د. عصام عبدالله العسيري*
من أعماق التاريخ الصامت، حين لم تكن هناك أبجدية، وحين كانت العيون وحدها تكتب على الجدران، ولدت الرسوم الصخرية في الحجاز وأرجاءها كأقدم قصيدة بصرية في الجزيرة العربية. هذه الجداريات المنقوشة ليست مجرد ظلال ماضية، بل هي توقيعات أبدية لإنسان غابر، نقش وجوده على الصخر كي لا يُنسى.
جغرافيا المعنى: الأرض التي تنطق
تمتد الرسوم الصخرية في الحجاز من العلا وتيماء إلى الحناكية والشويمس وحتى تبوك شمالا، وإلى جنوب عسير وكل سلسلة جبال السروات التي تعمل حاجزا بين صحراء الربع الخالي ومياه البحر الأحمر. تتوزع على منحدرات بازلتية وصخور رسوبية غنية بالمعادن، بعضها يطل على وديان غائرة وسهول ساحلية غربا وصحاري شرقا، كأنما اختار جبالها الإنسان القديم ليكتب عليها تاريخه في مواجهة الريح وعوامل الزمن.
ليس اختيار المكان عشوائيًا؛ فكل صخرة تم اختيارها بعين فنان وروح كاهن، بعلاقة حسية بين التضاريس ومكانة الرمز. هذه الجبال لم تكن خاملة، بل مسارح لرؤية روحية واجتماعية ومعرفية، وسجلًّا مفتوحًا لحياة الشعوب التي مرّت من هنا، بمكة جبل الرحمة بعرفات، جبل النور وبه غار حراء، جبل الثور، بالمدينة جبل أحُد، جبال مدائن صالح وخيبر، وسلسلة ضخمة من جبال السروات تعلوها ٣٠٠٠ متر جنوبا جبال السودة وووالخ أغلبها جبال مشهورة ولها أسماء محلية كانت وجوه صخورها كصالات عرض تشكيلية.
فن ما قبل الأبجدية: لغة الرموز قبل الكلمة
الرسم هنا لا يحاكي الطبيعة بل يُعيد اختراعها، منذ فجر التاريخ وحتى العصر الحجري القديم الممتد من 23000-12000 سنة ثم العصر الحديدي ثم من العبيد والثمويين، للآرام السريان الأنباط الهلنستيين شمالا للحميريين السبأيين جنوبا أقواما كثيرة عاشت بالحجاز. الإنسان لا يُرسم كما هو، بل كما يجب أن يكون. الجسد ممتد، الأطراف طويلة، الرأس دائري، الحركة مرمّزة لا موصوفة. الحيوان ليس نسخًا فوتوغرافيًا بل طوطمًا روحيًا، فالأسد مثلًا لا يمشي بل يزأر في صمته الصخري.
نرى الرقص، الصيد، المعركة، القتال،القوافل، الطقوس الجماعية، شخصيات ترفع أذرعها نحو السماء في ابتهال أو تعاويذ، ونساء ممتلئات يرمزن للخصوبة، ورجالاً يتصدّرون المشهد في هيئة محاربين أو كهنة. يتكرر الجمل، الحصان، الثور، النعام والوعل ومخلوقات عديدة لا بوصفها حيوانات فحسب، بل كرموز لعوالم علوية وسفلية.
الأسلوب والتقنية: بين الخدش والقداسة
استخدم الفنان القديم أدوات حجرية معدنية لطرق الصخور أو كشطها أو نحتها بنبض يشبه ضربات القلب. كان يختار السطح بعناية، يبحث عن اللون، عن المساحة، عن الاتجاه. في بعض المواضع، تشعر أن الصخر نفسه هو من أرشد اليد البشرية. بعض الرسوم شديدة الدقة، وبعضها مبهم كالحلم، وكثير منها أخفاه الطقس والزمن، لكن تتحد جميعها في حس جمالي مشترك يعكس نظامًا بصريًا متماسكًا.
ثمة إيقاع داخلي في الخطوط، ورشاقة في توجيه الحركة، واتزان في توزيع الكتلة والفراغ، وتنوع في صرامة الخطوط المستقيمة ورقة والخطوط المنحنية. الخط ليس حادًا دائمًا، بل يرق أحيانًا كما لو أن اليد كانت ترسم بحذر الخائف من كسر قدسية الصخر والتعبير عن النفس.
الزمن على هيئة نقش:
يقسّم المؤرخون العصور إلى فصول من الرسوم:
– العصر النيوليثي (10000–6000 ق.م): وفيها رسوم كبيرة الحجم لحيوانات منقرضة مثل: الثور البري، تُرسم إلى جانب الإنسان في أوضاع طقسية.
– العصر البرونزي: ظهور الجمال، الخيول، علامات الصيد المنظّم، والوشوم القبلية.
كل حقبة زمنية تترك طبقتها البصرية على الجبل، وكل نقش هو تاريخ مصغّر لحظة الإمساك بالحياة أو التضرع للغيب.
قيم جمالية وتعبيرية:
ليست الرسوم الصخرية في الحجاز مجرد أشكال، بل أفكار ومعاني:
الرقص الطقسي يعبر عن الاتحاد الكوني بين الإنسان والطبيعة، وانتماء الرقص الجماعي.
التكرار الزخرفي يمثل إيقاعًا بصريًا ثريا يعكس إيقاع المجتمع ذاته، هناك ثراء زخرفي وتنوع من التنقيط، التخطيط، المثلثات، والدوائر الهندسية، وعليها أفرع وتوريقات نباتية، وزخارف آدمية وحيوانية تحويرية، وتشير تلك المبالغات التشريحية إلى الوظيفة الرمزية أكثر من الواقعية، بطريقة زخرفية جمالية. والوحدة التشكيلية بين الإنسان والحيوان تعكس تصورًا فنيًا للانسجام مع الوجود.
وظائف الرسوم: بين الطقوس والهوية
يعتقد كثير من الباحثين أن هذه الرسوم لعبت أدوارًا متعددة:
1. طقسية/روحية: تصوير مشاهد الابتهال والخصوبة والصيد المرتبط بالمعتقد.
2. اجتماعية/هوية: تحديد أراضي القبائل، أو إظهار القوة والسيطرة.
3. معرفية: تدوين تجارب، تعليم، تأريخ أحداث، منها رحلة الفيل لإبرهة الأشرم.
4. فنية خالصة: إشباع حاجة داخلية للجمال والتمثيل، مثل أول رغبة في الرسم على جدران الكهف وطباعة كف اليد. اكتشف حديثا رسم كهف جيزان الملون يصل عمره ل 12000 سنة فيه توثيق لهذه الجماليات.
البعد العلمي والأركيولوجي:
تشكل هذه الرسوم مصدرًا علميًا استثنائيًا، فهي:
– توفر تسلسلًا زمنيًا بصريًا لتطور المجتمعات.
– تقدم معلومات عن الحياة البيئية والتنوع الحيواني القديم.
– تعكس معرفة الإنسان وتطوره الفني والتقني.
– تعرض سيطرة الإنسان القديم على البيئة وتسخير الحيوانات لصالحه.
– تُستخدم لتحديد الفترات المناخية بناءً على الحيوانات المرسومة.
– تمكّن من تحليل التواصل بين المجتمعات المختلفة من خلال الرموز المشتركة.
وقد ساهمت البعثات السعودية والدولية في العلا وتيماء ومكة والمدينة وعسير وعموم السعودية، في توثيق آلاف الرسوم بأساليب حديثة كالمسح الرقمي ثلاثي الأبعاد، وتحليل الأكاسيد لتقدير العمر الزمني للنقوش، وهناك برامج استراتيجية للاستفادة من هذه الثروة الآثارية للقطاعات السياحية والترفيهية والتعليمية والثقافية والعلاقات الدولية، حيث اُكتشفت كتابات ثمودية ورسوم لإبل قديمة في القارة الأمريكية.
ختامًا: الجبل كذاكرة، والصخر كضمير في الحجاز وعموم الجزيرة هي مرايا لهويتنا العربية الضاربة في الجذور. الجبل يتحدث، والصخر يتذكر، والفنان الذي مات منذ آلاف السنين، لا يزال يحرك فينا دهشة الاكتشاف الأولى.
إنها قصيدة لم تنته، ومحبرة لا تزال مفتوحة… وكل من ينظر إليها يُصبح قارئًا في كتاب لم يُغلق بعد، بل تفتح أبواب التفكير النقدي والإبداعي.