث قرروبعد قناعة أن يدخل إلى الدين الجديد، لكنه كان خائفًا، فجاء إلى النبي ﷺمتخفيًا، لأنه قد أهدر دمه فوقف بين يديه، وراح ينشده:
أنُبئت أن رسول الله أوعدنـي
والعفو عند رسول الله مأمول
لا تأخذني بأقوال الوشاة ولـم
أذنب ولو كثرت فيّ الأقاويل
إن الرسول لنور يُستضاء به
مهند من سيـوف الله مسلـول
وقد أُعْجب النبي ﷺ بالقصيدة ، لأن كعب كان صادقًا فى مدحه واعتذاره، فمنحه “بردته الشريفة” دلالة على أنه سامحه، وقد قال عنها الفاخوري “ما زالت البردة في أهله حتى اشتراها معاوية منهم، وتوارثها الخلفاء الأمويون فالعباسيون حتى آلت مع الخلافة إلى بني عثمان”، فسميت القصيدة بالبردة، وأصبحت نموذجًا يحتذى به فى مدح النبي ﷺ.
احتلت هذه القصيدة، مكانةً بارزة في الشعر العربي عامةً، وفي شعر المديح النبوي خاصةً، فهي تُعد من أوائل قصائد المديح النبوي التي اعتمد فيها الشاعر على المنهج الفني الجاهلي، فعلى الرغم مما تحمله معانيها من تقليد واضح، لكنها تخفي نسقًا مغايرًا، بالتالي تميزت هذه القصيدة بطابع الأصالة، والإبداع.
وتتألف هذه القصيدة من أربعة مقاطع، قد تبدو للوهلة الأولى أنها بعيدة الصلة عن بعضها البعض، إلا أنها في الحقيقة تشكل معًا بناءً فنيًا متكاملًا، حيث كان الانتقال فيها من موضوع إلى آخر مجرد انتقالًا نفسيًا، ليس له تأثير على وحدة التجربة الشعرية، فيقول في مطلعها:
بانَـتْ سُعـادُ فَقَـلْبي الـيَـوْمَ مَـتْبــولُ
مُتَيَّــمٌ إثْـرَهــا لـم يُــفْــدَ مَــكْـبــولُ
وَمَا سُعَـادُ غَـداةَ البَـيْـن إِذْ رَحَـلـوا
إِلاّ أَغَنُّ غضيضُ الطَّرْفِ مَكْحُولُ
وخير خاتمة المقالي، هذه الأبيات الجميلة لشاعرنا، يتحدث فيها عن الشيب والشباب، فيقول: