أحمد فلمبان*
إن الذائقة الجمالية في الإنسان هي الملكة، أو الحاسة الداخلية التي يتم تهذيبها؛ لتقييم الأعمال الفنية، والقدرة على الإحساس بالجمال، وفهمه وتقدير قيمته، وتأمله والاستمتاع بمضمونه وتفاصيله، وهذه الخاصية يختلف من إنسان لآخر، حسب ثقافته الفنية وميوله الفكرية وخبرته والبيئة التي يعيش فيها، وهناك فئات من المتمكنة اقتصاديًا، فلها صفـات معينة تـنعكس فـي أذواقـها، قـد لا يعرفون الذائقة الجمـالية، ويـضعون في الاعـتبارالاتـجاه النفعي والاقتصادي، والحصول على الأعمال الفنية الملبية لأهدافهم، والسعر المناسب القابل للاستثمار، وهذا يرجع إلى رغبتها تثبيت المكانة الاجتماعية والمفاخرة، باقتناء كل ما هو نفيس ونادر، كالأعمال الفنية أو السيارات الفارهة أو الجواهر، ومن هذه الزاوية بالذات يمكن تحديد شكل -التذوق السائد- لدى الفئات المقتدرة مالياً، بناء على الوضع السائد والتحول السريع والتطور الذي حدث في مجتمعنا، ومع كثرة الفنانين الذي بلغ عددهم 19275 فناناً، لم يجدوا مبتغاهم من اللوحات بشروطهم؛ ولذلك اتجهوا إلى الأسواق الأوروبية، سعيًا لاقتناء الأعمال الفنية ذات طابع خاص والملبية لأهدافهم، المحققة لطموحاتهم وشروطهم، التي أصبح شرائها أمرا مألوفًا من خلال رحلاتهم السياحية، ولكن هذا ينعكس في جوهره على ركود السوق المحلي، وفقدان التقاليد الفنية المحلية، ويؤدي إلى إحباط الفنان السعودي، وتقهقر وانحطاط للتشكيل السعودي، في سبيل تلبية اذواق هذه الفئة، وتحقيق مبتغاهم، ولكن هي مجرد في نوعية المنتجات التي أخذت تتكدس وتتجمع، كبرهان زائف لمكانة اجتماعية مفخمة، ومظهرًا من مظاهر التألق والتذوق الفني المفتعل (مثل) شراء لوحات فنية قديمة لرسام إيطالي أو فرنسي، رخيصة من حراج الروبابيكيا ودكاكين الأنتيكات في الأسواق الشعبية، وقد تكون مستنسخة أو مزيفة أو مقلدة؛ لأنه يتم شراؤها دون وثائق، أو تكون بأوراق مفبركة من فنانين محليين، بدلًا من شراء إنتاج فنان سعودي له قيمته الفنية وأصالته وموثقة من الفنان نفسه.
فالأصالة هنا أهم من الاقتناء وهي الضمان الوحيد؛ لأن الأولى وافدة من مصدر الإلهام والشهرة (ومن بلاد بره) والثانية ليست قديمة، وقد لا يكون الفنان معروفا، ولن يشتهر إلا بعد 100 عام، أو تصل لوحاته إلى مستوى الاستثمار بـعد وفـاتـه، ولكنها أصيلة، وسـتكون في الـمستقبل فـي صالات المزاد، فـالنتيجة اذًا، على الساحة الفنية المحلية (سلبية)؛ لأنها تدمر ويحبط عطاء الفنان السعودي، ويجعله يتجه إلى إرضاء الجزء المؤثر القادر على الشراء، ويساهم في هذه اللعبة بعض الجاليريات الخاصة، بترويج لوحات الفنانين المتوفين من (بلاد برة) بعناوين مفخمة ومبهرةـ، لتلبية طلبات هذه النخبة، الذي يهمه فناناً اسمه من (بلاد برة حتى لوكان مقيما في جدة) حيث يتحكمون في الاسم ونوعية اللوحات والأسعار والمقاسات، وفي ظل هذه الحالة، يجعل الفنان السعودي يتجه إلى تلبية طلبات هذه النخبة وشروطهم، برسم الصيغ التزيينية أو الأكثر ديكوراتية والمناسبة مع المجالس والصالونات وتنفيذ أعمال المقاولات والمناسبات، ورسم البورتريهات للشخصيات المهمة، (والسي متولي والعم عبود باكراع) فهناك أشبه بـ(موضة) جعل الفنان السعودي في حالة الركض واللهث لهذه الحمى، بما فيهم الكبار والرواد، وانتقلت هذه العدوى أيضاً إلى جيل الشباب، للحصول على نصيب الأسد، بتقديم ما لديهم من رسومات، بتعديل تواريخها (وتكون قديمة) وعلى مـقولـة الـمثل الـمكاوي (مين داري عنك ياللي في الظلام تغمز) في ظل غياب المعايير والتوثيق الرسمي للوحات، لعلهم يحظون بنصيب الأسد، في زمن القحط الصيفي، متناسين الذائقة الجمالية والأصالة في العمل، الذي يمكن أن يميزه عن الآخر؛ لأن التمسك بالمثاليات في هذا الحالة، لا تسمن ولا تغني جوع، وإنتاج لوحة واحدة بهذا المبدأ يستغرق إنجازها وقتاً طويلاً، ويجهد نفسه في التأمل والتزويق، واستخدام الخامات الأصلية، لتقديم عمل مكتمل من جميع النواحي؛ لأنه سيكون هو ذاته أول ناقد لنفسه إذا خرجت معاييره غير متطابقة لذائقته الفنية، ولكن مع هذه الحمى، أصبح إنتاج اللوحة لا تستغرق نصف ساعة، وبأي نوع من الخامات؛ لأنها أصبحت سلعة كباقي السلع الأخرى في سوق المقيبرة أو حراج الصواريخ، قابل للمقايضة والمساومة والسعر المناسب، ومن هذا المنحى، وجدت هذه النخبة غرضها بالسعر المناسب والملبية لشروطهم، حيث تحولت النظرة لدى الفنانين، أيضاً إلى (المادة) للبيع بأي ثمن والرسم بأي موضوع وأي أسلوب، للعيش وسداد أقساط السيارة، حيث يجد نفسه في تناقض حاد بين الجزء المؤثر القادر على الشراء وبين التقاليد الفنية الموروثة لديه؛ لأن الوضع الفني، يسهم في تحييد التغير والتميز، أو الجرأة الفنية نحو ما هو مختلف ومعبر عن حالة فنية أصيلة، وهنا يتم إسقاط الأصالة والجودة والنوعية، والتي تتخذ شكلا آخر في تكييفها لشكل الإنتاج الفني، وعلى قول المثل المكاوي (طب طب وليس يطلع كويس) حيث تتشابه الفكرة وتتكرر التقنية والأسلوب وتتقارب في الاستلهامات والصيغ أيضا واحدة (مثلًا) فنان عمل موضوعًا عن (زخارف القطة) ولقي التطبيل والرواج والبيع، قلده العشرات من الفنانين ورسموا ذات (الزخرفة) علّهم يحظون بما حظي زميلهم، حتى رواد الفن وكبار الفنانين، انساقوا خلف هذه الحالة، في ظل غياب المعايير والأصول الفنية، ناهيك المسابقات التي أصبحت ميدانًا رحبًا للنسخ والاقتباس من الصور واللوحات في الكتب والنت، والاستعانة بالرسامين المحترفين أو الفانوس السحري.
وللأسف مع هذه الحالة التشكيلية، لا أعتقد بإيجابيتها؛ لغياب التقييم الجاد والممارسة النقدية الصريحة، وتنامي مقالات المطبلون (واحد كتب عن فنان، أن لوحاته وصلت إلى المريخ، ما شاء الله، نافسنا الأمريكان والروس بوصول هذا الفنان الى المريخ، وهم، لسه يادوبهم وصلوا القمر) هناك مبالغات في المدح والإشادة، وعلى أثرها اندفع أكثرهم إلى المواضيع السهلة والجاهزة، مثل (الزخارف والنقش والقطة والحروفيات والطبيعة الصامتة والأعمال التجريدية) وأيضا البيع بالقطعة، المتر بمية ريال، للحاق بالتسويق، والشاطر يكسب، (وطز بالمثاليات) والفن للمال وليس للجمال، وهذا الأمر لا يخدم الفن التشكيلي السعودي، بل يسيء للفنان نفسه ويضع لوحاته في موقع السلعة.
يساهم في عرقلة تطور الفن التشكيلي السعودي، والذي من خلاله يمكننا رؤية أعمال متميزة وتجارب جريئة وتقنيات وأسـاليب مـتنوعة مـتجددة، تعبر عن حالة فنية أصيلة، لخلق تقاليد ثقافية ثابتة تعكس حقًا الأوضاع والمتطلبات للتطوير، والوصول بالفن التشكيلي السعودي إلى مستوى الحراك التشكيلي.
Ideas for drawing inspiration from global art









عمل مفاهيمي للفنان الإيطالي موناكيزي – بينالي فينسيا 1972 م.TIF