الأكثر مشاهدة

الحسَن الگامَح* بادئ ذي بدء: إن دراسة وفهم أي مشروع فوتوغرافي، خاصة تلك الأعمال …

جمالية التراكب والدمج.. في كتاب “إملشيل” للفوتوغرافي سعيد أوبرايم

منذ يوم واحد

8

0

الحسَن الگامَح*

بادئ ذي بدء:

إن دراسة وفهم أي مشروع فوتوغرافي، خاصة تلك الأعمال العميقة والمُركبة ككتاب “إملشيل” للفوتوغرافي سعيد أوبرايم، يتطلب منهجية تحليلية تمر بثلاث مراحل أساسية ومترابطة: تبدأ بالقراءة الفنية لفك شفرة الأسلوب والتقنيات البصرية، ثم الانتقال إلى استخلاص الرسالة الفنية التي تحدد بيان الفنان الفوتوغرافي ورؤيته الجمالية، وأخيراً الغوص في الرسالة الإنسانية التي تربط العمل بالقيم والمفاهيم الكونية المشتركة.

هذه المراحل الثلاث تقدم معاً رؤية شاملة للعمل؛ فالقراءة الفنية ترصد استخدام تقنية التراكب في هذا الكتاب، وَتُحَلَّلُ الْأَلْوَانَ الدِّرَامِيَّة وَالْمُشْبَعَةَ، وتربطها مباشرة بالأسلوب التعبيري الذي اختاره أوبرايم.

أما الرسالة الفنية، فتنطلق من هذا الأسلوب لتؤكد أن الهدف الجمالي هو دمج هوية “آخر جيل من الرحال الأمازيغ” في النسيج الطبيعي لبيئتهم، مُشكلاً بذلك بياناً بصرياً حول الترابط المصيري بين الإنسان والأرض. وفي أعمق مستوياته، تتجلى الرسالة الإنسانية للعمل في تكريم كرامة وصمود هذا الجيل المهدد بالتلاشي، داعيةً إلى الاحتفاء بجمالية الهوية المتجذرة وبقوة الروابط الاجتماعية والتقاليد -كـ”موسم الخطوبة”– في مواجهة التغير، ما يجعل العمل ليس مجرد معرض للوحات فوتوغرافية، بل صرخة إنسانية خالدة تخلد الذاكرة وتقاوم النسيان.

أولًا: التحليل الفني للوحات

1. الموضوع الرئيسي: الهوية والبيئة

• المحتوى: تدور اللوحات بشكل أساسي حول إملشيل و”آخر جيل من الرحال الأمازيغ” في المنطقة.
• التقنية: التراكب الأسلوب الفني المهيمن هو مزج صور الوجوه والأشخاص (البورتريه) مع صور الطبيعة (الأشجار، المناظر الطبيعية) أو مع مشاهد من السوق والحياة اليومية المزدحمة.

• يخلق هذا التراكب تشويشًا بصريًا مقصودًا يربط الإنسان (الهوية الأمازيغية/الرحّل) ارتباطًا لا ينفصم بـالطبيعة المحيطة به (الأرض، الأشجار، السماء).

• كما يربطهم بالمجتمع والحياة الحضرية/ التجارية (في لوحات أخرى)، ما قد يعكس التحول والتداخل بين حياة الرحّل والاستقرار.
• الدلالة: يمكن اعتبار الوجوه “منحوتة” أو “مدمجة” في المناظر الطبيعية، ما يصور العلاقة الجوهرية والروحية بين الأمازيغي والأرض، أو ربما يُلمح إلى تلاشي هذا الجيل وتغلغل الطبيعة في ملامحهم.

2. اللون والإضاءة:

• الألوان الغنية والمشبعة: يبرز استخدام الألوان القوية والمشبعة (الأخضر الزمردي، الأصفر الذهبي، الأزرق الداكن، الأرجواني) ، خاصة في صور الدمج والتلاعب بالألوان.
• هذا الاستخدام المكثف للألوان يضيف بعدًا سرياليًا أو حالمًا، وينقل قوة وحيوية الثقافة الأمازيغية.
• الدراما والتباين: هناك تباين قوي بين الخلفيات السوداء أو الداكنة والألوان المشرقة، ما يركز انتباه المشاهد على الوجوه والعناصر المدمجة، ويزيد من الطابع الدرامي للعمل.

3. الإشارة إلى المناسبات الثقافية:

• تتضمن الصفحات إشارة مباشرة إلى “مهرجان إملشيل وموسم الخطوبة” الذي يُقام كل سنة في المنطقة.
• هذا يثبّت الكتاب في سياق اجتماعي وثقافي محدد، حيث يُظهر حياة الرحّل والمناسبات التقليدية كجزء من النسيج الزمني والمكاني للمنطقة.

4. الخلاصة الفنية:

العمل هو معرض للفن الفوتوغرافي يجمع بين التوثيق لحياة الرحّل الأمازيغ والتعبير الفني التجريدي/ السريالي عبر تقنية التراكب. إنه محاولة لـ”رسم” الهوية الأمازيغية من خلال دمجها مع بيئتها الطبيعية والاجتماعية، مما يعكس موضوعات الهوية، الجذور، التحول، وجمالية البقاء في مواجهة التغيير.

ثانيا: الرسالة الفنية

الرسالة الفنية (أو البيان الفني) التي يمكن استخلاصها من كتاب “إملشيل” للفنان الفوتوغرافي سعيد أوبرايم تتمحور حول الترابط العميق والمصيري بين الهوية الأمازيغية الرحّالة والطبيعة البيئية المتغيرة.

يمكن تلخيص الرسالة الفنية الرئيسية في النقاط التالية:

• توثيق “آخر جيل”: يُعد العمل بمثابة توثيق مؤثر لـ”آخر جيل من الرحال الأمازيغ في إملشيل”، مسلطًا الضوء على فئة تتلاشى حياتها التقليدية في مواجهة التحولات المجتمعية والبيئية.
• الهوية متجذرة في الأرض: عبر تقنية التراكب التي تدمج وجوه الأفراد بملامح الطبيعة (الأشجار والمناظر) ، يؤكد الفنان أن هوية هذا الجيل هي جزء لا يتجزأ من بيئتهم. فالوجه منحوت من الأرض، ما يعكس العلاقة الوجودية بين الإنسان والأرض.
• الحنين إلى الأصالة والتحول: تمزج اللوحات بين الأصالة الممثلة في أزياء وملامح الرحّل وبين الإشارات إلى الحياة التجارية والمجتمعية، ما يخلق رسالة مزدوجة تتناول جمال الماضي وأهمية الحفاظ على التقاليد (مثل موسم الخطوبة) في ظل عالم يتغير.
• جمالية البقاء: على الرغم من نبرة التوثيق والحنين لـ”الجيل الأخير”، فإن استخدام الألوان القوية والدرامية في اللوحات يضفي على الشخصيات قوة وكرامة، مؤكدًا على صمود هذه الهوية وجمالها الفريد.

باختصار، يحمل العمل رسالة بصرية مفادها أن الإنسان الأمازيغي الرحّال هو امتداد لبيئته، وأن فقدان أسلوب حياته خسارة للطبيعة والتاريخ معاً.

ثالثا: الرسالة الإنسانية

تتركز الرسالة الإنسانية لكتاب “إملشيل” للفنان الفوتوغرافي سعيد أوبرايم حول مجموعة من القيم والمواضيع العميقة المتعلقة بالوجود البشري والصمود في وجه التغير:

• تقدير الكرامة الإنسانية في العزلة: يركز الكتاب على تصوير “آخر جيل من الرحال الأمازيغ”، وهم أفراد يعيشون في بيئة قاسية ونائية. الرسالة الإنسانية هنا هي الاعتراف بقيمة وكرامة هؤلاء الأفراد، وإظهار أن الحياة الغنية والمعقدة والمُتجذرة لا تتطلب بالضرورة المركز الحضري، بل يمكن أن تتشكل بجمالية فريدة في أكثر المناطق عزلة.
• هشاشة التراث البشري: من خلال الإشارة إلى أنهم “الجيل الأخير”، يحمل العمل نداءً ضمنيًا لتوثيق والاحتفاء بأسلوب حياة وثقافة مهددة بالزوال. الرسالة الإنسانية هي التحذير من أن التطور والتحضر يهددان بتذويب أشكال فريدة من التعبير البشري، وأن فقدان هذا النمط من الحياة هو خسارة للتنوع الإنساني العالمي.
• الحنين وتخليد الذاكرة: يستخدم أوبرايم اللوحات الفوتوغرافية لـ”تجميد” هذه اللحظات والوجوه في الزمن، لا سيما عبر تقنية دمج البورتريه مع الطبيعة، وهي محاولة إنسانية لتخليد الذاكرة الجماعية للأمازيغ في الأطلس. هذه محاولة لمقاومة النسيان وإعطاء صوت ووجه لجيل قد يُنسى بفعل تغير الأجيال.
• العلاقة الروحية بالإنسان والمكان: لا يصور العمل الوجوه كأفراد فحسب، بل يصورهم كجزء حي من المناظر الطبيعية المحيطة بهم. الرسالة هنا هي أن الإنسان ليس كائناً منفصلاً، بل هو نتاج تفاعله العميق مع بيئته. إن المعاناة والخبرة البشرية مطبوعة على ملامحهم، التي تبدو كأنها منحوتة من صخور إملشيل نفسها، ما يؤكد وحدة الوجود الإنساني والطبيعي.
• الاحتفاء بالحب والروابط الاجتماعية: الإشارة إلى “موسم الخطوبة” تبرز قوة الروابط الاجتماعية والتقاليد التي تجمع القبائل معاً، ما يعكس الرسالة الإنسانية الكامنة في الحاجة الفطرية للتجمع، الاحتفال، ومشاركة أهم لحظات الحياة (مثل الزواج) كوسيلة للصمود وبناء المجتمع.

باختصار، الرسالة الإنسانية للكتاب هي صرخة فنية لتكريم الصمود الإنساني في وجه قسوة البيئة والتغير، مع الاحتفاء بجمالية الهوية المتجذرة التي تتشكل بعمق من خلال تاريخها وتراثها.

ختامًا:

خلاصة القول، يمثل كتاب “إملشيل” للفنان الفوتوغرافي سعيد أوبرايم دراسة فوتوغرافية غير تقليدية تتجاوز حدود التوثيق إلى فضاء التعبير السريالي والوجداني. لقد أثبت التحليل المنهجي للعمل، عبر مساراته الثلاثة (القراءة الفنية، الرسالة الفنية، والرسالة الإنسانية)، أن جمالية التراكب والدمج لم تكن مجرد اختيار تقني عابر، بل هي أداة الفنان لتحقيق رسالته الجوهرية. فمن خلال دمج الوجوه ذات الكرامة والصمود في نسيج الطبيعة القاسية والملونة، نجح أوبرايم في تحويل اللوحة الفوتوغرافية إلى لوحة ضوئية تحتفي بوحدة المصير بين الهوية الأمازيغية الرحّالة والأرض التي تحتضنها. يبقى كتاب “إملشيل” عملاً فنياً عميقاً يدعونا إلى تقدير هشاشة التراث البشري في مواجهة التغير، ويدعونا في الوقت ذاته إلى تخليد ذاكرة جيل يحمل في ملامحه قصة صراع وبقاء، مؤكداً أن الفن هو السجل الأكثر صدقاً لروح الشعوب وتاريخها المهدد بالزوال.

كما أن كتاب” إملشيل” سيجعلنا ننتظر الجديد الفوتوغرافي من خلال عدسته التي أبهرتنا ولا تزال كذلك؛ لأنه فنان فوتوغرافي تسري كويرات الفوتوغرافيا في شرايينه. فهنيئًا له بهذا الكتاب المعرض الفوتوغرافي القيم، وهنيئًا لنا بهذه الرحلة الفوتوغرافية المتميزة، وإلى مشروع آخر، نقول لسعيد أوبرايم:

إن الفوتوغرافيا تمثل متعة حقيقية، لا يمكن الاستغناء عنها، بيد أن جوهر هذه المتعة وتمامها يكمن في تميز عدستك أخي سعيد.. فدمت فنانًا فوتوغرافيا مبدعًا.

الفنان الفوتوغرافي سعيد أوبرايم

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود