104
0
71
1
116
1
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12339
0
12074
0
11732
1
10914
5
8743
0

عبدالعزيز بن بعجان *
قال تعالى “ويضرب الله الأمثال للناس لعلّهم يتذكرون” [إبراهيم: 25]
في كلامنا الدارج وحديثنا الدائم، لا يخلو كلامنا من الأمثال، سواءً كانت شعبية أو فصيحة.. لذا أتى هذا المقال. في هذا السرد أذكر بعض الأمثال الشهيرة التي وراؤها قصص يستشهد بها الناظر ويتسلبها الخاطر. وقد آثرتُ لكم من الأمثال ما تستتر وراءها رواية؛ لأن المثل —على قصر لفظه— قد يحمل من التاريخ ما لا تحمله الصفحات. وإن كثيرًا من أمثالنا التي نقولها متعةً واحتجاجاً، كان لها حكايات صنعتها الوقائع فصاغتها الألسن لتستقر معنا في ذواكرنا.
ولما كانت هذه الأمثال تُطلق غالبًا من أفواه الحكماء، وكان نبينا محمد ﷺ أحكم الناس وأفصحهم لسانًا وأقوَمهم بيانًا.. صارت البداية واجبةً بشيء مما قاله ﷺ فليست العبارة وحدها بديعة، بل أيضًا خلفها قصة لطيفة:
وذلك أن رسول الله ﷺ سأل عمرو بن الأهتم وقال: أخبرنا عن الزبرقان والزبرقان حاضر، فقال: إنه مطاعٌ في أذنيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ظهره.
فقال الزبرقان: يا رسول الله، إنه ليعلم مني أكثر من ذلك، ولكن حسدني.
فرد على الفور عمرو بن الأهتم وقال: والله يا رسول الله، إنه لزمر المروءة، ضيق العطن (أي قليل المروءة وضيّق الصدر) حديث الغنى، أحمق الوالد لئيم الخال.
فلما تنكّر عليه مدحه إياه ثم ذمّه على الحال كأنه كاذب، أكمل فقال:
وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى، لكني رضيت فقلت بأحسن ما علمت، وسخطت فقلت بأسوأ ما علمت.
فقال النبي ﷺ: إن من البيان لسحرا.
وفي ذلك وقفة عظيمة.. كيف المرء يقول أحسن ما يرى عندما يكون راضيًا ويذكر أسوأ ما يرى حينما يسخط.
ومن العجيب كيف سخط الزبرقان من قول عمرو رغم مدحه إياه، لكن حين تعود لمدحه تراه لم يزد على أن وصفه بما يوصف أي رجل آخر وهو أنه مطاع عند أهله، شديد الحجة والكلام، وهو أيضًا يحمي أهله وذلك حال الكثير، فأراد أن يبيّن أنه أكثر من ذلك.
كان أول من قالها سعد بن مالك، وله فيها قصة عجيبة.. فقد روي أنه أتى النعمان بن المنذر الملك المعروف بخيل يقودها وأخرى كان قد عرّاها – أي تركها تمشي دون خطام – فقيل له لم عريت هذه وقدت هذه؟ فقال لم أقد هذه لأمنعها ولم أعر هذه لأهبها، والنعمان ينظر، فدخل على النعمان فسأله عن بلاده وأرضه..
فقال سعد: أما مطرها فغزير وأما نبتها فكثير.
فقال له النعمان: إنك لقوّال، وإن شئت أتيتك بما تعي عن جوابه.
فقال سعد مجيبًا: نعم، فأمر النعمان وصيفًا له أن يلطمه.. وكان النعمان يختبره اختبارًا شديدًا..
فلطمه الوصيف وقال النعمان: ما جواب هذه؟
فقال سعد: سفيه مأمور، فأرسلها مثلًا.
قال: الطمه أخرى، فلطمه.. وسأله: ما جواب هذه؟
فقال سعد: لو أخذ بالأولى لم يعد للأخرى، فأرسلها مثلًا.
فقال: الطمه ثالثة.. فلطمه وقال: ما جواب هذه؟
فقال سعد: ربٌ يؤدب عبده، فأرسلها مثلًا.
فقال النعمان: الطمه أخرى.. فلطمه الوصيف وقال: ما جواب هذه؟
فقال سعد: ملكت فأسجح – وأسجح تعني العفو.
فقال النعمان: أصبت فامكث عندي، فبقي عنده ما بقي، وله قصة أخرى عجيبة مع أخيه عمر في قرع العصا، لكن نكتفي بهذه من سعد.
كان إذا اجتمع أبو حنيفة بطلابه في المسجد يمدّ رجله كيلا تؤلمه ساقه بالجلوس الطويل، فدخل رجل غريب غير الطلاب الذين اعتادهم، فسرعان ما استقام في جلسته احترامًا للرجل، لكن عندما بدأ الرجل في الأسئلة وقد تبين لأبي حنيفة عقل الرجل..
مدّ رجله وقال: آن الأوان أن يمد أبو حنيفة رجله، غير مكترث بالرجل بعدما رأى منه ما رأى من عقله.
وقد قرأت مرة أن رجلاً أتى بجاه وقافلة وحرس ولباس أنيق ويمشي متبختراً.. فرآه شيخ وقال: تحدث حتى أراك.
وفي ذلك مدلول أن الرجل لا يساوي شيئاً إن لم يكن في خزينته عقل يرجى به.
وقد سمعت أن اللسان يكون في أسوأ حال المرء في شبابه، فكانوا يحمدون الله إذا خرجوا من عمر الشباب دون كارثة لسانية توسمهم بالعار.
يقال أن رجلاً من دهاة العرب كان يدعى شنٌ حلف أن يطوف الأرض حتى يجد امرأة مثله يتزوجها، فبينما هو مسافر التقى برجل في الطريق، فسأله أين تريد؟ فقال كذا وكذا وذكر القرية التي يريد شنٌ قصدها، فاتفقا أن يترافقا الطريق، فبينما هم في مسيرهما قال شن للرجل: أتحملني أم أحملك؟
فقال الرجل: يا جاهل كل منا راكب على فرس، فكيف أحملك أو تحملني؟
فسكت شنٌ وأكملا المسير، فإذا بزرع كان قد استحصد، فقال شنٌ للرجل: أترى هذا الزرع أكل أم لا؟
فقال الرجل: يا جاهل ترى نبتًا مستحصدًا فتقول أكل أم لا؟
فسكت عنه شن حتى دخلا القرية لقيا جنازة فقال شن: أترى صاحب هذا – يعني النعش – حيًا أم ميتًا؟
فقال الرجل: ما رأيت أجهل منك، ترى جنازة تسأل عنها أميت صاحبها أم حي؟ فسكت عنه شنٌ وأراد مفارقته، وكانا قد وصلا القرية، لكن الرجل أصر عليه أن يصير إلى منزله ويكون ضيفه. وكان للرجل بنت يقال لها طبقة، فلما دخل عليها أبوها سألته عن ضيفها وأخبرها ما حصل منه وشكى إليها جهل الرجل الذي رافقه بالسفر، فسألته عما بدر منه ليقول عنه جاهل، فأخبرها بالقصة كاملة فقالت: يا أبت، ما هذا بجاهل.
أما قوله: أتحملني أم أحملك.. فأراد أتحدثني أم أحدثك حتى نقطع الطريق والوقت.
وأما قوله: أترى هذا الزرع أكل أم لا.. فأراد هل باعه أهله فأكلوا ثمنه أم لا.
وأما قوله في الجنازة: أترى صاحب النعش حي أم ميت.. فأراد هل ترك عقبًا يحيا بهم ذكره أم لا.
فعاد الرجل لشنٌ وأكل معه وحادثه ثم قال له: أتحب أن أفسّر لك ما بدر منك؟ فقال شن مستغبًا: نعم، فلما شرح علم شنٌ أن هذا ليس من حديثه فاعترف الرجل وقال: إنها ابنة لي.. فخطبها شنٌ في الحال وتزوجها.
ولما عاد شنٌ لأهله كان كل الناس ينتظرون أن يروا زوجته التي تزوجها، وما لبثوا معها قليلًا حتى خرجوا من عندها وهم يقولون “وافق شنٌ طبقة”.
وقصته أن امرأة كانت متزوجة لرجل اسمه عروس، فمات وتزوجت من رجل آخر، لكن ما زال قلبها يهوى عروس، وهي تذكره وتنحب عليه أمام زوجها، وقد أهملت نفسها فلما أنكر منها زوجها ذلك ورأى منها ما رأى طلب منها التزين والتعطر، فقالت: لا عطر بعد عروس.
ويضرب المثل إذا جاء الشيء بعد كماله، أو بعد انتهاء محله، فلا قيمة له.
وقد حفلت كتب الأمثال كـ«مجمع الأمثال» لأبي الفضل الميداني و«جمهرة الأمثال» لأبي هلال العسكري، بكثيرٍ من الأمثال والقصص التي تستحق أن تُروى على نطاقٍ أوسع.
* كاتب سعودي
التعليقات