5
0
10
0
8
0
9
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13543
0
13387
0
12223
0
12142
0
9579
0

فاطمة الجباري *
في مسيرة العمر، نتعلم ألا بداية تبقى على حالها، ولا خط يُرسم إلا ويقودنا نحو نهايته الحتمية. لكنّ النهايات ليست دائمًا انطفاءً ولا خسارة، بل قد تكون ولادة متجددة، كأنها باب يُغلق ليفتح آخر على فضاء أوسع. إنها اللحظة التي تهمس لنا بأن العالم أكبر مما نراه، وأن الأفق لا يتوقف عند حدود تجربتنا الأولى.
كثيرون يرون في النهاية سقوطًا أو خسارة، لكن المتأمل في جوهرها يدرك أنها هدية خفية. فهي التي تضعنا أمام ذواتنا وجهًا لوجه، لتسألنا: ماذا بعد؟ إلى أين تريد أن تمضي؟ وهل كنت تعيش فعلًا ما يليق بك أم كنت سجيناً لدوائر الآخرين؟ هنا، يصبح الوداع بدايةً، والفقد ولادةً أخرى، والرحيل سفرًا نحو ما هو أبعد وأصدق.
إن للنهايات جمالًا خاصًا، جمالًا لا يُدرك إلا حين نتجرد من ضجيج الواقع. فهي تدفعنا إلى التحليق بعيدًا عن ثقل المجاملات الاجتماعية، وعن الأدوار التي فُرضت علينا بغير اختيار، وعن التعقيدات التي كبّلت أرواحنا باسم المسؤولية أو العرف. وفي لحظة النهاية، نكتشف أن لنا الحق في أن نصنع عالمًا خاصًا بنا، عالمًا يليق بأحلامنا الصغيرة التي كنا نؤجلها دائمًا، ونضيّعها في سبيل إرضاء الآخرين.
النهايات تُعلّمنا أن الحياة ليست خطًا مستقيمًا، بل فصول متعاقبة، لا يُفتح أحدها إلا بعد أن يُطوى الآخر. كل تجربة تنتهي لتفسح المجال لتجربة جديدة، وكل خسارة تُسقط عنّا قشورًا لم نعد بحاجة إليها. وهكذا نصبح أكثر خفة، وأكثر قربًا من حقيقتنا الأولى.
ولعل أجمل ما في النهايات أنها تمنحنا فرصة لنبدأ من جديد ونحن محمّلون بالوعي، أقوى مما كنا، وأقدر على التمييز بين ما نريد حقًا وما فُرض علينا. قد تكون نهاية علاقة أو عمل أو مرحلة عمرية، لكنها في حقيقتها بداية لاكتشاف أعمق للذات، وبداية لرحلة أكثر صدقًا مع الحياة.
إنها ليست مجرّد ختام، بل هي فسحة للتأمل، ونداء للتحرر، وفرصة لزرع أهداف جديدة في تربة أكثر خصوبة. فما يبدو انكسارًا قد يكون في جوهره التواءً في الطريق يقودنا إلى أفق لم نكن لنراه لولا أننا غادرنا الطريق القديم.
هكذا، نتعلم أن كل نهاية تختبئ فيها بذرة بداية، وأن أعظم القصص لا تُكتب عند ولادتها الأولى، بل عند اللحظة التي نجرؤ فيها على أن نقول: هنا تنتهي مرحلة… وهنا أبدأ من جديد.
في الختام:
• “النهايات ليست سوى فرص متخفية لبدايات أعظم” – كارل يونغ
*كاتبة سعودية