821
0
551
0
642
2
2027
0
45
0
204
0
30
0
18
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12621
0
12107
1
12089
0
11244
5
9021
0
فاطمة الشريف*
عندما يصنع لنا القدر فرصاً خلاقة للالتقاء من جديد، عبر مساحات الفن الزاخرة بالإبداع والدهشة والتساؤل عن المعرفة العميقة؛ التي تتقاطع فيها حكايا الماضي والتاريخ القديم مع الجسد والهوية والذاكرة، مع الحضور الآني في تجربة نعيشها ونتساءل عنها، بل نبحث ونقرأ عنها بعمق، تلك الأعمال الإبداعية التي تستحضر حواسنا التسعة عشر محاولين فهم فكرة العمل المفاهيمي…
هنا، لا يكون السؤال: ماذا يعني العمل؟ بل: كيف يجعلنا نشعر، ونتحرك، ونتذكّر، ونتعلم؟ وهذا، في جوهره، ما آمنت به مؤخرًا في قراءات فنية وتواجد تشكيلي حديثًا.
في شعور متضاد بين عدد من التجارب وأشكال الفن المعاصر، ورأي النّقاد والفنانين الذين سبقونا بالتجربة الفنية والقلم التشكيلي… ومما أشار إليه الفنان والناقد أحمد فلمبان في مقاله بعنوان: الفجوة.. بين الفن التشكيلي والجمهور في زاويته، ولي رأي في قسم الفنون البصرية بمجلة فرقد الإبداعية، حيث يؤكد أن هذا النوع من الفن يقوم على إعادة تعريف العلاقة بين العمل والجمهور، منتقدًا ما يلاحظه في ساحتنا التشكيلية حيث «تعتمد المفاهيمية على تحويل الفكرة إلى هدف وواقع ملموس، والتبديل الكلي في العلاقات التقليدية في العمل الفني، وتحوّل مفهوم الجمال الفني إلى مفهوم الفكرة بشكل أساسي أو التعبير عنها باستخدام الوسائط المتعددة والخامات المختلفة، دون الاهتمام بالعمل نفسه وأثره الفني وحرفية الفنان أو التقيد بالأسس الفنية التقليدية المعروفة، من حيث التكوين والكتلة والمنظور واللون، متحدية قواعد ومصطلحات الفنون ومعاييرها والقيم الجمالية والحسية…”.
وأضف متفقة معه، إلى أن العمل المفاهيمي ليس فقط تحدياً لكسر القواعد وربما لا نرى فيه “الجمال، ولا الجديد في الأفكار.. سوى تفكيك بلاطات الأرصفة، ومخلفات ورش النجارة والحدادة…” أو مجموعة من الخامات والأدوات المعتادة التي لم تعد تحمل رمزًا أو دلالة ترتقي بالذائقة الفنية الباحثة عن المعنى.
ومع تلك الملاحظات تلح مجموعة من التساؤلات: ما الذي يفعله عملٌ ما بالمتلقي والمتذوق والتشكيلي الهاوي والممارس والمحترف؟
هل يكفي أن نرى العمل لنفهمه، أم أن المطلوب هو الدخول في تجربة فكرية وحسية تتجاوز الشكل؟ أم نعتبره دعوة للتأمل لاستنباط الهدف والأثر؟ هذه الأسئلة لم تكن نظرية بالنسبة لي، بل تذكرتها لحظة مثولي أمام العمل المفاهيمي للفنانة التشيلية سيسيليا فيكونيا بعنوان :Quipu Viscera بوصفه عملًا لا يقدّم نفسه كموضوع للنظر وإبهاره، في لحظات استرجاع الذكريات قريبة المدى، ومع ظاهرة الدعاية للشخصيات والأعمال حديثة العهد، أم مع حروف فلمبان التي دومًا تصدمني تارة ضاحكة وتارة مؤيدة وأخرى متسائلة.
إنها مساحة فكرية للتساؤل، بل وتحدٍ معرفي للإجابة.
عرضت الفنانة فيكونيا فكرتها عبر تمثيل تاريخي رمزي عريق لحضارة وثقافة أمة الأنكا التي تنتمي جذورها إلى حضارات الأنديز شرقي أمريكا الجنوبية، حيث بلغت ذروتها عندما تميّزت باعتمادها على أنظمة معرفة لا تقوم على الكتابة الأبجدية، بل على الطريقة التي تجمع بين الممارسة، والذاكرة الجماعية، والعلاقة الروحية مع الطبيعة. في هذا التقاطع الفريد لم تكن المعرفة التي قدّمها العمل منفصلة عن الجسد الذي يلتف حولها، بل تجربة متجسدة فيه، تُنقل عبر اللمس، والحركة، والاستبصار، فجاء العمل المعروض كمادة ضخمة عملاقة مكونة من حبال صوفية ملونة ذات عقد بأشكال تحمل الكثير من الرموز والدلالات، إنه تنظيم لوني وفضاء شكلي جعلني كمشاهد فضولي يبحث دومًا عن المعنى، شريكة في إنتاج معاني لهذا العمل المفاهيمي مستعينة بأدوات البحث عن الفنانة، وبيان العمل الذي تم عرضه أول مرة في عام 2017، واقتنائه في عام 2023 ضمن مبادرة التاريخ النسائي الأمريكي في متحف سميثسونيان، والاعتراف به، ليس فقط كعمل فني، بل كجزء من كتابة تاريخ بديلة من أصوات نسائية وأصلية، وأعيد عرضه ومشاهدته في نسخة 2025 في متحف سميثسونيان للفن الأميركي في واشنطن.
العمل عبارة عن تركيب مكاني (site-specific installation) يتشكل من مجموعة من حبال الصوف المصبوغة وغير المغزولة تتدّلى في الفضاء بأطوال شاهقة بألوان متنوعة الأحمر، والبني، والوردي المتدرج من ألوان وردية هادئة على السطح الخارجي، يتحول تدريجيًا إلى درجات أكثر كثافة في الداخل، يبدو الصوف كأنه جلد يحتضن أعضاء وحياة في داخله، لا يرى المتلقي جسد بشري معروض، أو أداء حركي مشاهد، ومع ذلك فإن الإحساس بالجسد حاضر بقوة في العمل.
وما ساعدني في تصور ذلك العمل هو اسمه الذي يعني عقد الأحشاء، فتصورت بنية ذلك الجسد من جلد، وأحشاء جعلتني ألتف حوله في دائرة متسعة متسائلة: ما علاقة العقد بالأحشاء؟! لأجد في البحث الجواب.
لقد نجحت الفنانة في استعادة لغة الكيتشوا، والتاريخ عندما ربطت نظامًا معرفيًا قديمًا يسمى الكيبو (Quipu) بمعنى العقد، اتخذ من الحبال المعقودة ذات الألوان والأطوال والأشكال المتعددة لتسجيل وتخزين المعلومات الاقتصادية، والاجتماعية، منذ أكثر من خمسة آلاف عام في ثقافة الأنكا وحضارة الأنديز.
ضخامة العمل وعمق المعرفة الذي خلّفه أثار تساؤلًا آخر: كيف أُنجز هذا التركيب؟ وهل قامت فيكونيا بنسجه وحدها أم استعانت بفريق؟ هذا السؤال لا ينتقص من قيمة العمل، بل يفتح بابًا لفهم الفن المعاصر بوصفه ممارسة جماعية أحيانًا، حيث تكون الرؤية للفنانة، بينما يتحقق العمل عبر تعاون تقني وتنفيذي.
إن جوهر التجربة للفن المفاهيمي لا تكمن في: من نفّذ العمل؟ بل في: لماذا اتخذ العمل هذا الحجم والتكوين تحديدًا؟ لندرك أن وراء هذه العمل نظامًا معرفيًا، وإرثاً ثقافياً تقاطعت فيه الحضارات، واستعادة الفنانة لنظام قديم لا يخضع للسلطة الاستعمارية، ولا اللغة المكتوبة تعكس عمق فكرها، واعتزازها بهوية تعكس ثقافة شفهية وطقسية خلّدتها في عملها التراكيبي، ومعرفة ثقافية ليس لأجيال شعبها فحسب، بل بين شعوب العالم قاطبة.
ختامًا: إن تجربة الذات المبدعة للفنانة والشاعرة سيسيليا فيكونيا في Quipu Viscera هي مشروع استعادة ذاكرة أصيلة بمادة عضوية ذات ملامح عملاقة، ولغة منسية بعقد وألوان متعددة تلفت النظر، وبيئة مهمشة بحضور مكاني في أرقى صالات العرض العالمي، وتراث ثقافي يستحق البحث والتفكر، أعتقد أن فيكونيا حققت استعادة تاريخ تليد قابل للبعث والتحويل والتجديد والتقاطع مع ثقافات أخرى.
صور أعمال تراكيبية بعدستي في متحف الفن الأمريكي




التعليقات