690
0
278
0
381
0
778
0
691
0
5
0
16
0
2
0
13
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13628
0
13468
0
12292
0
12177
0
9633
0

حوراء عايد*
عادت حور من مدرستها بعد يوم طويل، تحمل حقيبتها كأنها تخشى أن يتسلل منها شيء خفيف لا يُرى.. دخلت الغرفة وصرخت بدهشة وفرح:
– أمي… العطر الذي وضعته لي في الصباح ما زال يملأ كتبي وملابسي! كيف وصل إلى كل الصفحات؟
– ابتسمت الأم، وجلست قربها، ومسدت على شعرها:
_ يا حور… بعض الروائح تعرف طريقها وحدها، وترافق من يختارها أينما ذهب.
رفعت حور رأسها بفضول:
– يعني… العطر يعرفني؟
– بل يشبهكِ، فكما تمضين بالعطر، تمضين بوجودك في كل مكان… ويترك أثرًا لا يُرى، لكنه يُحس.
– جلست حور قرب كتبها، وتعلقت بها عيناها كما لو كانت تتتبع أثرًا خفيًا، ثم قالت بحماس:
– زميلاتي يعرفن أنني وصلت قبل أن أتكلم… لأن رائحتي تسبقني!
– ضحكت الأم بخفوت وقالت:
– ذلك لأن لكلٍّ منا عطرًا خاصًا… ليس ما نضعه على ملابسنا، بل ما ينبعث منا بلا قصد.
– فتحت حور زجاجة عطرها الصغيرة، ورجّت قليلاً منها، وابتسمت وكأنها اكتشفت سرًا جديدًا:
– أريد أن يكون لي عطر يبقى… كأنه جزء مني.
ابتسمت الأم، وقالت برقة:
– سيبقى… فبعض العطور لا تُصنع في القوارير، بل في الذاكرة.
ومنذ ذلك اليوم، أصبحت حور تختبر روائحها كما تُجرب الألوان في دفتر الرسم، تبحث عن النفحات التي تشبهها أكثر، وتستمتع حين تكتشف لكل رائحة سرًا صغيرًا. وأحيانًا، كانت أمها تهديها قليلاً من عطر جديد، فتشعر رهف وكأنها تكبر رائحةً لا عمر لها، وترافقها أينما ذهبت.
هكذا ظلّ العطر بالنسبة إليها بداية للطفولة، وبداية للذاكرة الأولى…
قارورة ذات ملمس ناعم، تحمل رائحة تمنح الاطمئنان والعافية والسعادة…
للذين سيكبرون، ولا تكبر عطور طفولتهم.
* كاتبة عراقية