الأكثر مشاهدة

الكاتب: حسين عبروس* في النص الأدبي الموجه للطفل، لا تسكن المعاني متون الكلمات وح …

الفراغ وسؤال المعنى في أدب الطفل

منذ أسبوعين

41

0

الكاتب: حسين عبروس*

في النص الأدبي الموجه للطفل، لا تسكن المعاني متون الكلمات وحدها، بل تتخذ من الفراغات المحيطة بها مستقراً لها؛ تقيم في ذلك الصمت الذي يلمح أكثر مما يصرح، ويترك للقارئ الصغير متعة الكشف ودهشة الارتحال.

ففي القصيدة والقصة والرواية الموجهة لليافعين، يستحيل الفراغ لغةً خفيةً تساهم في تشييد الدلالة وتوسيع آفاق التأويل، ومن خلال هذا التواشج الخلاق بين “القول” و”المسكوت عنه”، يتشكل الأثر الوجداني العميق، ويتحول القارئ من متلقٍ ساكن إلى شريكٍ فاعل في خلق المعنى.
إن النص الأدبي لا يتأسس على ما يبوح به فحسب، بل على ما يختار بعناية ألا يقوله، فالمعنى في الأدب لا يُسكب سكباً في وعي المتلقي، ولا يُقدَّم كوجبة مكتملة ونهائية، بل يتبلور في تلك “المنطقة الوسطى” الرابطة بين الحضور والغياب، وبين الكلمة والفراغ المجاور لها، هذا البياض ليس ثغرة في البناء، ولا عجزاً في التعبير، بل هو ركن جمالي أصيل، وشرطٌ جوهري لحيوية النص وقدرته على استنطاق كوامن النفس.
الفراغ في النص هو المساحة التي يتوارى فيها صوت الكاتب ليتيح المجال لتدخّل القارئ؛ سواء كان فراغاً دلالياً ناتجاً عن الحذف والإضمار، أو بنيوياً يتجلى في “سكتات” الصمت بين الجمل والأسطر، أو تأويلياً يكمن في الغموض الشفيف والنهايات المشرعة على الاحتمالات.

والكاتب المبدع لا يترك هذا الفراغ عبثاً، بل يراهن عليه بوصفه طاقةً خفية تستفز الذهن والوجدان معاً.
في الشعر، يتجلى الفراغ بوصفه جوهر التجربة ونواتها؛ فالشعر لا يشرح ولا يقرر، بل يكتنز ويختزل، معتمداً على وهج الصورة لا على مباشرة العبارة،  وكثيراً ما يكون الصمت بين بيتين أو البياض الذي يعقب سطراً شعرياً، أبلغ من الكلام ذاته؛ إذ يُدفع القارئ للإصغاء إلى “ما وراء اللغة”، هنا يتحول المعنى إلى تجربة داخلية، وتكف القصيدة عن إملاء الأفكار، لتفتح في نفس الطفل آفاقاً لم يكن واعياً بها، مولّدةً دهشةً هادئة وتوتراً جمالياً يجعل القارئ شريكاً في كتابة القصيدة لا مجرد مستهلك لصورها.
أما في القصة القصيرة، فيتخذ الفراغ طابعاً أكثر حدة وتكثيفاً، بحكم طبيعة هذا الفن القائم على “اقتصاد اللغة”، فالقصة الناجحة لا تسرد التاريخ النفسي والاجتماعي للشخصيات كاملاً، بل تلتقط لحظةً دالة وتترك ما حولها في الظل. هذا “الظل” هو الذي يحرث في نفسية القارئ، ويدفعه لإعادة بناء ما لم يُكتب.

ومن هنا، فإن القصة القصيرة البارعة هي التي تنتهي على مستوى الحدث، لتبدأ رحلتها الكبرى على مستوى التأثير النفسي.
وفي الرواية، رغم رحابتها الزمانية والسردية، يظل الفراغ عنصراً حاسماً؛ فالرواية لا تكتفي بما ترويه، بل بما تؤجله وتلمح إليه عبر الفجوات الزمنية أو الشخصيات السديمية، هذه الفراغات تمنح القارئ “زمنًا للتورط” في النص، وخلق علاقة حية مع العالم الروائي.

الرواية التي تشرح كل شيء تُنهك القارئ وتصادر خياله، أما التي تترك مساحات للشك والتأمل فهي تفتح أبواباً متعددة للمعنى وتمنحه شعوراً بالحرية والذكاء.
من الناحية النفسية، يعمل الفراغ كمحفز داخلي؛ فالعقل الإنساني مجبول على إكمال الناقص وسد الثغرات، لذا، فإن النص الذي يحتوي على “فراغات محسوبة” يولّد توتراً إيجابياً يستثير الخيال. وغالباً ما يملأ القارئ هذه المساحات بتجاربه الخاصة، فيشعر أن النص يخصه هو، وأنه مرآة لذاته. ولهذا السبب، تظل النصوص الموحية عصية على النسيان، بينما تتبخر النصوص المباشرة بمجرد الفراغ منها.
ختاماً، الفراغ كأداة فنية ليس قيمة في ذاته ما لم ينضبط بالرؤية الجمالية؛ فليس كل غموض عمقاً ولا كل صمت دلالة.

الفراغ الإبداعي هو الذي يغني المعنى ويقود القارئ إلى أفق خصيب، وهنا تتجلى مهارة الكاتب في الموازنة الدقيقة بين الوضوح والإيحاء، وبين الامتلاء والصمت.

إن النص الأدبي الحقيقي لا يملأ القارئ بالكلمات، بل يوقظه بالفراغات؛ فالبياض مساحة للحرية ومنطقة التقاء بين النص والنفس الإنسانية، وكلما كان هذا الفراغ واعياً، ازداد النص قدرة على الحياة وأثراً في الوجدان.

*كاتب وشاعر للأطفال من الجزائر

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود