1046
0
530
0
760
0
474
0
583
0
10
0
8
0
6
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13667
0
13515
0
12342
0
12194
0
9662
0

لطيفة عبدالرزاق المطيري*
في الماضي، كان الأهل يخافون على أطفالهم من الشارع، ومن الغرباء، ومن السقوط أثناء اللعب. أما اليوم، فهناك عالم آخر يبتلع الطفولة بهدوء… عالم لا صوت له، ولا أبواب، ولا حدود، لكنه يدخل كل بيت عبر شاشة صغيرة يحملها الطفل بين يديه.
لم يعد الطفل يعيش طفولته كاملة كما عاشتها الأجيال السابقة. أصبح جزءٌ كبيرٌ من مشاعره، ووعيه، وطريقة تفكيره يتشكل داخل العالم الرقمي. والمشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، بل في أن الطفل أصبح «مرئياً» للجميع، بينما غدت مشاعره الحقيقية غير مرئية لأحد.
الطفل اليوم قد يمتلك آلاف الصور، لكنه يفتقد الذكريات التي تصنعها اللحظات الصادقة.
قد يشاهد مئات الفيديوهات يومياً، لكنه لا يعرف كيف يصف شعوره بالحزن أو الوحدة. وقد يتحدث مع أصدقائه طوال الوقت عبر التطبيقات، لكنه يشعر بالعزلة في غرفته.
والأخطر من ذلك أن الأطفال أصبحوا يكبرون نفسياً بوتيرة لا تناسب أعمارهم؛ فهم يتعرضون يومياً لمحتوى أكبر من قدرتهم على الفهم، ويشاهدون حياةً مثالية، وأجساداً مثالية، وألعاباً لا تنتهي، فيبدأ الطفل بمقارنة نفسه بالآخرين قبل أن يكتشف ذاته أصلاً.
هناك نوع جديد من التعب يصيب الأطفال اليوم، لا يظهر في التحاليل الطبية، ولا يلاحظه المعلمون بسهولة، لكنه حقيقي جداً: «الإرهاق الرقمي العاطفي».
فالطفل الذي يقضي ساعات طويلة أمام المحتوى السريع يفقد تدريجياً قدرته على الصبر والتركيز والتأمل. يصبح معتاداً على المتعة الفورية، فيشعر بالملل من القراءة، ومن الحديث العائلي، وحتى من اللعب الحر الذي كان يوماً لغته الأولى في اكتشاف العالم.
ومن أكثر الأمور التي لا ينتبه لها الكبار أن الطفل لم يعد يحتاج إلى شخص يؤذيه مباشرة حتى يتأثر نفسياً؛ فبعض المقاطع العابرة، أو التعليقات الساخرة، أو المقارنات المستمرة، قد تزرع داخله شعوراً بالنقص يستمر لسنوات.
لكن الحل لا يعني منع التكنولوجيا بالكامل، لأن الطفل يعيش في هذا العصر، وليس في عصر آخر. الحل الحقيقي هو أن نعيد التوازن لحياته؛ بأن نمنحه وقتاً يسمع فيه صوته الداخلي، لا أصوات المؤثرين فقط، وأن نسمح له باللعب الحقيقي، والحديث الحقيقي، والمشاعر الحقيقية.
وهنا تستعيد القصة مكانها، ويستعيد الكتاب دوره. فحين يجلس الطفل مع حكاية جميلة، لا يكتفي بمتابعة أحداثها، بل يتعلم أن يتخيل، وأن ينتظر، وأن يشعر، وأن يرى العالم بعيون الشخصيات. فالقراءة ليست منافساً للشاشة، بل نافذة تمنح الطفل مساحة أرحب لاكتشاف نفسه والعالم من حوله.
الطفل لا يحتاج إلى أحدث جهاز بقدر حاجته إلى شخص ينظر إليه أثناء الكلام، ويستمع إليه دون استعجال، ويشعره بأن قيمته لا تُقاس بعدد المتابعين أو الإعجابات.
فالطفولة ليست مرحلة عمرية فقط، بل مساحة آمنة يتعلم فيها الإنسان كيف يكون نفسه… قبل أن يخبره العالم كيف يجب أن يكون. وإذا أردنا أن نحمي أطفالنا في العصر الرقمي، فعلينا ألا نكتفي بحراسة الشاشات، بل أن نحرس خيالهم أيضاً؛ فالطفل الذي يكبر بين الحكايات والقراءة والحوار يكبر أكثر قدرة على فهم نفسه والعالم.
*كاتبة من السعودية
@tooofa406