232
0
606
0
651
0
957
0
267
0
10
0
8
0
6
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13666
0
13515
0
12341
0
12194
0
9662
0

الكاتبة: فاطمة يعقوب خوجة*
قد نقرأ قصة للأطفال لغتها سليمة، وفكرتها نبيلة، وأحداثها مرتبة، ثم نغلقها من غير أن يبقى منها في نفوسنا شيء. فالقصة ليست رديئة إلى الحدّ الذي يدفعنا إلى رفضها، لكنها ليست حية بما يكفي لنتذكرها. نعم فيها بطل، ومشكلة ومحاولة، وحل، وربما حكمة جميلة في النهاية، فضلا عن الرسوم الملونة… ومع ذلك نشعر كأنها صُنعت قطعة بعد أخرى لخدمة الرسالة التي يريد الكاتب إيصالها من غير أن يشعر القارئ بأنه عاش التجربة مع البطل.
فما الذي غاب عنها؟
قرأتُ في كتاب From Where You Dream للروائي ومدرّب الكتابة روبرت أولن بتلر، فصلًا بعنوان (القصة السيئة) يعرض فيه عملًا قديمًا من كتابته لم ينجح فنيًا كما أراد. والمثير في اعترافه أن ضعف القصة لم يكن ناتجًا عن قصور في اللغة، أو نقص في الخبرة الحياتية، أو خلل واضح في البناء، بل عن الطريقة التي دخل بها إلى التجربة. لقد ظل قريبًا من الأحداث، لكنه لم ينفذ إلى مركزها الحسِّي والعاطفي.
هذا بالفعل هو ما يغيب عن بعض القصص التي يقرؤها الطفل مرة واحدة، ثم لا يرغب في العودة إليها. هي تبدو مكتملةً من الخارج، لكنها تفتقد التجربة الإنسانية التي تمنحها الحياة.
فيما يأتي تسع علامات قد تكشف وجود هذا الخلل في القصة المكتوبة للأطفال:
١. يبدأ الكاتب من الفكرة.
يبدأ الكاتب بقيمة أو قضية جاهزة مثل: أهمية التعاون، أو ضرر الكذب، أو تقبل المختلف، أو المحافظة على البيئة، أو خطورة الإفراط في الأجهزة… ثم يصنع طفلًا يُمثل السلوك الخاطئ، ويضعه في موقف يثبّت الرسالة، ويستدعي شخصية راشدة لتفسيرها، ثم يُنهي القصة باعتراف الطفل بخطئه.
٢. تتحول الشخصية إلى أداة.
تتصرَّف الشخصية المُقنِعة وفق: رغباتها ومخاوفها وبما تحمله من نقائص وتناقضات. أما الشخصية المصنوعة لخدمة الرسالة، فلا تملك منطقًا داخليًا خاصًا بها. إنها تخطئ حين يحتاج الكاتب إلى مشكلة، وترفض حين يحتاج إلى تصعيد وتوافق حين يحين وقت الحل، وقد تسأل كي يشرح شخص آخر المعلومة، أو تتعلّم بالسرعة التي تناسب عدد الصفحات، أو تنسى ما تعرفه كي تتحرّك الحبكة، أو ترتكب حماقة لا تنسجم مع طبيعتها كي تقع المفاجأة.
٣. يفسر السارد كل شيء
يفترضُ بعض الكتّاب أن الطفل لن يفهم إلا إذا شُرح له كل شيء. فيكتبون مثلا:
“ضمَّت مريم الدمية إلى صدرها لأنها كانت تحبها كثيرًا.” هنا الفعل، ثم شرح معناه.
ويكتبون: “أدار سالم وجهه بعيدًا لأنه شعر بالحرج من كلماته، لكنه لم يستطع الاعتذار بسبب كبريائه.”
هنا تسمية الشعور، ثم تفسير السبب ودافع الشخصية.
٤. تفقد الأحداث أهميتها.
قد تجري الشخصية، وتسافر، وتبحث، وتدخل مسابقة، وتضيع منها خريطة، وتواجه خصمًا، ومع ذلك لا نشعر بالقلق عليها؛ لأننا لا نعرف ماذا يعني لها الفوز أو الخسارة.
يحدث ذلك حين لا يربط الكاتب الهدف الخارجي بحاجة عاطفية لدى البطل. فلا يعرف القارئ ماذا سيخسر إذا فشل وهل ستكون خسارته مادية فقط أم عاطفية أيضًا، الخوف القديم الذي سيؤكده هذا الفشل، وأي علاقة قد تتغير بسببه ولماذا لا يستطيع البطل ببساطة أن ينسحب.
٥. يعتمد النص على المفاجأة.
قد تكون المفاجأة ممتعة، لكنها لا تكفي وحدها لصنع قصة مؤثرة. فحين يُبنى النص كله على إخفاء معلومة لا تُكشف إلا في السطر الأخير، قد يندهش القارئ لحظة، لكنه بعد انكشاف الحيلة قد لا يجد سببًا للعودة إلى القصة؛ لأنها لم تقدم له سوى لعبة معلومات. أما المفاجأة الجيدة، فتفاجئ القارئ من جهة، وتبدو بعد ظهورها نتيجة طبيعية لما سبق من جهة أخرى. وحين يعيد قراءة القصة، يكتشف أن الدلائل كانت موجودة منذ البداية، لكنها لم تتضح إلا بعد اكتمال الصورة.
٦. تستعمل القصة لغة مشاعر جاهزة
يكتفي الكاتب بوصف الشخصية بأنها حزينة، أو سعيدة، أو خائفة، أو غاضبة، أو قلقة، أو متوترة. وليست هذه الكلمات ممنوعة، لكنها تقدِّم تصنيفًا عامًا للشعور بدل أن تجعل القارئ يراه ويختبره. فالشعور الواحد يعبِّر عنه كل طفل بطريقة مختلفة.
٧. تتحرك المشاهد بإرادة الكاتب لا بضغط الأحداث
قد يدخل الكاتب شخصية في اللحظة المناسبة جدًا، أو يُضيع الهاتف لمنع الاتصال، أو يجعل الأم تخرج من المنزل كي يرتكب الطفل الخطأ، أو يضع المفتاح في مكان غير منطقي، أو يجعل الخصم يسمع مصادفةً حوارًا سريًا، أو يؤخر معلومة تعرفها الشخصية منذ البداية. وقد تُحل المشكلة بمصادفة لا علاقة لها بما فعله البطل.
٨. يُعلن التغير بدل أن يقع.
تنتهي بعض القصص بعبارات مثل: “ومنذ ذلك اليوم أصبح أكثر شجاعة.”، أو “تعلّمت ألّا تكذب أبدًا.”، أو “عرف الجميع أهمية التعاون.” يخبرنا الراوي بأن الشخصية تغيّرت، لكننا لا نراها في موقف يختبر هذا التغيّر ويثبته. فالتغيّر القصصي لا يتحقق بإعلان الدرس، بل بظهوره في سلوك الشخصية. والأفضل أن تواجه في النهاية موقفًا صغيرًا يشبه ما واجهته في البداية، ثم تتصرف بطريقة مختلفة.
٩. يأتي الحل من الخارج.
يأتي الأب فيشرح، أو تصل المعلمة فتحل النزاع، أو يعثر الطفل مصادفةً على الشيء المفقود، أو يتراجع الخصم من غير سبب، أو تظهر شخصية جديدة تحمل الأداة المطلوبة، أو يتولى الراشد القرار الحاسم. قد يحتاج الطفل إلى مساعدة الراشد، وهذا واقعي، لكن ينبغي ألا تسلبه هذه المساعدة دوره القصصي. يمكن للراشد أن يقدّم معلومة، أو يفتح بابًا، أو يمنح الطفل الطمأنينة، لكن الأفضل أن يبقى الفعل الحاسم مرتبطًا بالبطل نفسه.
السؤال الآن: ما الذي يمنح القصة حياتها؟
لا تعني هذه العلامات التسع أن على الكاتب أن يتخلى عن الفكرة، أو الرسالة، أو البناء المحكم، أو مساعدة الراشد، أو حتى التصريح بالمشاعر في بعض المواضع. لكنها تكشف اللحظة التي تطغى فيها إرادة الكاتب على حياة القصة فتتحول الشخصية إلى وسيلة، والحدث إلى حجة، والنهاية إلى درس معلن.
وما غاب عن القصة التي بدأنا بها لم يكن البطل، ولا المشكلة، ولا الحل، بل التجربة التي تصل هذه العناصر بعضها ببعض. غابت رغبة البطل الخاصة، وخوفه، وطريقته في رؤية ما يحدث له، وغاب ذلك المركز الحسي والعاطفي الذي يجعل القارئ لا يعرف الحدث فقط، بل يعيشه.
القصة التي تبقى في الذاكرة ليست بالضرورة القصة التي قالت أهم حكمة، بل القصة التي جعلتنا نشعر، ولو للحظات أننا كنا هناك.
*كاتبة متخصصة في أدب الطفل واليافعين.
نالت عددًا من الجوائز الأدبية. شاركت في كتابة برامج تعليمية موجّهة للطفل.