مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

إعدادـ هدى الشهري أحمد شوقي، رائد النهضة الشعرية العربية، نشأ وترعرع في القاهرة …

أحمد شوقي.. الوطني المغترب

منذ 5 أشهر

403

0

إعدادـ هدى الشهري

أحمد شوقي، رائد النهضة الشعرية العربية، نشأ وترعرع في القاهرة في رحاب أسرة شغلت عددًا من المناصب الإدارية، فنشأ في ظل قصر الخديوي نشأة ارستقراطية، وكان محاطًا بعناية العائلة بأكملها، لاسيما أنّه كان وحيد والديه.

تلقّى شوقي علومه الأولى في سن الرابعة في كُتَاب الشيخ صالح، وأنهى تعليمه الثانوي في سن مبكرة، درس علوم الأدب على يدي الشيخ حسين المرصفي، والشيخ حفني ناصف، ثمّ التحق بمدرسة الحقوق ومن ثم الترجمة، وبعد تخرجه  أرسله الخديوي توفيق إلى فرنسا لإتمام دراسته، حيث قضى أربع سنوات في مدينة باريس ومونبلييه، وهناك تعرف على الأدب الفرنسي، وتأثر بشعرائه وأدبائه، حيث اتصل بهم بشكل مباشر.

 تنوعت مصادر ثقافة شوقي، فقد انكب على قراءة كتب الأدب العربي وداوم على مطالعتها، خاصة كتب فحول الشعر مثل أبي نواس، والبحتري، والمتنبي، وأبي تمام، وكتب كبار الأدباء ككتاب الحيوان للجاحظ، إضافة إلى مختلف العلوم، إلى جانب ثقافته العربية كان متقنًا للغة للفرنسية، إضافة إلى إتقانه للغة التركية التي اكتسبها من بيته وعائلته.

وكان قبل ذلك قد نُفي إلى إسبانيا لفترة من الزمن، وهناك جادت قريحته بالكثير من القصائد التي لامست قلوب القراء معارضًا لغيره من شعراء العصور الذهبية، منها هذه القصيدة التي عارض بها “سينيّة البُحتريّ”، معبِّرًا عن شعوره بالغربة والحنين إلى بلده مصر، حيث يقول:

اختـلاف النّهـار واللّيـل ينـســي

اذكرا لـي الـصّـبـا وأيّـام أنـسـي

وصـفــا لـي مـلاوةً مـن شـبـاب

صـوّرت من تـصــوّرات ومـسّ

وسلا مصر هل سلا القلب عنها

أو أسا جرحه الزّمان المؤسّـي؟

كـلّـمـا مـرّت الـلّـيـالــي عـلـيـه

رقّ والعهـد في الليالـي تقسّــي

كذلك قصيدة “مضناك جفاه مرقده” كمعارضة لقصيدة القيرواني “يا ليل الصب متى غده”، وفيها يقول:

مُضنـاك جـفـاهُ مَرْقَـدُه

وبـكـاه ورَحَّــمَ عُــوَّدُهُ

حيرانُ القـلـبِ مُعَـذَّبُـهُ

مقروح الجفـنِ مسهَّـدُه

أودى حـرفـاً إلا رمـقـاً

يُبـقيـه عـلـيـك وتُنْـفِـدهُ

يستهوي الوُرْق تأوُّهـه

ويذيـب الصخـرَ تنهُّـدهُ

اعتُبر النقاد شوقي رائد المسرح العربي، حيث ملأ فراغًا في الأدب المعاصر، فكتب عددًا من المسرحيات الشعرية تناولت مادتها الأولية من التاريخ القديم ومن الحياة الاجتماعية المعاصرة، وجعل لكل مسرحية منها هدفًا متمثلًا باتجاه معين أو عبرة أو قيمة أخلاقية، وقد اتسم أدبه المسرحي بتأثره بالأدب الأوروبي، مستفيدًا من مطالعاته في الأدبين الفرنسي والإنجليزي، منها (مصرع كليوباترا، قمبيز، علي بك الكبير) ودار الحديث فيها عن المشاعر الوطنيّة، إضافة إلى تناول بعضها مواضيع الحبّ والعاطفة الواقِعين في التُّراث العربيّ، وهما (مجنون ليلى، عنترة)، أمّا بالنّسبة للمسرحيّة السّادسة، فكانت بعنوان (السِّت هُدى)، وهي مسرحيّة من نوع الملهاة، وكانت تحمِل الطّابع المِصريّ حيث جمع في كتاباته المسرحية بين التيارين الكلاسيكي والرومانتيكي.

 لم يكتب شوقي الكثير من الكتب، واقتصر على كتابين هما: كتاب (أسواق الذّهب) وهو عبارة عن نصوص نثرية بمفردات صعبة، تناول فيها أمورًا متعلقة بالحياة البشرية، وكتاب (دول العرب وعظماء الإسلام) والذي يعتبر علامة بارزة في تاريخ الأدب العربي، فهو عبارة عن أراجيز مزدوجات تحدث فيها عن سيرة سيدنا محمد ﷺ، وسيرة الخلفاء الراشدين، وسير رجال آخرين، وذكر دول العرب في العصور الأمويّة، والعباسيّة، والفاطميّة.

وقد نظمّ شوقي الشعر في عدد من الأغراض، مثل الرثاء، والمدح،  والحكمة، والوصف، ومن ذلك قوله في وصف الطبيعة:

تلك الطبيعة، قِف بنا يا سـاري

حتى أُريـكَ بديـعَ صُنْعِ البـاري

الأَرضُ حولك والسماءُ اهتزَّتا

لـــروائــع الآيــــاتِ والآثــــار

من كلّ ناطقـة الجـلال، كأَنهـا

أُمُّ الكتـاب على لسـان القـاري

والغزل، فيقول:

مضنى وليس بـه حـراكْ

لــكـنْ يـــخِـــفُّ إذا رآكْ

ويـمـيـل مـن طــربٍ إذا

ما ملتَ يا غصنَ الأراك

إن الجـمـال كـسـاك مـن

ورق المحاسن ما كساك

إضافة إلى الشعر السياسي والوطني، وقد أبدع في نظْمه حتى صعد إلى القمة، حيث اتسم بقوة العاطفة، وسعة الخيال، وسلاسة الألفاظ وعذوبتها، وسهولة الأسلوب، وقوة التراكيب. 

كما ظهر تأثر الشاعر بالجانب الإسلامي بقوة في شعره، لاسيما تأثره بالقرآن الكريم الذي يُعتبر المرجع الأول له، كما أكثر من ذكر الأخلاق في شعره والحث عليها، ومن ذلك قوله:

صلاح أمرك للأخلاق مرجعـه

فقـوم النفـس بالأخـلاق تستتقـم

وقوله:

وإنمـا الأمـم الأخـلاق ما بقيت

فإن همو ذهبت أخلاقهم ذهبوا

يمتاز شعره بقوة البيان، وروعة الموسيقى الشعرية وقدرته على استخدامها بذكاء لإظهار المعنى المُراد إيصاله، وسعة الأفق، والتعمق في استيعاب الحوادث التاريخية، قديمها وحديثها، كما امتلك ثروة لغوية غزيرة، كان لها أثر في شعره ما جعله يعتلي عرش الشعر العربي فلُقب بأمير الشعراء، باتفاق الجميع في ذلك الوقت، وهنا يقول حافظ إبراهيم:

أميـرَ الـقـوافـي قـد أتيـتُ مُبـايِـعًـا
وهذي وفود الشعر قد بايعَت معي

ومما تذكره كتب التاريخ، أنه أوصى بأن يُكتب على قبره بيت من قصيدة (نهج البردة) التي نظمها في مدح رسول الله ﷺ، هذا البيت هو:

إنْ جَلَّ ذَنْبِي عَنِ الغُفْرانِ لي أمَلٌ

فِي اللهِ يَجْعَلُنِي فـي خَيْرِ مُعْتَصـمِ

شارك شوقي معاصره البارودي في إحياء الشعر العربي، وبعثه من جديد، حيث أسسوا مدرسة “الإحياء” أو “البعث”؛ لأنها أحيت الشعر العربي وبعثته من جديد، كما حافظت على وزن الشعر وقافيته، والأغراض القديمة، إضافة إلى ابتكار أغراض أخرى دعت إليها ظروف الحياة، كالشعر الوطني، والتأمُّلي، كما اهتَمُّوا بمُستجَدَّاتِ العَصْرِ مِنَ الاختِراعاتِ الحَديثةِ، كقَولِه عن الطَّائِرةِ:
مَركَبٌ لَـو سَـلَـفَ الـدَّهــرُ بِـهِ
كانَ إحدى مُعجِـزاتِ القُـدَماءْ
نِصفُـهُ طَيـرٌ وَنِـصـفٌ بَـشَــرٌ
يا لَها إحدى أَعاجيبِ القَضاءْ
رائِـعٌ مُــرتَـفِـعًــا أَو واقِـعًــا
أَنفُسَ الشُّجَعانِ قَبـلَ الجُبَنـاءْ

وخير خاتمة لمقالي قصيدة “نهج البردة” التي عارض فيها شوقي قصيدة “البردة” للبوصيري حيث يقول في مطلعها: 

أمِــنْ تــذَكُّـرِ جـيـرانٍ بــذي ســلــمِ

مزجتَ دمعًـا جـرى من مقلـةٍ بــدمِ


فيقول شوقي:
ريمٌ عَلى الـقـاعِ بَيـنَ البـانِ وَالعَلَـمِ

أَحَلَّ سَفكَ دَمي في الأَشهُـرِ الحُـرُمِ

رَمـى الـقَضاءُ بِعَينَي جُـؤذَرٍ أَسَــدًا

يا ساكِنَ القـاعِ أَدرِك ساكِـنَ الأَجَـمِ

لَمّـا رَنـا حَـدَّثَـتـني الـنَـفـسُ قـائِـلَـةً:

يا وَيحَ جَنبِكَ بِالسَهمِ المُصيبِ رُمي

 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود