مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

الكاتبة: حصة بنت عبد العزيز* في كل مرة يدخل فيها طفل إلى مكتبة، أو يتأمل رفوف ال …

كيف يختار الطفل قصته دون أن يخبرنا؟

منذ 4 ساعات

9

0

الكاتبة: حصة بنت عبد العزيز*

في كل مرة يدخل فيها طفل إلى مكتبة، أو يتأمل رفوف الكتب في معرض للكتاب، يحدث فعل قرائي خفيّ لا ننتبه إليه كثيرًا؛ فالطفل لا يشرح أسباب انحيازه لنص دون آخر، ولا يملك لغة نقدية أكاديمية يبرر بها قراره، لكنه مع ذلك يمارس فعلًا بالغ الأهمية، إنه يختار.

يبدو هذا الاختيار عفويًا في ظاهره، لكنه يخفي وراءه عوالم من التفاعل الوجداني، والفضول المعرفي، والأسئلة الداخلية. فالطفل يخبرنا كثيرًا عن القصة التي يريدها، لكنه يفعل ذلك بطريقته الخاصة؛ فقد يجذبه نداء الغلاف الملوّن، أو شخصية تشبهه، أو مشهد يوحي بمغامرة تنتظره بين الصفحات. إنه يبحث، في المقام الأول، عن بوابة يعبر منها إلى فضاء الحكاية.

وكثيرًا ما ينجذب الأطفال إلى النصوص التي تلامس أسئلتهم الداخلية الصامتة؛ فالطفل الذي يبحث عن صديق قد يميل إلى حكاية تتناول الصداقة والانتماء، والذي يواجه مخاوفه الصغيرة قد يجد نفسه في قصة بطل يتجاوز قلقه بشجاعة. إنهم يبحثون بين السطور عن انعكاسٍ لذواتهم، أو عن مساحة حرّة تساعدهم في فهم العالم وإعادة اكتشافه.

ويظل عنصر الدهشة السر الأجمل والأكثر تأثيرًا في جذب القارئ الصغير؛ فالطفل بطبيعته ميّال إلى الاكتشاف، والتساؤل، والمغامرة التخيلية. لذلك تنجح القصص التي تفتح أبواب الخيال وتدعوه إلى التفاعل مع الحكاية، بينما تفقد النصوص الوعظية المباشرة قدرتها على الوصول إليه؛ لأنها تنسى أن الأدب متعة جمالية قبل أن يكون رسالة مسبقة الصنع.

وحين تمتد يد طفل إلى كتاب من بين عشرات الكتب الأخرى، فإنه يعلن في تلك اللحظة عن ذائقته الأولى دون أن يتكلم؛ يخبرنا بما يثير فضوله، وما يشغل مخيلته، وما يحتاج إلى قراءته في تلك المرحلة من عمره. من هنا تتجلى المهمة الحقيقية لكاتب أدب الطفل؛ أن يحسن الإصغاء إلى الرسائل الصامتة الكامنة في اختيارات الأطفال، وأن يحولها إلى حكايات نابضة بالحياة، قادرة على أن تجد طريقها إلى قلوبهم وعقولهم معًا،
وهذا وإن كان أمرًا صعبًا ويحتاج كاتبًا صاحب رؤى حقيقية وأخيلة واسعة، إلا أنه سيخرج لنا أجيالًا سوية من الأطفال القادرين على بناء أجمل وأفضل الأوطان التي يعيش فيها صفوة البشر.

 

* كاتبة سعودية
@7aerh_4

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود