الأكثر مشاهدة

فاطمة الشريف* في ذكرى المناسبات الوطنية، يتفاعل الأفراد والجهات العامة والخاصة ب …

من الميناء إلى المتحف: رحلة في الملاحة البحرية

منذ يوم واحد

8

0

فاطمة الشريف*

في ذكرى المناسبات الوطنية، يتفاعل الأفراد والجهات العامة والخاصة بالاحتفاء، وتتنافس المدن بكل مرافقها على الـتمثيل المشرف في الفعاليات المصاحبة، من عروض حية، ومسيرات متنوعة، وألعاب وأناشيد، وندوات ومحاضرات، وحراكٍ للتبادل الثقافي والفني في أزهى ملامحه. وليس الهدف من ذلك الترفيه فحسب، وإنما مشاهدة الماضي متجليًا في استحضار اللحظة الآنية، واستعادة أمجاده في واقعٍ يتجدد، وحاضرٍ يستشرف المستقبل؛ معززًا الـهوية، ومـوقظًا للوعي، ومـجددًا للتراث بـصور وفـعاليات تـجعل الأجيال الحالية تفتخر بالماضي، وتـزهو بـالحاضـر، وتخطط للمستقبل.

ففي الذكرى الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، تحوّل ميناء مدينة بوسطن إلى مسرح لحدث وطني ودولي استثنائي احتفاءً بإرث بحري مشترك يتمثل في صناعة السفن الشراعية التي كانت منتشرة في القرني الثامن عشر والتاسع عشر. حيث تـوافدت الـسفـن الـشـراعـيـة التـاريـخيـة مـن دول عـدة، مـنهـا: إيـطاليا، وكـندا، والأرجـنتين، وأوروغـواي وكولومبيا، والإكوادور، وتشيلي، وإسبانيا، والبرتغال، وألمانيا، وبولندا، ورومانيا، والسويد، وهولندا، والهند، إلى جانب الولايات المتحدة، في عرض احتفالي على الساحل الشرقي للولايات المتحدة، مرورًا بعدد من الموانئ، منها الإسكندرية (فرجينيا)، ونورفولك، وبالتيمور، ومدينة نيويورك، لتختتم مسيرتها التاريخية في بوسطن، المحطة الأخيرة لاحتفالات (Sail250)، على أرصفة الميناء (من Charlestown Navy Yard إلى منطقة Seaport) رست السفن وسط احتفال بهيج مجسّدة روح الصداقة والتعاون بين الدول، وإعادة بصرية حركية لإحياء تقاليد الملاحة الشراعية للأجيال الحالية، مُـعزِّزةً روابـط الـتجـارة والتبادل الثقافي بين الشعوب عبر أنواع متعددة من السفن التاريخية؛ إذ تعكس كل واحدة منها طابعاً خاصاً بعدد من الصواري والأشرعة وتحمل قصتها الفريدة، مُسجِّلةً تاريخ بنائها في مشهد جمع بين عبق الماضي وروح الحاضر… تنوّعت الفعاليات خلال فترة رسو السفن؛ ما بين رحلات بحرية أتاحت للزوار الاقتراب من هذه السفن التاريخية والتعرّف على تفاصيلها، وفرص لالتقاط الصور التذكارية بجانبها، والدخول والتجول في مرافقها، إلى جانب العروض المسائية والألعاب النارية التي أضاءت سماء الميناء خلال الفترة من يوليو11 : 15.

وتقدّمت المسيرة السفينة الحربية الأمريكية (USS Constitution)، التي بُنيت عام 1797، ولا تزال أقدم سفينة حربية في الخدمة من مرساها الدائم في بوسطن الذي يضم متحفًا يوثّق تاريخها والتراث البحري الأمريكي. ومن أبرز السفن المشاركـة كامـلة الأشرعـة مـن طـراز(Full-Rigged Ship) ، الـسفينـة الـبولـنـديـة (Dar Młodzieży)، والأرجنتينية (ARA Libertad)، والإيطالية (Amerigo Vespucci). وتمثل هذه السفن منصات تدريب لطلاب الأكاديميات البحرية، وتمتاز بتصميمها الكلاسيكي ذي الصواري الثلاثة والأشرعة المربعة الكاملة. وفي المقابل، برزت سفينة  (Lewis H. Story) بوصفها من أصغر السفن المشاركة؛ إذ بُنيت عام 1998 بتكليف من جمعية إسيكس التاريخية ومتحف بناء السفن، لتجسّد نموذج قوارب الصيد الساحلية التي انتشرت بعد الثورة الأمريكية. 

وتُعدّ هذه المناسبة من الفعاليات البحرية النادرة التي لا تُقام بصورة سنوية؛ إذ ظهرت نسختها الكبرى الأولى عام 1976 احتفالًا بالذكرى المئوية الثانية لتأسيس الولايات المتحدة، ثم عادت السفن الشراعية إلى بوسطن في مناسبات متفرقة خلال أعوام 1980، و1992، و2000، و2009، و2012، و2017، وصولًا إلى عام 2026. وهي من المناسبات التي يفتخر البوسطونيون بحضورها، بل ويحتفظون بذكرياتهم الخاصة في جميع نسخها السابقة.

وكان حضور هذه المناسبة ومشاهدة السفن التاريخية وجمال صواريها في عرض المحيط تجربة بصرية فريدة، تحالفت في قَدَرٍ جميل لتجمَعَنا بالفن الأمريكي للإرث البحري عبر لوحات الفنان فيتز هنري لين (Fitz Henry Lane 1804–1865)  في متحف بوسطن للفنون (Museum of Fine Arts, Boston)، الذي احتفى بتراثه البحري في غاليري خاصة ضمت لوحات الفنانين الأمريكان التي رصتد حركة الشواطئ والتضاريس والمسطحات المائية في مطلع القرن التاسع عشر.

وكما يمتلك المتحف الوطني للفنون (National Gallery of Art) في واشنطن عدداً كبيراً من لوحات الفنان لين ذات المناظر البحرية، فقد رسم موانئ بلده راصداً الضوء الهادئ، وتموجات السماء وألوانها الصافية، ونقاء المياه الساكنة، وجمال الطبيعة البحرية الساحرة؛ بل شكلت لوحاته مدرسة فنية خاصة تُسمى (American Luminism)، وكان من أهم روادها حيث تعامل مع روح الضوء في تجسيد تأثيراته الدقيقة وانعكاسه على الجو العام للطبيعة والشواطئ، صانعاً هدوءاً تاماً وسكينة متناهية لاسيما في لحظات الغروب والشروق، وهكذا هو دوماً الفنان الأمريكي الأول؛ يبدأ من حيث انتهى الفن الأوروبي، متقناً حرفة الرسم ودقة التصوير الزيتي، ومستلهماً من طبيعة وطنه صوراً وحكاياتٍ جسدتها ألوانه، وحفرتها ذكريات وطنه.

وقد أشار متحف بوسطن للفنون في تعليقه على لوحاته إلى جانبٍ مهمّ في فنه؛ وهو أنه لم يكن يعتمد على الموهبة وحدها، بل استفاد من الأدوات العلمية والبصرية، ولا سيما جهاز (Camera Lucida)، الذي ساعده على نقل المشاهد الطبيعية بدقة كبيرة إلى الرسوم الأولية، ثم تحويلها إلى لوحات زيتية؛ حيث أظهرت فحوص الأشعة تحت الحمراء وجود خطوط تخطيطية دقيقة تحت طبقات الطلاء، مما يؤكد منهجه العلمي في بناء التكوين. كما كشف المتحف عن تعاون فني وثيق بينه وبين تلميذته (Mary Blood Mellen)، التي نسخت بعض أعماله، وربما شاركته في تنفيذ أجزاء من بعضها الآخر. فنان مبدع جمع في فنه بين عين الفنان، وعقل المهندس، وملاحظة عالم الطبيعة؛ فقد كان يهتم بحسابات المد والجزر، وشكل السحب، وانعكاسات الضوء على المياه، وحركة السفن. ولذا، تبدو لوحاته هادئةً في ظاهرها، لكنها مبنية في جوهرها على دراسة وتأمل دقيقين.

ويُعدّه الأمريكان واحداً من الفنانين الذين ساعدوا في تشكيل هوية الفن الأمريكي قبل ظهور الحداثة؛ فبينما كان بعض الفنانين الأمريكيين يقلدون أوروبا، بحث لين عن جمالٍ أمريكيٍّ محليٍّ مستمدٍّ من الساحل والطبيعة الأمريكية. وهذا ما ميّز الفن الأمريكي في رصده المستمر للحياة والطبيعة الأمريكية.

ومن أشهر أعماله لوحة (Owl’s Head, Penobscot Bay, Maine – 1862) المعروضة في صالة 235 في معرض الفن الأمريكي في متحف الفنون في بوسطن، التي تعكس ذروة أسلوبه الفني؛ فقد جمع فيها بين الشاعرية البصرية والدقة العلمية، مُحوّلاً المناظر الساحلية الأمريكية إلى أثرٍ يتسم بالهدوء والضوء الشفاف والعمق التأملي. وفي هـذه اللوحة بـالذات، اختزل عناصر المشهد إلى أقل قدرٍ ممكن، ليجعل الضوء والفضاء والبحر أبطال المشهد الحقيقيين، وهو ما جعلها إحدى أيقونات الرسم الأمريكي في القرن التاسع عشر، وكما تعكس اللوحات الأخرى شغفه برسم حركة السفن، وجمال الأشرعة، ودقة الصواري، ورصد حركة الضوء وتجسيد الظل بانسيابية مدهشة.

السفن المشاركة في الاحتفاء وفق ترتيبها في المقال:

Owl’s Head, Penobscot Bay, Maine

 … للفنان فيتز هنري لين (Fitz Henry Lane 1804–1865)  أشهر لوحة في متحف الفنون بعدستي 

صور ميناء بوسطن للفنان فيتز هنري لين (Fitz Henry Lane 1804–1865)  في متحف الفنون بعدستي

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود