39
0
48
0
298
0
49
0
36
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12622
0
12116
1
12089
0
11248
5
9025
0

د.هاني الغيتاوي *
ما بين العاطفة والاهتمام والقسوة والاستبداد، كانت هناك منطقة بين بين الآباء لا يظهرون العاطفة ولا يستخدمون القسوة، هم متواجدون فقط في حياة أبنائهم، لكن رغم هذه المنطقة الرمادية التي يعيشون فيها، فهي لا تخلو من التأثير في حياة أبنائهم.
ومن الفنانين الذين يُعدُّ الأب لديهم من هذه الفئة الفنان والرسام الانطباعي “بول سيزان”، فقد خلد سيزان أباه من خلال رسمه في لوحة أطلق عليها “صورة والد الفنان”، هذه الصورة محفوظة في الناشيونال جاليري في واشنطن، ومن قراءة الصورة تتضح علاقة الأب بابنه، فقد رسم سيزان أباه وهو يقتعد كرسيًا وممسكًا بجريدة وممددًا ساقيه إلى الأمام، مائلًا بجسده إلى الوراء، والكرسي المغطى بقماش له دلاله على حرص الأب وبخله، كذلك ملابس الأب وخلفية الصورة التي تبدو وراءه منزوعة الإطار.. كل هذه دلالات توضح معالم شخصية الأب الذي هو عبارة عن كتلة لا تعرف غير الحقائق، فالأب برجوازي لا يشغله غير المال، وظهر ذلك جليًا عندما علم أن ابنه يهوي الرسم، فكان يقول له عقب تقديم المساعدة المالية له: “فكر بالمستقبل، فالإنسان يموت بعبقريته لكنه يأكل بالمال”، كانت العلاقة بين الأب وابنه علاقة فاترة لا تميل إلى العاطفة والاهتمام المناسبين من قبل الأب ولا تجنح إلى العنف والقسوة.
ومن العلاقات التي يتم وضعها في هذا الإطار علاقة الأديب والروائي ” ألكسندردوماس” بابنه “ألكسندر دوماس الابن” الذي أخذ اسم أبيه، فعلى الرغم من أنه أحد الأبناء غير الشرعيين لأبيه؛ لكنه أعجب بشخصه وفنه وأراد أن يكون أديبًا وروائيًا مثله، وقد تحقق له ما أراد وسلك نفس طريق أبيه.
ومن ألكسندر دوماس الابن الذي سلك درب أبيه إلى الأديب الفرنسي “مارسيل بروست” الذي كان يتطلع إلى أبيه ويرى فيه نموذجًا ناجحًا، هذا النجاح والتفوق للأب جعل ابنه مارسيل يشعر بصغر حجمه مقارنة بأبيه الذي كان يتوهج ويأتلق كطبيب حقق شهرة كبيرة في معالجة الأمراض المعدية، وتم تقديره ومكافأته بإطلاق اسمه على أحد المستشفيات في مرسيليا.
يكتب بروست في يومياته ويؤكد على أنه كان ينتابه شعور بالدونية مقارنة بأبيه، وأنه يخشى أن يكون الوجه السلبي لحياة أبيه المليئة بالعمل والنشاط.
لا شك أن العلاقة بين الأب وأبنائه تدور بين الإيجابية والسلبية عليهم، فهي تساهم في تنشئتهم الاجتماعية، وهي إمَا تكسب الأبناء الشخصية المثالية والاعتداد بالذات وإما تصيبهم بالاضطرابات النفسية والانحراف بالسلوك، وفي الحالتين يكون الأب موجودًا بين الأبناء، يرونه ويتأثرون به، لكن هل يكون للأب هذا التأثير حال عدم وجوده بين الأبناء؟ أي أنهم لم يرونه ولم يسبق لهم أن اختلطوا به أو عاصروه، فقد يتوفى عنهم وهم صغار، وهذا ما حدث مع الفيلسوف “جان بول سارتر”، فقد توفي عنه أبوه وهو في سن صغيرة، وكان لغياب الأب تأثير كبير على حياة هذا الفيلسوف وتفكيره، فظل يبحث عن ملاذ آمن يحتمي به، بعدما راحت تنهشه الوحدة والشعور بعدم الأمان، فراح يبحث عن هذا الأمان في علاقات أخرى، فوجد ذلك في جده الذي كان يمثل له القدوة واليد الحانية التي تأخذ بيده لتسير به في درب الحياة، ورغم عدم التقاء سارتر بأبيه، فإن غيابه عنه كان يرمز لغياب القواعد الأخلاقية أو القيم المجتمعية، ما جعله يحمل على عاتقه المواجهة وتحمل مسؤولية اختياراته، وينعى سارتر طفولته بدون أب فقال: “كرهت طفولتي وكل شيء بقي منها”.
لأن بغياب الأب حل الجد مكانه وتأثر به سارتر وعمّق فيه روح العزلة في مرحلة نشأته، وعبر سارتر عن علاقته بجده في مذكراته المسماة “الكلمات” فقال: “كنت أبقى في المنزل بسبب أنانية جدي وموقفه الاستحواذي”.
ومن سارتر إلى فيلسوف آخر توفى عنه أبوه وهو في الثالثة من عمره، إنه الفيلسوف الإنجليزي “براتراند راسل”، كان لوفاة أبيه تأثير عليه فقد افتقد وجوده في حياته، لكن موت الأب لم يمنع أن يتأثر الابن بما تركه والده من إرث فكري وأخلاقي بلور فكر راسل وأثر على رؤيته للعالم، وعلى الرغم من أنه نشأ في كنف جده، لكنه لم يفتأ ينبش عن إرث أبيه الفكري، ويفتش عن سير حياته ومنهجه فيها، وقد توصل إلى نقاط مشتركة بينه وبين أبيه، فقد رأى أنه اجتاز المراحل بعينها التي اجتازها أبوه في تطور عقله وشعوره.
ومن فيلسوفين تأثرا بأبيهما رغم عدم اختلاطهما بهما، نظرًا لوفاتهما المبكرة عنهما، إلى فيلسوف عاصر أبيه فترة ليست بالقصيرة، وتوفي عنه وهو في سن السابعة عشرة، وكانت لوفاة الأب التأثير الكبير على حياته، إنه فيلسوف التشاؤم “آرثر شوبنهاور” الذي كان خبر وفاة أبيه له الأثر الصادم عليه وكان من الأسباب التي جعلته يتبنى فلسفة التشاؤم، فوفاة الأب بطريقه غريبة وسقوطه من سقيفة المنزل، جعلت الابن يتساءل هل كان ذلك حادثًا أم انتحارًا؟!
لم يعرف الابن الجواب، لكن كان لهذا الحادث تأثير كبير عليه وجعله يصاب بالتشاؤم.
يقول شوبنهاور: “حين كنت في السابعة عشر من عمري، دون تعليم مدرسي نظامي جذبني بؤس الحياة”.
وإن كانت وفاة الأب لها تأثير على حياة الابن بأن جعلته بائسًا متشائمًا، فلا يرجع هذا للوفاة فقط، فالفيلسوف ورث عن أبيه مزاجيته المتشائمة وتقلباته الشديدة، ولقد اعترف شوبنهاور بهذه الوراثة لهذا المزاج المتقلب، فجاءت فلسفته على هذا النحو من التقلب والتشاؤم، فرؤيته للحياة تتلخص في أنها مليئة بالمعاناة والرغبات التي لا يمكن إشباعها.
*كاتب مصري
التعليقات