الأكثر مشاهدة

هاني الغيتاوي* كان لديّ في سني عمري الأولى ، اعتقادٌ راسخ بأن الصداقة مُشتقّة من …

في المقهى السائل (3) الصداقة في زمن المنفعة السائلة : تأملات في فكر زيجمونت باومان

منذ 43 دقيقة

5

0

هاني الغيتاوي*

كان لديّ في سني عمري الأولى ، اعتقادٌ راسخ بأن الصداقة مُشتقّة من الصدق ، وأن الماء وليد المطر، والوفاء  ثمرة العهد ؛ وكنت أرى العالم يومها كما تُرى الأشياء في الحساب البسيط : واحدٌ زائد واحد يساوي اثنين .

لذلك كانت الصداقة في تصوري الطفولي هي المعادل الموضوعي لكل شيء ؛ فمن أحببته صدّقته ، ومن صدّقته ائتمنته ، ومن ائتمنته ظننته لا يخون .

لم أكن أعرف آنذاك أن للغة استثناءاتها ، وللحياة معادلاتٍ لا تخضع للحساب ، وأن بعض اليقينيات التي تبدو لنا في الطفولة بديهية كحقائق الرياضيات ، يأتي العمر فيعيد صياغتها في داخلنا .

الصداقة في زمننا ، أضحت في كثير من الأحيان علاقة قابلة للقياس بين المنفعة والخسارة ؛ فالصديق يقترب منك بقدر ما تملك أن تمنحه ، ويبتعد عنك بقدر ما تنحسر منفعتك .

وبالرغم من أن هذا التصور بدأ يتجسّد أمامي في كثيرٍ من العلاقات ، ويتردد إلى سمعي من خلال حكايات الناس وتجاربهم ، فإنني أبصرته واقعًا عمليًا في سجلات محاضر الدعاوى ؛ حيثُ تكشّفت أمامي ، قضية بعد أخرى ، صورٌ متعددة لعلاقاتٍ تحولت فيها الصداقة إلى حساب ، والثقة إلى مطالبة ، والوفاء إلى مصلحة ، ومع مرور الوقت ، أضحى ذلك نمطًا يتكرر في القضايا والدعاوى التي تمر أمامي ، حتى بدا أن القاسم المشترك بينها جميعًا هو البحث عن المنفعة .

في إحدى الدعاوى التي تابعتها ، كان النزاع بين صديقين ، شربا من نبعٍ واحد ، واقتسما في طفولتهما مساحات اللعب والراحة ، بل وحتى النوم ، ونظرًا إلى هذا الارتباط الوثيق بينهما ؛ كان الناس لا يكادون يفرقون بينهما .

مضت بهما السنوات وهما يتقاسمان تفاصيل الحياة ؛ في مقاعد الدراسة ، وفي بدايات العمل ، وفي الأفراح التي جمعتهما ، والأحزان التي لم يكن أحدهما يترك الآخر وحيدًا في مواجهتها ، حتى بدا أن ما بينهما قد تجاوز حدود الصداقة إلى رابطةٍ أشد عمقًا وأوثق صلة .

كانت صداقتهما كمدينةٍ حصينة شُيّدت أسوارها من سنوات العمر المشترك ، وظلت تبدو عصيّةً على الاقتحام ، حتى بدأ الضباب يتسلل إليها ، وأخذ البرد يزحف في أرجائها ، فشرع كلّ منهما ينسحب منها ببطء ، ثمّ بدأ الضجيج يعلو بأصوات المصالح والمنافع ، وتحولت الذكريات بين عشيةٍ وضحاها إلى ملفاتٍ وصحفٍ وردود وتعقيبات ، ثمّ إلى سجالاتٍ وتراشقٍ بالاتهامات ، ودحضٍ للحجج ، وتكذيبٍ لما كان بالأمس حقيقة مشتركة بينهما .

هنا فقط أدركت أننا نعيش في زمن السيولة كما وصفه ” زيجمونت باومان “؛ حيث لا شيء يبقى على حاله ، حتى العلاقات الإنسانية التي نظنها أكثر ثباتًا ، ومنها الصداقة ، التي لم تعد تُقاس بطول السنوات ، بقدر ما تُقاس بمدى استمرار المنفعة .

ولم تعد المواقف المشتركة ضمانًا لاستمرارها ، بل مجرّد مرحلة مؤقتة قابلة لإعادة التقييم في أي لحظة ؛ فإذا انتهت الحاجة ، أو تغيّر المسار ، أصبح الانفصال أمرًا طبيعيًا ، وكأنّ سنوات العمر التي جمعت بينهما لا تصمد أمام المصالح والمنافع التي تكون لها اليد الطولى والسلطان في تقرير مصير العلاقات .

ومن المؤلم أن نرى هذه الفكرة تُسيطر وتهيمن على تفاصيل الحياة اليومية ؛ فحضور الصديق في الشدائد أصبح يحل محلّه الغياب حين تتغير الظروف ، والعلاقة التي تُبنى على الثقة تتحول إلى نوعٍ من الحسابات الدقيقة ، ماذا قدّم ؟ وماذا أخذ ؟ وما عساي أن أستفيد ؟  ثم يبقى السؤال الأكثر إيلامًا : هل يمكن لعلاقة تُقاس بمنطق الربح والخسارة أن تستمر ؟

لقد فقدت العلاقات الإنسانية بساطتها وتلقائيتها ، حين أصبحت لغة الحساب هي اللغة الرسمية في التعامل ، ووئدت لغة العفوية والفطرة ؛ وهذا بلا شك ، أمر خطير قد يفضي بها إلى مصير لا تُحمد عُقباه .

لكن الأخطر من ذلك أن الإنسان نفسه بدأ يجيد لغة الحساب ، وينسى لغة العفوية ، ويتكيّف شيئًا فشيئًا مع منطق المنفعة ، حتى غدا يقيس علاقاته بما تمنحه له من مكاسب ، لا بما تمنحه روحه من سكينة ، ويزين صداقاته بما يأخذ منها وما يعطيها ، لا بما تتركه فيه من أثر .

في ضوء ذلك المناخ ، تتشكل علاقاتٌ هشة ؛ تبدو من الخارج قائمةً ومتماسكة ، لكنها تنهار عند أول اختبار ، لأنها لم تُبن على أساسٍ متينٍ ، وإنما على توازنٍ مؤقت تحكمه المصالح والمنافع ، إنها تشبه السراب ؛ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا بلغه لم يجده شيئًا .

كان باومان يرى أن المجتمع الحديث لا يُغيّر أشكال العلاقات فحسب ، بل يغيّر معانيها أيضًا ؛ فالعلاقة التي كانت تقوم على الثقة والدعم المتبادل ، تتحول سيئًا فشيئًا إلى أشبه بعقدٍ غير مكتوب ، يخضع باستمرار لإعادة التعديل والتغيير ، وربما الإلغاء كلما تبدلت المصالح أو تغيرت الظروف.

ولعل جوهر ما تكشفه فكرة باومان عن السيولة ، هنا لا يكمن في أن الناس أصبحوا أقل قدرة على الصداقة فحسب ، وإنما في أنهم أصبحوا يريدون من العلاقة ما تمنحه من قربٍ وأمانٍ ومساندة ، دون أن يتحملوا دائمًا أعباء الالتزام التي تجعلها علاقة حقيقية .

يريد الإنسان أن يكون له صديق ، لكنه يريد في الوقت نفسه أن يظل قادرًا على الإنسحاب متى شاء ؛ يريد أن يجد الآخر حين يحتاج إليه ، دون أن يشعر بالضرورة بأنه مطالب بأن يكون حاضرًا حين يحتاج إليه الآخر . وهنا تكمن المفارقة ، نريد ثمار العلاقة ، لكننا نتردد في حمل تبعاتها ، ونرغب في القرب دون أن نقبل دائمًا ما يفرضه القرب من مسؤولية ووفاء واستمرار .

الصداقة بهذا المفهوم أضحت أقرب إلى اتفاق منها إلى ارتباط ؛ فالارتباط تنشأ معه مسؤولية عاطفية ، ويصبح الانفصال عنه أمرًا يترك أثرًا وندبة في الذاكرة ، أمّا الاتفاق فيمكن إنهاؤه دون ضجيج ، أو إعادة تشكيله دون ألم كبير ، طالما أن البدائل موجودة ، والخيارات الأخرى متاحة .

وهكذا غدت الصداقة في زمن السيولة ، علاقة قابلة للمراجعة كلما تبدلت الظروف ، وقابلة للإنهاء كلما ظهرت منفعة أكثر إغراءً في مكانٍ آخر .

لذلك ، فإن مشكلة الصديقين اللذين جمعتهما الفطرة والعفوية ذات يومٍ ، أنهما لم يستطيعا أن يُحصنا علاقتهما من آثار زمن السيولة ، الذي نظر له باومان ، وربما كانت علاقتهما على الرغم من امتداد هذه السنين ، تفتقر إلى ذلك العمق الذي يجعلها بمنأى عن الاستبدال ؛ فلم تصمد حين تبدلت الموازين ، وسرعان ما انهارت جذاذًا أمام جبل السيولة ، الضارب بجذوره في تربة المنفعة والمصلحة .

وإذا كان حالهما قد آل إلى ذلك رغم امتداد السنين ، واشتراكهما في طفولة واحدة وذاكرة واحدة ، فما حال الصداقات التي تنبت في هذا الزمن، وتتشكل في تربة تتبدل فيها المصالح قبل أن تتمكن جذورها من الامتداد ؟

ربما لهذا ما زلت أحنّ إلى ذلك الفهم البسيط الذي سكنني في طفولتي : أن الصداقة مشتقة من الصدق ، وأن الصديق هو من يبقى حين تنتهي الحاجة ، وتغيب المنفعة ، ففي زمن السيولة ، ربما لم تعد المشكلة في أن الصداقة أصبحت نادرة ، وإنما في أننا نسينا كيف نكون أصدقاء .

*كاتب مصري

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود