104
0
71
1
116
1
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12339
0
12074
0
11730
1
10913
5
8743
0

عبدالعزيز قاسم*
ما إن لامست عجلاتُ الطائرة أرض الدّمّام، واندفع الرّكّاب في ممشى القادمين، حتّى انسحبت إلى أوّل طاولةٍ صادفتني، لأدوّن ما اعتورني من مشاعر، وتجدني وقد فتحت “اللاب توب” خاصّتي، كمن يفتح درجًا قديمًا يخاف ما سيخرج منه. كنت أعرف أنّي إن لم أكتب الآن، فورًا، ستتسرّب هذه اللّحظات من داخلي كما يتسرّب الرّمل من كأسٍ مثقوبة.
تعلّمت من عملي في الإعلام، أنّ الفكرة إن لم نسطّرها في لحظتها، سنبحث عنها غدًا في خرائب الذّاكرة الشّاحبة فلا نجدها.
سأدلف بكم إلى حكاية هاته الخاطرة، ذلك أنّني بينما كانت الطائرة تنهب المسافة بين جدّة والدّمّام، وتعلّقت روحي في ذلك البرزخ الأزرق بين السّماء والأرض؛ قرّرت أن أنفض الغبار عن ذاكرتي الإلكترونيّة. أكثر من ثمانية آلاف اسمٍ، تكدّست في هاتفي، كأنّها حيواتٌ مؤجّلة، أو شظايا عمرٍ مبعثرة، عزمت على “تصفيتها” في رحلة ساعتين، فإذا بي أدخل في رحلةٍ وجوديّةٍ، ومساءلةٍ قاسيةٍ لمعنى البقاء والأثر.
يا سادة، كلّ رقمٍ في الجوّال؛ مربوطٌ به سؤالٌ معلّق: ماذا بقي منك فيه، وماذا بقي منه فيك؟
بدأت عمليّة الحذف بدمٍ باردٍ، مستلًّا مقصلة النّسيان. تساوى الكلّ في جوّالي، فبتُّ إن مرّ عليّ أحدٌ من أولئك الّذين اتّخذناهم جسورًا لقضاء حوائجنا الدّنيويّة؛ سبّاكٌ هنا، ونجّارٌ هناك، وكهربائيٌّ أصلح عطبًا في الجدار ولم يصلح عطب الذّاكرة؛ أحذفه فورًا.
مائة اسمٍ أو يزيدون، أزلتهم كلّما مرّوا عليّ، وتساءلت: هل نحن في حيوات الآخرين مجرّد أرقامٍ وظيفيّةٍ، تنتهي صلاحيّتها بانتهاء المصلحة! كم هو موحشٌ أن يختزل الإنسان في “مهمّة”، ثمّ يلقى به في سلّة المهملات الرّقميّة!
باختصارٍ وواقعيّة: من يراك “مهمّةً” سينساك بانتهائها؛ ومن يراك “إنسانًا” سيحملك ولو بلا رقم.
القائمة الثّانية الّتي لطمتني، وجعلتني أؤمن أنّني تقدّمت بالعمر، عندما دلفت إلى المنطقة الرّماديّة، “منطقة الشّفق”، حيث الأسماء الّتي فقدت ملامح أصحابها. وجوهٌ التقيناها في مؤتمراتٍ صاخبة، أو دوراتٍ عابرة، تبادلنا الأرقام بحماسٍ لحظيٍّ، وحرارةٍ وقتيّة، ثمّ طوتنا وإيّاهم مشاغل الحياة.
آلاف الأسماء الّتي وقفت أمامها حائرًا: من هؤلاء؟ وأين تقاطعت خطانا؟ أدركت حينها هشاشة العلاقات البشريّة الّتي لا تسقى بماء الوصل، وكيف أنّ الذّاكرة -تلك الخائنة- تسقط الغرباء سريعًا لتفسح الطّريق للذّات.
في النّهاية، ذواكرنا (غربالٌ) لئيمٌ؛ لا يبقي إلّا من حفر وشمًا في الرّوح، أمّا وجوه المجاملات الباردة والابتسامات البلاستيكيّة، فتسقط سقوط الرّمل بلا صوتٍ ولا أثر.
هي سنّةٌ كونيّة: العلاقات الّتي لا تسقى تذبل بصمت، ثمّ تختفي من الذّاكرة.
أمّا القائمة الثّالثة من الأسماء، فهي الّتي انبثقت فجأةً من بين ركام النّسيان، أسماء تلمع كالنّور، لأصدقاء وأحبابٍ باعدت بيننا المسافات، لكنّ أرواحهم ما زالت معلّقةً في الوتين، بالتّأكيد أعرفهم تمامًا، وأتذكّر سُحنهم وأيّامي معهم: رفاق صبًا، أصدقاء عمرٍ، إخوةٌ فرّقتنا المدن ولم تفرّقنا المحبّة. مع كلّ اسمٍ منهم، تهبّ في داخلي رائحة زمن، وضحكة، وليل سهر، وموقفٌ لا ينسى.
الأصدقاء الحقيقيّون لا يسقطون من القلب، إنّما نتعثّر بهم في كلّ ذكرياتنا، لنعرف أنّ العطب في أقدام الوقت لا في ثبات المحبّة.
كانوا على جزءين، فالأوّل ابتلعته الحياة ولم أدرِ أين هو اليوم، والبعض الآخر أعرف أين هو، لكنّها مشاغل الحياة.
شعرت بالخجل: كيف تركت تلك الأسماء يغطّيها الغبار؟
كيف سمحت لتتابع الأيّام أن يجمّد هذا الدّفء؟
هناك، في المقعد الضّيّق، عقدت مع نفسي عهدًا داخليًّا: ما قبل رمضان سيكون موسم ترميم، أمدّ فيه يدي لمن يستحقّ أن تعود إليه اليد، وأستحي من كلّ قلبٍ تركته معلّقًا على جدار الإهمال، سأصلهم ولو باسمٍ واحدٍ كلّ يوم، حتّى مجيء رمضان.
اليد الّتي لا تمتدّ اليوم إلى من نحبّ، قد تمدّ غدًا فوق نعشه، يوم لا تنفع الاتّصالات ولا الرّسائل المؤجّلة، ونندم حينها ولات ساعة مندم!
ثمّ جاءت اللّحظة الّتي خنقتني حقًّا..
وصلت إلى مجموعةٍ من الأسماء تعرف الرّوح قبل العين أنّها مختلفة. أكثر من ثمانين اسمًا، أعرف تمامًا أنّ أصحابها لن يردّوا عليّ لو اتّصلت، ولن يقرؤوا رسائلي لو كتبت. أناسٌ انتهت رحلتهم، وبقيت أرقامهم معلّقةً في هاتفي، كشاهدة قبرٍ رقميّة.
ضغطت على أحد الأسماء طويلًا، ظهرت أمامي خيارات الهاتف الباردة: اتّصال – رسالة – حذف. كانت لحظةً باكية: لو اتّصلت، لن يرنّ الهاتف في جيبه، بل سيرنّ شيءٌ في صدري. لو أرسلت رسالة، لن تصل إلى جهازه، بل إلى ذاكرتي أنا. ولو حذفت… أكون قد أغلقت آخر بابٍ صغيرٍ يفضي إليهم من هذه الدّنيا.
وقفت أمام أسمائهم خاشعًا، أستحضر ضحكاتهم، مشاكساتهم، وتفاصيل صغيرةً كانت يومًا تملأ حياتنا حياة. تردّدت بين أن أمسحهم، فأمزّق آخر خيطٍ رقميٍّ يصلني بهم، أو أبقيهم، وأنا أعلم أنّ أبناءهم أو زوجاتهم ربّما أخذوا الجوّال بما فيه من أرقامٍ أو محوها منذ زمن.
يا الله! ما أقسى المشهد: الهاتف لا يميّز بين الحيّ والميّت، لكنّ القلب يرتجف حين يرى اسمًا لن يضيء شاشته اتّصالٌ منه أبدًا.
يا أحبّة: حين يموت الإنسان، يتحوّل رقمه إلى جمرةٍ في اليد؛ إن أمسكنا بها أحرقتنا، وإن رميناها خنّا العهد.
قرأت الأسماء واحدًا واحدًا.. مع كلّ اسم، يعود مشهد: وجهٌ يبتسم على طاولة عشاء، ملامح متعبةٌ على سرير مستشفى، يدٌ تربّت على كتفي يوم احتجت، صوتٌ يضحك حتّى البكاء، أو يبكي حتّى الضّحك.
بعضهم رفاق طفولة، بعضهم زملاء دربٍ طويل، بعضهم، والله، كانوا أقرب إليّ من بعض الدّم. كيف أتعامل مع هؤلاء؟ أضعهم في خانة “المحذوفين” كما فعلت مع السّبّاك والنّجّار؟ مستحيل.
تركتهم جميعًا…
تركت الأرقام كما هي، ليس لأنّي أوهم نفسي بأنّني سأتّصل بهم يومًا، بل لأنّهم تحوّلوا إلى آيةٍ صغيرةٍ داخل جيبي. كلّما مررت بعيني على الاسم، شعرت كأنّ يدًا تمتدّ من عالمٍ آخر وتربّت على كتفي قائلة:
نحن انتهت رحلتنا، وأنت لا تزال في منتصف الطّريق… فماذا ستفعل بما تبقّى لك؟
يا سادة: أنا لم أبقِ أرقام الرّاحلين لأتّصل بهم، بل أبقيتها لأنّ حذفها يشبه إهالة التّراب عليهم للمرّة الثّانية.
في هذه القائمة تحديدًا؛ تلبّسني همٌّ عميق، وألقيت سلاح الحذف استسلامًا عند تخوم حرف (الميم). لم يكن مجرّد حرفٍ هجائيٍّ، بل كان واديًا سحيقًا من الفقد، تكدّست فيه أسماء الرّاحلين بكثافةٍ مرعبة.
أدركت حينها أنّ القلب البشريّ ليس (قرص تخزينٍ) صلبًا يحتمل كلّ هذا الأسى، وأنّ الموت حين يحتشد دفعةً واحدةً في قائمةٍ صامتة، يصيب الرّوح بخرسٍ لا علاج له.
أطبقت كفّي على الهاتف، فكان انطباقه أشبه بصوت إغلاق تابوتٍ صغير، واريتُ فيه جزءًا حيًّا من فؤادي، لا مجرّد ذكريات.
أشحت بوجهي نحو النّافذة البيضاويّة، والطائرة تتهادى فوق أبنية المطار، ورحت أغرق في سديمٍ من الأسئلة الحائرة.. عن لغز هذا الوجود القصير، وعن سرّ البرزخ الفاصل بين ضجيج الدّنيا وسكون الآخرة، وعن تلك الرّحلة الأبديّة الّتي سنقطع تذاكرها يومًا ما.. بلا حقائب، ولا هواتف، ولا رفاق.
صدّقوني إنّنا حين نغلق هواتفنا هربًا من طوفان الموت، فنحن لا نطفئ شاشةً زجاجيّة، بل نسدل السّتار على فصلٍ من أعمارنا، خائفين من سؤالٍ واحدٍ يتردّد في الأفق: من التّالي؟
حين هبطت الطائرة في الدّمّام، لم أكن الرّاكب الّذي صعد من جدّة قبل ساعتين. نزلت أحمل معي يقينًا جديدًا، قاسيًا وصريحًا: نحن جميعًا أرقامٌ أيضًا، لكن ليست في قوائم الهواتف وحسب؛ نحن أرقامٌ في دفترٍ غيبيٍّ لا نراه، ينتظر كلٌّ منّا مكالمةً واحدةً لا تؤجّل، ولا يمكن أن نضغط فيها “رفض”.
سيأتي اليوم الّذي يطفئ فيه الحيّ القيّوم شاشة وجودنا من هذه الدّنيا؛ تحذف أجسادنا من المشهد، ويبقى اسمنا فقط في هواتف الآخرين: إمّا أن يمرّوا عليه فيبتسموا ويدعوا لنا، أو يمرّوا عليه كما يمرّون على رقم عاملٍ قديم، بلا التفاتة، ثمّ يمحوه أحدهم ذات مساءٍ بضغطةٍ باردة.
وما بين أن تكون “ذكرى طيّبة” تحيا في دعاء، أو “رقمًا زائدًا” يمحى بلا أسف… تعيش الآن. هذه السّاعتان بين جدّة والدّمّام لم تكن رحلة طيران؛ كانت بروفةً صامتةً ليومٍ تغلق فيه كلّ الشّاشات، ولا يبقى إلّا ما زرعناه في قلوب النّاس.
في النّهاية، سنصير كلّنا إشعارًا عابرًا في ذاكرة الحياة: إمّا “ذكرى طيّبة” تفتح بالدّعاء، أو “رقمًا زائدًا” يحذف بلا أسف.
*كاتب من السعودية
التعليقات