مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

الكاتب : حسين عبروس* يُعد شعر الأطفال من أكثر الأجناس الأدبية دقة؛ إذ يقوم على ت …

بين النظم والشعر.. قراءة نقدية في قصيدة «الفلاح» للأطفال للشاعر حمدي هاشم حسانين

منذ 21 ساعة

8

0

الكاتب : حسين عبروس*

يُعد شعر الأطفال من أكثر الأجناس الأدبية دقة؛ إذ يقوم على توازنٍ بين سلامة اللغة، وجمال الصورة، والإيقاع الموسيقي، والقدرة على مخاطبة وجدان الطفل وخياله. ومن هذا المنطلق، تأتي هذه القراءة لقصيدة «الفلاح» المنشورة في باب «أنا أنشد» بمجلة أطفال 999 الإماراتية (عدد يوليو 2026)، في محاولة لاستجلاء مدى تحقق الخصائص الفنية التي تميز القصيدة الموجهة إلى الطفل، بعيدًا عن الاكتفاء بالقافية أو المباشرة في التعبير.

يطرح النص قضية معروفة في أدب الطفل، وهي التداخل بين ” الشعر والنظم ” ؛ إذ يعتمد على جمل تنتهي بقوافٍ متقاربة، غير أن الإيقاع الشعري لا يبدو متماسكًا بالقدر الذي يمنح القصيدة موسيقاها الداخلية، وهي الموسيقى التي تُعين الطفل على التذوق والحفظ والإنشاد. فالقافية، على أهميتها، ليست وحدها ما يصنع الشعر، بل تظل عنصرًا ضمن منظومة فنية متكاملة.

ومن الناحية اللغوية، تبدو بعض التراكيب بحاجة إلى مزيد من السلاسة والدقة. فعبارة: «من أجل غذائي يتحمل» تبدو ثقيلة في سياق الخطاب الشعري، وكان يمكن التعبير عنها بصياغة أكثر انسيابًا، مثل: كي يوفر قوتي أو ليمنحنا الغذاء. وكذلك قول: «يحرث كي يبذر بذرته»؛ إذ يحمل الفعل يبذر في ذاته معنى إلقاء البذور، مما يجعل إضافة بذرته  أقرب إلى التكرار غير الضروري. أما عبارة «الفأس يدق به أرضًا» فتحتاج إلى قدر أكبر من الدقة؛ لأن الفأس يرتبط غالبًا بقطع الخشب أو إزالة الجذور، بينما تُحرث الأرض بالمحراث أو تُقلب بالمعول. كما أن صياغة «يزرع من أجل ما يؤكل» تبدو أقل سلاسة من تعبيرات مثل:  يزرع لنأكل أو  يزرع غذاءً للناس.

وعلى مستوى الصورة الشعرية، يغلب على النص الأسلوب التقريري؛ إذ يكتفي بسرد أفعال الفلاح: يعمل، ويحرث، ويبذر، ويزرع، دون أن تتحول هذه الأفعال إلى مشاهد نابضة بالحركة والصور الحسية. وكان من الممكن أن يقترب الطفل أكثر من التجربة لو رأى التراب بين يدي الفلاح، أو البذور وهي تنبت، أو السنابل وهي تتمايل مع الريح فالصورة الشعرية تفتح باب الخيال، بينما يظل التقرير أقرب إلى لغة الشرح.

وفي جانب الدلالة، يصف النص بطله بأنه «فلاح عربي»، وهو اختيار ينسجم مع البيئة التي تنطلق منها القصيدة، إلا أن توسيع الدلالة لتشمل قيمة العمل الإنساني بإطلاق قد يمنح النص أفقًا أكثر رحابة، فيتجاوز الحدود الجغرافية ليؤكد أن كل فلاح، أينما كان، يسهم في توفير الغذاء وصناعة الحياة. وبهذا تتسع الرسالة الإنسانية للنص، مع احتفاظه بخصوصيته المحلية.

أما من الناحية الإيقاعية، فيبدو أن النص لا يستند إلى وزن خليلي واضح، ولا إلى إيقاع حر منضبط، الأمر الذي يجعل إنشاده أقل سلاسة. ومعلوم أن الموسيقى عنصر أساس في شعر الطفل؛ فهي أول ما يلفت انتباهه، وتساعده على الحفظ والترديد، قبل أن يستوعب المعاني والدلالات.

وفي المحصلة، يثير النص قضية مهمة تتعلق بخصائص شعر الطفل، ويؤكد أن الكتابة لهذه الفئة لا تقوم على تبسيط اللغة أو انتظام القافية فحسب، بل تتطلب انسجامًا بين سلامة التعبير، وجمال الصورة، ودقة المعلومة، والإيقاع الموسيقي، والبعد الإنساني. ولعل القصيدة كانت ستبلغ أثرًا فنيًا أعمق لو أُعيد النظر في بنائها الشعري، بما يعزز عناصر التصوير والإيقاع، ويمنحها السمات التي تميز القصيدة الموجهة إلى الطفل.

 

* كاتب وشاعر للأطفال من الجزائر

 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود