مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

فاطمة الجباري * لم تكن الحياة يومًا طريقًا مستقيمًا، ولا كانت محطاتها متشابهة. ب …

امرأةٌ صنعت من الصبر حكاية، ومن العطاء أثرًا، ومن كل انكسار بداية

منذ 43 دقيقة

4

0

فاطمة الجباري *

لم تكن الحياة يومًا طريقًا مستقيمًا، ولا كانت محطاتها متشابهة. بعضها جاء محمّلًا بالفرح، وبعضها مرّ مثقلًا بالانتظار، وبعضها ترك في القلب ندبةً لا يراها أحد، لكنها كانت في كل مرة تعلّمنا كيف ننهض من جديد.

وهكذا كانت الحكاية…

امرأةٌ لم تكن تعرف أن أجمل ما في رحلتها لم يكن في الأيام السهلة، بل في تلك الأيام التي ظنّت فيها أن قدرتها على الاحتمال قد نفدت، ثم اكتشفت أنها ما زالت قادرة على الوقوف.

كانت تمضي…

لا لأنها لم تتعب، بل لأنها تعلّمت أن التعب ليس نهاية الطريق.

كانت تبتسم، وفي قلبها أشياء كثيرة لم تقلها. تمنح من حولها الطمأنينة، بينما كانت تبحث لنفسها عن لحظة أمان. تحمل هموم من تحب، وتخفي تعبها خلف كلمة: «أنا بخير»، وكأنها اعتادت أن تكون الملجأ حتى حين كانت تحتاج إلى من يسندها.

كبرت وهي تكتشف أن العطاء ليس دائمًا أن تمنح الآخرين ما يفيض عنك، بل أحيانًا أن تمنحهم أجمل ما فيك رغم أنك في أشد الحاجة إليه.

أعطت من وقتها، من قلبها، من دعائها، من صبرها، ومن عمرها.

ولم تكن تنتظر تصفيقًا.

كانت تؤمن أن بعض الأشياء الجميلة لا تحتاج إلى شاهد، وأن الله وحده يعرف كم مرة فعلنا الخير ونحن متعبون، وكم مرة ابتلعنا حزنًا حتى لا نثقل به قلبًا نحبه، وكم مرة اخترنا الصمت لا ضعفًا، بل حفاظًا على ما تبقى من الود.

وفي الطريق، انكسرت أشياء كثيرة.

أحلام لم تكتمل، وأبواب أُغلقت دون تفسير، وأشخاص ظنت أنهم سيبقون فإذا بهم يصبحون مجرد ذكرى، ومواقف جعلتها تعيد النظر في كثير من الأشياء التي كانت تظنها ثابتة.

لكنها تعلمت أن الانكسار لا يعني النهاية.

فبعض الكسور تفتح في الروح نافذة لم تكن تعرف أنها موجودة.

وبعض الخيبات تنقذنا من طرق لم تكن تشبهنا.

وبعض الغياب يعيدنا إلى أنفسنا.

وبعض النهايات تأتي رحمةً متخفية في ثوب الألم.

ومع كل محطة كانت تتغير قليلًا…

لم تعد تلك المرأة التي تخاف من فقد الأشياء كما كانت.

أصبحت تعرف أن ما كُتب لها سيصل إليها، وأن ما رحل لم يكن مقدرًا له أن يبقى، وأن الإنسان لا يخسر دائمًا حين يفقد؛ فقد يكون الفقد بداية لاستعادة نفسه.

تعلمت أن السلام لا يعني أن الحياة أصبحت بلا ضجيج، وإنما أن يصبح في داخلك مكان هادئ لا تصل إليه الفوضى.

تعلمت أن العمر ليس عدد السنوات التي مضت، بل عدد المرات التي استطعت فيها أن تبدأ من جديد.

وأن الإنسان قد يصل إلى مرحلة لا يريد فيها أن يثبت شيئًا لأحد؛ يكفيه أن يعرف نفسه، وأن يكون راضيًا عن الطريق الذي قطعه، حتى لو لم يصفق له أحد.

واليوم، حين تنظر إلى الوراء، لا ترى امرأةً لم تتعب.

بل ترى امرأةً تعبت كثيرًا… لكنها لم تستسلم.

ترى طفلةً كبرت وهي تحمل أحلامها، وأمًا احتضنت خوفها كي تمنح أبناءها الأمان، وإنسانةً منحت الآخرين من قلبها أكثر مما طلبوا، وامرأةً مرّت بمحطات كثيرة، لكنها في كل محطة تركت شيئًا من أثرها، وأخذت شيئًا من الحكمة.

لم تعد تسأل: لماذا حدث هذا لي؟

بل أصبحت تسأل: ماذا أراد الله أن يعلمني من خلاله؟

وهنا تحديدًا تغيّرت الحكاية.

فحين يتحول الألم إلى وعي، يصبح وجع الأمس جزءًا من قوة اليوم.

وحين يتحول العطاء إلى أثر، لا يعود العمر مجرد سنوات مضت، بل يصبح حياةً امتدت في قلوب الآخرين.

وحين يتحول الانكسار إلى بداية، ندرك أن الله لم يغلق بابًا إلا ليقودنا إلى باب آخر، وإن تأخر علينا فهم الحكمة.

ربما لهذا تبدو محطات حياتنا هادئة للآخرين، بينما هي في داخلنا لا تهدأ.

محطات من لقاء وفراق، نجاح وإخفاق، انتظار ووصول، فرح ودموع، أحلام تحققت وأخرى ما زالت معلقة بين السماء والأرض.

لكنها جميعًا صنعتنا.

واليوم، لا تريد تلك المرأة أن تعود إلى الوراء لتغيّر شيئًا.

لا تريد أن تمحو تعبًا، ولا دمعة، ولا خسارة، ولا حتى انكسارًا.

فكل ذلك كان جزءًا من تكوينها.

تبتسم وتقول:

«لو خُيّرت بين أن أعيش الطريق نفسه أو أختصره، لاخترت الطريق نفسه… فقد كان كل ما مررت به يصنع مني المرأة التي أنا عليها اليوم.»

امرأةٌ لم تكن حياتها حكايةً من الراحة…

بل حكاية من الصبر.

لم يكن عطاؤها فائضًا…

بل كان حبًا.

ولم تكن انكساراتها نهايات…

بل بدايات مؤجلة.

وما زالت تمضي…

فمحطاتها لم تهدأ بعد.

لكنها هذه المرة لا تمضي بحثًا عن حياةٍ بلا تعب، بل تمضي بقلبٍ أكثر اتزانًا، وروحٍ أكثر صفاءً، وإيمانٍ أعمق بأن أجمل الفصول قد تأتي بعد أن نظن أن الكتاب أوشك على الانتهاء.

فبعض النساء لا تكتبهن الحياة من الحبر… بل تكتبهن من الصبر.

وبعض الحكايات لا تنتهي… لأنها كلما ظننا أنها وصلت إلى آخر السطر، بدأت من جديد..

* كاتبة سعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود