د. عصام عبدالله العسيري*
يمثّل الفنان التشكيلي السعودي زايد الزهراني أحد الأصوات البصرية التي استطاعت أن تبني أسلوبها عبر تراكم طويل من التجربة، والاشتغال على اللون كطاقة، وعلى الموروث كذاكرة حيّة. هو لا يقدّم أعماله بوصفها امتدادًا مباشرًا للبيئة، بل يعيد تفكيك المكان والإنسان والرمز ليصنع لغة تجريدية ذات جذور محلية وحساسية معاصرة.
أولاً: ملامح المسار الفني
تشير مسيرة الفنان الممتدة منذ أواخر السبعينيات للآن، إلى اهتمام مبكر بجماليات الإنسان وذاكرة المكان، ثم تطور لاحقًا نحو تجريد يعتمد على البنية، والملمس، والحركة الحادّة للون.
وقد شكّل معرضه الأخير «وهج» بجمعية الثقافة والفنون بالطائف أغسطس ٢٠٢٥ محطة فارقة؛ إذ قدّم فيه ما يزيد على أربعين عملاً تنتمي إلى مرحلة نضج واضحة، تجمع بين الحقول اللونية المشتعلة، واستدعاء الرموز التراثية بصياغة حديثة، وأثنى عليها خبراء الفن.
ثانياً: لغة اللون طاقة أكثر من كونها صبغة
يعتمد زايد على مزج الأكريليك والباستيل مع تقنية الكشط وإعادة البناء، ما يجعل سطح اللوحة أقرب إلى “طبقات من الزمن”.
اللون لديه لا يأتي كخلفية بل كقوة دافعة، يشتعل في المركز ويهدأ في الأطراف، ويقود المتلقي إلى قراءة انفعالات العمل قبل تفاصيله.
الأزرق والبنفسجي يكوّنان مناطق الظلّ، بينما الأحمر والبرتقالي يمثلان حرارة الداخل، في حين يحضر الأبيض كعنصر “محْو” يفتح نوافذ ضوئية داخل التكوين.
ثالثاً: تأملات في أعماله
1. التجريد الرمزي وظهور الهلال:
تقدّم لوحاته نموذجاً صارخاً لأسلوبه الرمزي المجرّد؛ حيث تظهر كتلة مركزية تقترب من هيئة إنسانية، لكنها مبنية من شظايا لونية وخطوط عضوية وزخارف تراثية مكسورة.
عناصر القوة في الأعمال:
أ ـ الهلال: مركز الجاذبية
الهلال الحاضر في قلب التكوين يعمل كرمز روحي وثقافي معاً، ويجذب العين إلى المركز، ليخلق توازناً بين الفوضى البصرية المحيطة والانضباط الرمزي في الداخل.
ب ـ الكتل المتشظية:
الشخصية/الطيف في قلب اللوحة تبدو كأنها في حالة انبعاث أو انفجار داخلي. هذه الحركة تعطي العمل حساً درامياً، وتجعله قريباً من التعبير الوجودي.
ج ـ طبقات اللون وتقنية الكشط:
تظهر آثار الخدش والتمرير، وكأن الفنان يعيد كتابة السطح. هنا يصبح اللون سرداً، لا مجرد طلاء.
2. ذاكرة الحياة وهندسة المكان:
تُعيد لوحاته تقديم القرى الجبلية والأحياء القديمة، لكن بشكل متخيّل، لا توثيقي. المنازل متراصة ومائلة قليلاً، في تكوين يذكّر بعمارة الطين والعروق الخشبية.
عناصر التكوين الأساسية:
أ ـ الأخضر الحُلْمي:
الأخضر هنا ليس لون الطبيعة، بل لون خصوبة الذاكرة، يرمّز للحياة والامتداد.
يخلق توازناً مع السماء الزرقاء المموّهة، فيبدو المشهد كأنه “حلم معماري”.
ب ـ الزخارف الشعبيّة:
العلامات المثلثة على واجهات البيوت، والخطوط الهندسية الدقيقة، تستعيد الفن الشعبي العربي، لكن من دون مباشرة، بل عبر تصييغ بصري حديث.
ج ـ الحركة داخل اللوحة:
المشاهد مليئة بمسارات صغيرة تقطع السطح، وكأن القرية والحي تتنفس أو تتحرك.
إنها ليست لوحة لشكل المكان… بل لوحة لذاكرة وروح المكان.
رابعاً: سمات أسلوب زايد
من خلال الأعمال والقراءات السابقة، يمكن تلخيص هويته في أربع سمات أساسية:
1. تجريد مرتبط بالتراث:
لا ينسلخ الفنان عن المكان وتراث العمران، بل يذوّبه داخل التكوين.
هذا التوازن يمنحه أسلوباً فريداً بين المحلية والحداثة.
2. الملمس كقيمة جمالية:
السطح لديه ليس مسطحاً؛ بل قصة كاملة من الخدوش، الخطوط، والطبقات.
3. حركة اللون:
اللون في أعماله يتحرك، وهذا يمنح اللوحة نبضاً داخلياً وموسيقى مرئية.
4. استدعاء الرموز:
الهلال، الزخارف الشعبية، علامات العمارة القديمة… كلها تحضر باعتبارها رموزاً للحضور الإنساني داخل العمل.
خامساً: موقعه ضمن الفن السعودي الحديث
يأتي زايد ضمن فناني الجيل الثاني من جيل الرواد الذين شكّلوا جسراً بين التعبير الشعبي والتجريد المعاصر.
فهو ينتمي إلى تيار يوازن بين الحسّ المكاني، الذاكرة الثقافية، والانفعالات اللونية.
ويبدو مشروعه قريباً من مسارات فناني اللون وحقوله الجمالية والذاكرة العربية الأصيلة، مع احتفاظه بإيقاعه الخاص الذي يعتمد على الحركة البنائية والوهج الداخلي.
ختامًا: تجربة الفنان التشكيلي زائد الزهراني لا تُقرأ من خلال لوحة واحدة أو معرض فردي، بل عبر تراكم مجمل الأعمال لأربعة عقود متواصلة التي تكشف عن فنان يكتب بالألوان ما لا يُقال بالكلمات.
إنه لا يرسم المكان كما هو، بل كما يُريده أن يُرى: مكاناً حيّاً، متحوّلاً، نابضاً، ومحمّلاً بذاكرة لا تهدأ.
وبين التجريد والرمز، وبين اللون والملمس، يبني الفنان عالميته من محليته، ويجعل من لوحاته حواراً بين اللون، والإنسان، والذاكرة.
التعليقات