مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

هاني الغيتاوي* كما كان والد جون ستيوارت ميل حريصًا على مستقبله، وساهم في بناء لب …

السلطة الأبوية.. وتأثيرها على الفلاسفة والأدباء (2)

منذ أسبوعين

22

0

هاني الغيتاوي*

كما كان والد جون ستيوارت ميل حريصًا على مستقبله، وساهم في بناء لبنات هذا المستقبل، كان والد الفيلسوف والسياسي الإيطالي “نيقولا ميكافيلي”، فقد حرص هو الآخر على تنشئة ابنه، فأغدق عليه من الحنان، وكفله بالرعاية، وشجعه على حب القراءة والاطلاع، فنهل نيقولا من الأعمال الأدبية الكلاسيكية التي كان يقرأها عليه أبوه.

وعلى الرغم من أن الأب لم يكن ثريًا؛ لكنه كان أحرص ما يكون على أن يُزوّد ابنه بكل ما من شأنه أن يزيد من وعيه وثقافته، ولم تقف العقبات المادية وكثرة التكاليف من إصرار أبيه على ذلك، فانتظم ميكايفيلي في دروس الأدب ودرس علم الحساب وتعلم اللاتينية في سن صغيرة، وقد تأثر الابن بأبيه وتشرّب منه ثقافته، كما ظهر تأثر الابن بأبيه من خلال رؤيته له واقتفاء أثره في القراءة وحب الإطلاع، كما تأثر به في علاقاته الإنسانية والإجتماعية، فالأب كانت تربطه علاقات بعدد من رجال البلاط، وهذا يظهر مدى سعة أفقه وقدرته على تكوين علاقات من هذا النوع، ونشأ ميكايفلي وحذا حذو أبيه فربطته علاقات برجال الدولة والبلاط، وظهر أثر ذلك عليه من خلال كتاباته بعد ذلك.

وعلى نفس درب نشأة الفيلسوفين ستيوارت ميل وميكافيلي، كانت خطا الفيلسوف “كارل ماركس” فقد تأثرت نشأته المعرفية بأبيه، فبصره أبوه بمنهجية الحوار، فكان يجري معه نقاشات عن الأخلاق والحرية والدين، وكان كارل ماركس يقضي الوقت الطويل مع أبيه يتناقشا في الأدب والفن والمعرفة، فتدور رحى النقاشات وتتنوع حول أفكار فولتير وقصائد جوته، وكان لهذه النقاشات والحوارات الأثر الكبير في بناء شخصية كارل ماركس الذي سيضيفُ للمعرفة والإنسانية بعد ذلك أفكارًا ما زال رجع صداها يُدوّي في جنبات عدة من عالمنا، وكان صاحب الفضل في ارتقاء الابن هذه الربوة من عالم الأفكار هو أبوه الذي عاش طوال عمره يُمنّي نفسه بأن يُسخّر ابنه عقله ومواهبه لخدمة الناس، وقد جاء في سيرة كارل ماركس أن أباه أرشده لدراسة القانون، وأن ماركس درسهُ نزولًا على رغبة أبيه وإن كان حاد عنه لدراسة الفلسفة التي شغف بها، وقد كتب إلى والده أنه يريد أن يترك دراسة القانون من أجل عشقه الفلسفة، وأخبره أن الفيلسوف ” هيجل ” قد أحدث تقلبات في نفسه وهو يريد أن ينتهي من هذا القلق الذي يعيشه”.

وبالحديث عن هيجل، نجد أن أباه كان صاحب تأثير عليه، فقد كان يرى فيه معالم النبوغ والذكاء الحاد، واختار له طريق الوعظ والكهانة وأراد أن يجعل منه كاهنًا فسجله في الفصل الأكاديمي بجامعة ” توينجن ” لدراسة اللاهوت، وعلى الرغم من أن مسار هيجل تغير لدراسة الفلسفة، فإن تأثير دراسته للاهوت كانت ظاهرة في أعماله الفلسفية.

ومع صاحب الخيال الخصيب، الذي خاض الكتابة في مختلف حقول الأدب كالرواية والشعر والنثر، وتجلت موهبته أكثر في القصص الخرافية والأسطورية وأدب الأطفال.. إنه الكاتب الدنماركي “هانز كريستيان أندرسن” رغم أنه ولد لأسرة فقيره، تعهده أبوه بالرعاية وأغدق عليه من عطفه وحنانه وساعده في أن يشق طريقه ويتغلب على الفوارق الطبقية السائدة آنذاك، فرغم معاناة الفقر والظروف الصعبة، تلقى آندرسن دعمًا من أبيه الذي كان يعمل إسكافيًا.. هذا الإسكافي الذي كان يعشق القراءة والاطلاع، نقل شغفه لابنه من خلال صحبته له والنقاشات معه، وسرد القصص على مسامعه، فقرأ له حكايات “لافونتين” مسرحيات “شكسبير”  لم تحل الظروف الصعبة والشائكة من أن يساعد الأب ابنه ويحفزهُ على القراءة وحب الأدب.

وتظهر عاطفة الأب جلية في علاقة الروائي الأمريكي “جيروم سالنجر” بأبيه.. فهو الذي فتح له نافذة الأدب وحب القراءة، فقد أهداه نسخة من رواية “الأحمر والأسود” للأديب والروائي “ستندال” لدرجة أن سالنجر ظل متأثرًا لفترة طويلة بشخصية “جوليان سوريل” بطل رواية الأحمر والأسود، وراوده حلم بأن يصبح ذات يوم مثل بطل هذه الرواية شغوفًا بالقراءة والمغامرات، فكتب روايته “الحارس في حقل الشوفان”  وحاكى بطل رواية ستندال من خلال تجسيده لشخصية “هولدن كولفيلد” بطل روايته.

كانت هذه بعض الصور لعلاقات الأدباء والفلاسفة بآبائهم، تغلب عليها العاطفة والاهتمام من قبل الآباء لأبنائهم، ومدى تأثير هذه العاطفة وهذا الاهتمام على نشأة الأبناء، وفي هذه الصور تجرد الأباء من عنف السلطة الأبوية وقسوتها.. فكانوا يتحلوا بصدق العاطفة وحنان الأبوة التي تركت أثرًا في نشأة أبنائهم وكان لها الدور الأكبر في تحديد مصيرهم ونسق حياتهم ورسم معالم شخصياتهم وتحديد سماتها، لكن بشكل إيجابي دون اضطرابات نفسية أو انحرافات سلوكية، فعلاقة الآباء بأبنائهم كات علاقة واضحة يتدفق منها الحنان، يجانبها الفتور والغموض والقسوة والاستبداد.

*كاتب من مصر

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود